تقديم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله وصحبه.
وبعد:
فإن أمة الإسلام التي متعها الله بدينه وحباها برسالته قامت على دعائم إذا اعتنت بترسيخها قويت عزيمتها وارتفع لواؤها وساد أهلها. وإذا فرطت في تلك الدعائم فعصت ربها وخالفت نبيها - صلى الله عليه وسلم - هانت على عدوها. بل ظهر البأس بينهم شديدا.
وإن من دعائم الإسلام تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولما كان لباس التقوى خير جعله الله ينزع عمن نزع عن نفسه اللباس الساتر للعورات كما ذكر ربنا في سورة الأعراف يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [ الأعراف: 26، 27 ].
فإذا انتصر العبد على شهواته طاعة لله وامتثالا لأمره نصره الله تعالى على عدوه ورد كيده في نحره. وإذا انغمس العبد في شهواته فإن الله لمجرمه من تأييده ونصره يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [ محمد: 7 ]، وفي الحديث: احفظ الله يحفظك
لذا كانت شريعة الله تنزل بالتطهير للأمة من دنس الشرك وبعث التوحيد ثم بقية الفواحش بعد. والناظر يرى أن سورة الأحزاب نزلت بعد غزوة الأحزاب وسورة النور نزلت بعد غزوة بني المصطلق وهما متقاربتان حتى أن كثيرا من جهابذة أهل العلم بالسيرة اختلفوا في الأسبق منهما. لكن هما آخر غزوة تغزى فيها المسلمون في ديارهم وأول غزوة يخرجون فيها إلى عدوهم في بلاده فنزل الشرع بالتطهير لهم من الفواحش في السورتين الكريمتين ليعد هذه الأمة لملاقاة عدوها مؤيدا بنصر الله تعالى لمن روض نفسه على الطاعة وأبعدها عن الفواحش بدءا من غض البصر وحفظ الصوت وحجاب النساء حتى حفظ الفرج وحد الزاني والقاذف.
أيها القارئ الكريم وهذه الرسالة القيمة بين يديك تحذير من الفواحش، وأمر بالاستقامة، فاعلم أن لزوم ذلك فيه نصر الله لعبده في الدارين فلا تحرم نفسك من ذلك الخير العميم. ولا توقع نفسك في العذاب الأليم، فضلا عن حرمانك من السعادة التي يغرسها الله في قلب من أحب دينه وعمل به.
أيها القارئ الكريم فكن في هذه الرسالة مطالعا متدبرا وكن لخيرها ناقلا ولا تكن كالغراب لا يقع إلا على الديدان والحشرات، ولكن كن كالنحل يسعى في البستان بين أزهاره وينقل من رحيقه فيحيله الله تعالى إلى شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناظر. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وكتبه محمد صفوت نور الدين المسجد الحرام مغرب الثامن والعشرين من رمضان 1417 ه