شبكة المحمل الادبية الثقافية

منتدى نشيج المحابر الادبي ::: أرشيف المقالات ::: ::: الإحصائية الشاملة :::

  شبكة المحمل الادبية الثقافية منتديات نشيج المحابر الادبية

شبكة المحمل - نشيج المحابر - الاقسام الادبية  - مركز الاخبار - المكتبة الاسلامية - الاقسام العلمية - اقسام التطوير - سجل الزوار - خريطة المحمل - أخبر صديق

 


الرئيسيه :: إسلاميات :: كتب ومقالات اسلامية :: الأمن في حياة الناس وأهميته في الإسلام :: المبحث الخامس المملكة العربية السعودية وتطبيق السياسة الجنائية الإسلامية

 >> منتديات نشيج المحابر الادبية
 >> الاقسام الادبية
 >> الاقسام الدينية دين ودنيا
 >> الاقسام العلمية والثقافية
 >> اقسام الفنون والتطوير والبرامج
 >> الديوان الادبي
 >> بريد المحمل
 >> اتفاقية الاستخدام
 >> The Purpose of Life
 >> محرك بحث قوقل google
 >> إتصل بنا

>> القرآن الكريم
>> محمد عليه الصلاة والسلام
>> الصحابه والصالحين
>> الأحاديث النبويه
>> الاعجاز العلمي وعلماء العرب
>> كتب ومقالات اسلامية
>> موسوعة القصص
>> أقسام منوعة
>> المطويات الدينيه

المبحث الخامس المملكة العربية السعودية وتطبيق السياسة الجنائية الإسلامية

 
المبحث الخامس المملكة العربية السعودية وتطبيق السياسة الجنائية الإسلامية
قامت الدولة السعودية في القرن الهجري الثاني عشر، على هدي القرآن الكريم، وحكمة السنة النبوية المشرفة، وهما الأصلان العظيمان في التشريع الإسلامي.

ولم يكن الاهتداء بالقرآن والاتباع للسنة، ظاهرين في أكثر أرجاء الجزيرة قبل قيام الدولة السعودية، ولكن قيامها، كان له الأثر الأكبر في نجاح الدعوة إلى الله، ونصرة مسيرة التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.

لقد كانت الجزيرة العربية، التي فيها الحرمان الشريفان - قبل نشأة الدولة السعودية - في كثير من أرجائها، مرتعاً للجهل وجاهلية الحياة في القيم والعادات، والتخلف الفكري، ولقد تحدث عن مظاهر هذا التخلف، وما ران على الناس من انحراف عن العقيدة الصحيحة، وتنكر لأحكام الشرع، كثير من المؤرخين والعلماء.

ولم يكن غريباً، أن يكون هذا الفساد في بلاد إسلامية عديدة، وأن تتشابه فيها المنكرات الدينية، لأسباب شتى وعوامل عديدة ومتنوعة، لا يتسع المقام لشرحها.

ووسط هذا الظلام المحيط بفكر المسلمين وحياتهم، ظهرت دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، في وسط نجد، واتجهت الدعوة إلى إصلاح عقيدة الناس، وردهم إلى ما كان عليه السلف الصالح، في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند التنازع والاختلاف، مع احترام آراء أصحاب المذاهب الكبرى المعتبرة في الإسلام. وقد جاهد الشيخ - رحمه الله - في دفع ما تناوله به خصوم الدعوة من تهم، وما أثاروه حول دعوته من شبهات.

وقد تهيأ للدعوة التي قامت على هدي القرآن والسنة بفضل الله، التمكين في أرض الجزيرة، بمساندة الإمام محمد بن سعود، رحمه الله، الذي تولى إمارة الدرعية عام 1139 ه، والذي رحب بمقدم الشيخ إلى إمارته، وعاهده على النصرة والتأييد، والدعوة إلى كلمة التوحيد، كما أرادها الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد تابع الأئمة من آل سعود، جهدهم وجهادهم في إصلاح الدين والدنيا، حتى عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، رحمه الله، والذي تم على يده توحيد المملكة العربية السعودية في القرن الرابع عشر الهجري، بعد جهاد استهدف إقامة شرع الله، وتنقية مجتمع المملكة من كل ما يخالف الدين، وجمع كلمة أبنائها على الحق الذي دعاهم إليه دينهم.

ولقد أدرك الملك المؤسس، رحمه الله، منذ توحيد المملكة على يده، أن الأمن من أهم مطالب الإنسان.

فقد جاء في إحدى خطبه، ما يجعل هذا المعنى واضحا وجليا أمام الناس جميعا:

"إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون، لذلك أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذر الجميع من نزغات الشياطين، والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه البلاد، فإني لا أراعي في هذا الباب صغيرا ولا كبيرا، وليحذر كل إنسان، أن تكون العبرة فيه لغيره ".

وهي كلمات، تعبر عن قائلها، ملك عظيم وداعية كبير.

وقد أشاد بنجاح الملك المؤسس، رحمه الله، في حفظ أمن المملكة، على اتساع أطرافها، وتعدد مناطقها، كثير من الباحثين، وحتى من غير المسلمين.

كما أشادت بالأمن في المملكة العربية السعودية، كثير من المؤتمرات العلمية والأمنية التي انعقدت على المستوى الدولي.

وكان لجهد الملوك من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز، رحمه الله، أثره الكبير في استقرار الأمن، وتقدم البلاد في جميع المجالات، فقد تابعوا جميعا رسالة تحقيق الآمن والاستقرار بكل العناية والاهتمام.

وقد شهد المؤتمر الثاني والثمانون لرؤساء الشرطة في العالم، والذي عقد بمدينة ميامي في ولاية فلوريدا، بأن المملكة العربية السعودية، هي أقل دول العالم جريمة وأكثرها أمنا.

ولم يكن الاهتمام بتوفير أمن المواطن، قاصرا على حماية الأفراد من الجرائم التي ترتكب ضدهم، وتنتهك حرمة النفس والعرض والمال، ولكنه كان حماية للمجتمع كله أيضا.

فالأمن في مفهوم المملكة العربية السعودية، شامل للفرد والمجتمع.

ولذلك كانت الحماية من المبادئ والمذاهب والتيارات التي يدعو إليها أعداء الدين أو خصوم الشريعة، أو أصحاب البدع والأهواء.

لقد اهتمت المملكة بمحاربة الفكر الإلحادي والمادي، ممثلا في الشيوعية، وبمقاومة التعصب القومي، الذي ينحِّي الدين ويتشبث بدعاوى الجاهلية، كالعرق والجنس واللون.

وتصدت المملكة سياسياً لمن أقاموا المجازر للمسلمين في بلادهم، فكانت المملكة منذ توحيدها وإلى الآن، وستستمر بإذن الله، نعم العون والمدد للمسلمين المستضعفين في أنحاء الأرض.

يقول الملك عبد العزيز، رحمه الله، في مدينة الطائف سنة 1351 ه:

أحذركم من أمرين:

"الإلحاد في الدين، والخروج عن الإسلام في هذه البلاد المقدسة، فوالله لا أتساهل في هذا الأمر أبداً، ومن رأيت منه زيغا عن العقيدة الإسلامية، فليس له من الجزاء إلا أشده، ومن العقوبة إلا أعظمها ".

والأمر الثاني:

" السفهاء الذين يسول لهم الشيطان بعض الأمور المخلة بأمن البلاد وراحتها ".

يتضح في المملكة مفهوم الأمن بأوسع معانيه، أمن الفرد على نفسه وعرضه وماله، وأمن المجتمع على دينه وقيمه الخلقية والاجتماعية، وأمن المسلمين حين يحتاجون إلى المساعدة حتى في خارج المملكة.

لقد تابع خلفاء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، رحمه الله، سياسته، في توفير أمن المواطن وأمن المجتمع، وفي عون المسلمين في أطراف الأرض.

وكان ذلك تطبيقا أمينا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته متفق عليه.

وإعمالاً لقواعد الشريعة وأحكامها، في مواجهة الخروج عليها من بعض الأفراد.

وحماية للمجتمع وللأمة الإسلامية من التفرق والتمزق والانقسام، وراء المذاهب والتيارات والبدع والأهواء.

إن المعيار الذي يقاس به الأمن في بلد من البلاد، هو أمن المواطن أولاً، على نفسه وعرضه وماله.

وهو أظهر معيار في قياس الأمن في المجتمعات الإنسانية، ولذلك يتصدر هذا المعيار مفهوم الأمن الشامل الذي تحدثنا عنه فيما سبق.

فقد يتحمل مجتمع من المجتمعات اختلال الأمن الاقتصادي، أو الغزو الثقافي لفترة من الفترات في تاريخه، حتى يتنبه القائمون عليه إلى إصلاح الخلل الاقتصادي، أو مواجهة الغزو الثقافي.

ولكن تعرض المجتمع لاختلال أمن المواطن، أو شيوع الخوف أو الفزع على النفس أو العرض أو المال، يجعل الحياة فيه عسيرة أشد العسر، ويهدد بانهياره وسقوطه، ويصادر تقدمه ونموه.

هنا، يبدو تفوق السياسة الجنائية الإسلامية في مواجهة ظاهرة الجريمة، وهي ظاهرة اجتماعية قديمة، لم يخل منها مجتمع من المجتمعات الإنسانية.

لقد ورد في القرآن الكريم، ذكر أول جريمة قتل وقعت على الأرض:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (المائدة الآية 27 - 30).

وظاهر الآية، يفيد أن الباعث على القتل، كان الحقد والحسد، وهو باعث لم يزل قائما وإن تنوعت أسبابه.

وتقوم السياسات الجنائية الحديثة، على أساس معرفة رد الفعل الاجتماعي، أو ما يسمى بسياسة الدفاع الاجتماعي.

ونجد في شريعة الله في مواجهة جريمة القتل - وهي أخطر جريمة على الإنسان، إذ هي تسلبه نعمة الحياة - تحذيرا عظيما، يمثل أقصى ما يدافع به مجتمع عن بقائه واستمراره، في مواجهة هذه الجريمة:

أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (المائدة الآية 32).

ونجد فيها عقوبة رادعة في العقاب والجزاء الدنيوي على هذه الجريمة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى (البقرة الآية 178)

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة الآية 179)

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (المائدة الآية 45).

وذلك فضلا عن الوعيد بالخلود في نار جهنم للقاتل عمدا:

وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (النساء الآية 93).

ويبدو النهج الإلهي في دفاع المجتمع المسلم، ضد جريمة القتل، أكمل المناهج وأوفاها بتحقيق العدل، والمصلحة.

إن العقل يدرك أن القصاص فيه إحياء للأنفس، ووقاية من القتل، حتى ولو لم يكن عقل مسلم يقرأ في كتاب الله عز وجل:

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (البقرة الآية 179).

وقد قال العرب قبل أن ينزل القرآن: "القتل أنفى للقتل".

فعقوبة القصاص في جرائم الاعتداء على النفس وما دونها، وهي العقوبة التي تلتزم تطبيقها المملكة العربية السعودية، هي أعدل العقوبات وأوفاها بالمصلحة الاجتماعية.

ولقد ترددت النظم الجنائية الوضعية في العصر الحديث، في الأخذ بعقوبة القصاص (أو الإعدام قصاصا) على جرائم القتل.

وكان ذلك، ناشئا عن أفكار ومذاهب ادعت الحرص على النفس الإنسانية والاحتياط لها، فعدلت دول كثيرة عن توقيع عقوبة الإعدام على مرتكبي جناية القتل

. وتأثرت بذلك بعض المواثيق الدولية، فدعت إلى نبذ عقوبة الإعدام بحجة مفادها: أن المجتمع لم يمنح الإنسان حياته، حتى يكون له الحق في سلبها منه، وأن العقوبة لم تمنع من ارتكاب جرائم القتل، وأن الخطأ في توقيع العقوبة يستحيل إصلاحه.

وكل هذه الحجج، مردودة على أصحابها، فالمجتمع لم يمنح الجاني حياته، وإنما الحياة وهبها الله عز وجل للجاني وللضحية، والله تعالى هو الذي أمرنا بالقصاص من القاتل عمدا وعدوانا بغير حق، فلا شأن لغير الله عز وجل في الإحياء، ولا راد لأمره في توقيع القصاص على من يستحقه.

أما أن شدة العقوبة، لا تمنع من ارتكاب الجرائم، فإن ذلك فهم مغلوط، فالإنسان لا يقدم في الغالب على ما يجلب عليه تلف نفسه، وارتكاب جريمة القتل، هو استثناء يقدم عليه من قد يستهين بالعقوبة، إذا لم تمس حياته.

وهؤلاء، هم الذين يتوجه إليهم الإنذار بالعقوبة التي تؤثر في نفوسهم، وقد يحجمون، فيكون في ذلك إحياء لأنفسهم ولغيرهم من الناس.

أما خوف الخطأ، فإن التشدد في الإثبات، وهو مبدأ الشريعة الإسلامية في كل الجرائم حتى يمكن توقيع العقوبة، يكفل أعظم درجات الاحتياط.

فالشهادة في الإسلام ولاية وسلطان، يتطلب الشرع فيمن يؤديها العدالة، وهو ما لا تشترطه النظم الوضعية، حتى في جرائم القتل.

ويتطلب الرؤية الصادقة للواقعة المشهود عليها، يقول صلى الله عليه وسلم:

إذا رأيت كالشمس فاشهد وإلا فدع رواه الطبراني، والديلمي في مسند الفردوس.

فاحتمال الخطأ في الإثبات الشرعي نادر، والنادر لا حكم له، وهذا الاحتمال، يزداد وقوعه في النظم الجنائية بقبول الشهادة من غير العدل، ومن أراذل الناس، ومن الأطفال، وقبول شهادة السامع، وربما تأثر القاضي بما يحيط بالجريمة من إعلان وإعلام.

وذلك أمر تأباه قواعد الإثبات في الشريعة الإسلامية، كما هو معروف ومفصل في كتب الفقه في أبواب القصاص والحدود.

وقد احتال المنكرون لحدود الله، لتبرير رفضهم لعقوبة القصاص، وجعلوها تنافي ما تنادوا به من حقوق للإنسان.

ولا شك أن حق الحياة، كفلته الشريعة للإنسان، وحمته من كل عدوان يقع عليه.

ولكن هؤلاء يعتبرون الحياة حقا، لا يجوز المساس به، وإن تعدى صاحبه بغير حق على إنسان آخر، فسلبه حياته.

وهي تفرقة لا تجد سندا من العقل ولا العدل.

وكان من نتيجة هذا المسلك المعوج، أن ألغت دول كثيرة عقوبة الإعدام، حتى على جريمة القتل العمد العدوان.

ولكن بعضها عدل عن ذلك بعد ما تبين لها فساده.

وما زالت عشر ولايات في الولايات المتحدة الأمريكية، لا تبيح قوانينها الحكم بعقوبة الإعدام، ويكتفى فيها في جرائم القتل، بعقوبة السجن مدى الحياة، حيث يعيش المجرم القاتل على نفقة غيره في السجن، بعد أن سلب غيره حق الحياة.

وارتفعت الأصوات تطالب بتوقيع عقوبة الإعدام على الجرائم التي تصل في بشاعتها وقسوتها على الإنسان إلى حد يستفز مشاعر البشر، وهي تنشر في الصحف وفي أجهزة الإعلام كل يوم، في تلك المجتمعات التي تدعي التحضر والحفاظ على الأنفس.

ولا أحد يجهل في هذا العصر، صرخات كثير من المجتمعات المتقدمة مدنيا، مثل المجتمع الأمريكي أو الأوروبي بوجه عام، من تفاقم ظاهرة الجريمة، التي ترتبت على الحرية المطلقة التي يعيش في ظلها الناس، حرية التنافس والتقاتل على تحصيل المال واللذة والسلطان، حرية لا تحدها الأديان ولا قيم الأخلاق، ولا يكاد يقف في طريقها إلا مصلحة الآخرين في المنافسة.

وفي عصر حقوق الإنسان، الذي تعترف فيه كثير من المجتمعات بكرامته وحقه في الحياة، وفي التكافل الاجتماعي والمشاركة العامة، تنتهك الأعراض، وتسلب الأموال، ويشتد ساعد عصابات الإجرام، وتقف كثير من الحكومات عاجزة عن التصدي للفساد.

في الولايات المتحدة الأمريكية كما نشر في أجهزة الإعلام، تقع آلاف من جرائم الاغتصاب سنويا، وعشرات الآلاف من جرائم السرقة والاعتداء على الناس، وينشر الكثير عن أرقام المبالغ والأرباح التي يحققها النشاط الإجرامي في تجارة البشر، في الدعارة، وفي أنواع الفواحش، وفي تجارة المواد المخدرة.

وتعد الحكومات، الخطط للقضاء على الجريمة أو تقليل آثارها.

ولكن يحول دون ذلك، أن عقوبة الإعدام للقاتل لا يعترف بها، وأن الزنى والفواحش، كلها من قبيل ممارسة الحرية الفردية، وربما ارتفعت أصوات في بعض البلاد، بأن من طرق مقاومة انتشار المخدرات، إباحة بعض أنواعها، وكأن المجتمع ينحني أمام ظاهرة الجريمة، ولا يجرؤ على التصدي لها بحزم.

إن السياسة الجنائية في الإسلام، هي في الأصل سياسة وقاية من الجريمة، وحماية للمجتمع، وصيانة للأنفس والأموال والأعراض.

وهي سياسة تشهر في وجه الجريمة سيف الحدود والقصاص، عقوبة جسيمة، تتهدد المجرم قبل أن يهم بارتكاب جريمته، ثم لا توقع عليه إذا ارتكبها إلا بعد ثبوت كامل، وأدلة قاطعة وضمانات عادلة.

إن الإسلام لا يقطع الأيدي استهانة بها، ولا يجلد الظهور تحقيرا للإنسان، ولكن تهديداً للمجرم وهو واحد، ونشراً للطمأنينة لآلاف البشر.

وخوف عشرات أو مئات من المجرمين، في المجتمعات التي تضم عشرات ومئات الملايين من البشر، يحفظ الأمن، ويصون الأرواح والأعراض والأموال للملايين، حتى ينصرفوا إلى خدمة مجتمعاتهم وأوطانهم.

وليس أدل على نجاح السياسة الجنائية الإسلامية، من أن ينظر إلى نتائجها وآثارها، في دولة تلتزم بتطبيقها كاملة، وتواجه بها ظاهرة الجريمة، وما يظهر في المجتمع من فساد، كما هو الواقع في المملكة العربية السعودية.

إن المملكة العربية السعودية، دولة حديثة في مؤسساتها، منذ وحدها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، رحمه الله.

ولقد تقدمت مؤسسات المملكة، واكتسبت خبرتها في مجالات عملها، ومنها مؤسسات الأمن والشرطة، نتيجة التزامها بالهدف الذي أنشئت من أجله، وهو تأمين الوطن والمواطن، وحمايتهما من آثار الجريمة التي لم يخل منها مجتمع من المجتمعات الإنسانية.

والوسيلة الأولى في يد مؤسسات الأمن للنجاح في عملها، تقوم على أساس تطبيق شرع الله والاهتداء بهديه، ثم بعد ذلك باتباع الأسلوب العلمي في التخطيط والتنفيذ، في شأن الوقاية من الجريمة وملاحقة مرتكبيها، حتى يتم تنفيذ حكم الله عز وجل فيهم.

ومن ناحية أخرى، فإن المملكة تضم إلى جانب المواطنين السعوديين، ملايين من الناس، فتحت لهم المملكة أبواب العمل فيها، لا سيما البلاد الإسلامية في آسيا وأفريقيا، وهؤلاء، من بلاد تختلف لغاتها وعادات شعوبها، وهم من عشرات الجنسيات.

ولا شك أن ذلك، وإن كان يحقق قدراً من التواصل المطلوب بين شعب المملكة والشعوب الأخرى، إلا أنه يلقي على أجهزة الأمن ومؤسساته عبئا كبيراً، يتمثل في معرفة الظروف والأحوال التي يعيش فيها هؤلاء، وأثر اختلاف البيئات والأعراف، وربما العقائد في مسلك هؤلاء.

وذلك بهدف حمايتهم، وتوفير الأمن لهم، وتيسير حياتهم، وكذلك بهدف حماية المجتمع من التأثير الضار لبعضهم، والذي قد يعمد إلى الإخلال بالأمن.

إن الإحصاءات المتوافرة، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن السياسة الجنائية الإسلامية التي تتبعها المملكة، هي الاختيار الوحيد والأفضل للنجاح في تحقيق الأمن.

في الإحصاء السنوي للجرائم على اختلاف أنواعها في المملكة العربية السعودية، يظهر أمران هامان:

أولهما: أن عدد الجرائم في جملته (الاعتداء على النفس والمال والعرض وغيرها من الجرائم) عدد قليل، بالنسبة لعدد السكان، وإقامة أعداد كبيرة من الوافدين للعمل، من مختلف الجنسيات.

ثانيهما: أن مرتكبي هذه الجرائم، هم من الأفراد، وأن الجريمة في المملكة العربية السعودية، جريمة فردية أو ثنائية، وليست من جرائم التنظيمات الإجرامية أو العصابات التي تتألف لارتكاب الجرائم والإخلال بالأمن، وهي أمور ظاهرة في المجتمعات الأوروبية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وكثير من دول العالم، حيث يقوى شأن الجريمة وشوكة المجرمين داخل عصابات تحترف الجريمة.

وهذه الظاهرة غالبة في الدول الكبرى، وحتى الدول التي يرتفع فيها مستوى المعيشة، كالمجتمع الأمريكي والألماني، ومنها دول تمثل التنظيمات الإجرامية فيها قوة تزعج السلطات، مثل روسيا الاتحادية.

في الإحصاء السنوي لسنة 1414 ه - الموافق 1994م:

بلغ عدد جميع الجرائم - كل أنواع الجرائم أو ما يعد حادثة جنائية أيا كان خطرها - في المملكة العربية السعودية (27,303) حادثة.

ومن النظر في بيان الجرائم وأنواعها ومرتكبيها، تظهر فردية الحوادث الجنائية، وأنها تمثل الظاهرة الإجرامية في حدها الأدنى في أي مجتمع إنساني.

ويلاحظ أن عدد الجرائم الوارد في الإحصاء، يشمل جرائم القتل العمد، ومحاولة القتل، والقتل الخطأ، والانتحار.

ويشمل جميع أنواع السرقات، منازل وسيارات ومحلات تجارية، وكل أنواع السرقات مهما قل شأنها.

ويشمل العدد أيضاً، كل الحوادث الأخلاقية مهما كان نوعها، مما لا يعد جريمة في الغالبية العظمى من القوانين الجنائية الوضعية، كالخلوة بغير محرم.

كما يشمل العدد جرائم السكر، وهي ليست جريمة في القوانين الجنائية الحديثة.

ويشمل كل جرائم التزييف والتزوير ومحاولات الخطف والمشاجرات البسيطة، وحتى الحوادث المتنوعة، كما يوردها الإحصاء السنوي.

ولا شك أن نسبة عدد الحوادث الجنائية، ومنها كما ذكرنا، ما لا يعد جريمة في غالب بلدان العالم، هي نسبة ضئيلة إلى عدد سكان المملكة، المواطنين والمقيمين.

هذا العدد (27,303) يقابله مئات الألوف، بل ملايين من الحوادث الجنائية في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، كألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

الأمر الذي يدل دلالة قاطعة، على أن الظاهرة الإجرامية في المملكة العربية السعودية، هي في حدها الأدنى، بل في حدها الضئيل، الذي يلفت النظر، ويدعو إلى معرفة السبب الحقيقي.

وهو لدينا معروف على وجه التحقيق.

إنه ببساطة ووضوح، الأخذ بأحكام الشرع الإسلامي في مجال الجريمة والعقاب.

يكشف الإحصاء في وضوح عن أمور نذكر أهمها:

أولاً: الإعجاز في قول الله تعالى:

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة الآية 179).

ففي بعض بلاد العالم المتقدم، وفي الغرب بوجه عام، نقرأ أحيانا أن جريمة قتل تقع كل عدة دقائق أو عدة ساعات، ويبلغ عدد الضحايا في القتل العمد في بعض البلاد آلاف الأنفس.

ثانياً: إن عدد السرقات بجميع أنواعها، عدد قليل نسبياً، مع قلة شأن وخطورة غالبية السرقات، وكذلك الحوادث الأخلاقية، على الرغم من أن كثيراً منها لا ينظر إليه الناس في غالب مجتمعات العالم على أنه جريمة، حتى ولو وقع علنا.

ويشمل العدد الكلي جرائم المسكرات، شرب الخمر وصنعها وبيعها، وهي أعمال تمارسها الشركات الكبرى في غالب دول العالم، وتقدم لها المعونات من سلطات الدول.

أما شرب الخمر، فهو ما يفعله الملايين من البشر كل يوم في المجتمعات غير الإسلامية، وفي بعض بلاد المسلمين التي لا تلتزم بالدين وتطبق أحكامه.

ثالثاً: إن قلة عدد الجرائم في المملكة وضآلة عدد الجرائم الخطيرة، مثل قتل النفس أو الخطف أو الحريق المتعمد، لا يرجع إلى الجهد الأمني وحده، مع عظم الجهود التي تبذلها أجهزة الأمن والمسئولين فيه، فالأمن يلاحق مرتكبي الجريمة بعد وقوعها، وله جهده الكبير المشكور في الوقاية والحفظ.

وإنما يرجع قبل ذلك إلى توفيق الله، ثم إلى الترغيب في الهداية والترهيب من الغواية، والتزام الدولة بالإسلام، وتطبيقها لأحكامه، وقيامها بالدعوة إليه وإلى فضائله، والتزام شعب المملكة في جملته أحكام الدين الإسلامي وآدابه، وما تسهم به الهيئات والأجهزة المختصة في حفظ المجتمع وأمنه، والحرص على الوقاية من الجريمة قبل أن ترتكب.

الأمر الذي يدل على أن السياسة الجنائية الإسلامية، لا تجعل العقاب هو الوسيلة الوحيدة، أو الوسيلة الأولى لمواجهة الظاهرة الإجرامية في المجتمع.

فالإنسان لا يقدم على ارتكاب الجريمة، إلا إذا كان بعيداً بفكره وقلبه عن الإيمان بالله ومستلزماته، فتمتد الجارحة بالعدوان على حق الله عز وجل أو حقوق البشر.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن متفق عليه.

وهكذا الشأن في كل عدوان على حق الله تعالى أو حقوق البشر.

رابعاً: إن عدد المحكوم عليهم في الجرائم المختلفة، كما يظهر في الإحصاء، يتبين منه أن نسبة كبيرة من هذا العدد، هم من غير السعوديين، إذ تصل نسبة غير السعوديين في بعض الجرائم إلى 50 % من عدد الجرائم.

هكذا يكشف الإحصاء عن أثر تطبيق الشريعة الإسلامية، في مجتمع مسلم، يتميز بحكم إسلامي، مطبق لشريعة الله، وبحكام نذروا أنفسهم لتطبيق دين الله والدعوة إليه، وحماية مجتمعهم من كل ما يتعارض مع الإسلام وشريعته، وبشعب آمن برسالة الإسلام وتعاليمه، فكان عوناً لولاة الأمر فيه على محاربة الجريمة أيا كان نوعها.

وتظهر لنا نتيجة واحدة، هي أن السياسية الجنائية الإسلامية، هي أولى السياسات بالاتباع، وأنها السياسة الوحيدة التي تضمن تحقق النتيجة في كل المجتمعات الإنسانية.

وأن على المسلمين، بل وغيرهم إذا أرادوا أمناً وطمأنينة، أن يطبقوا شرع الله ويهتدوا بهديه، فهو خالق البشر، والعالم بما يصلحهم ويصلح لهم:

أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك الآية 14).

ولا يلجأ خصوم السياسة الجنائية الإسلامية، وما تسير عليه المملكة إلى الإحصاءات، وإلى الأسلوب العلمي في بحث هذه السياسة وآثارها، وإنما يلجأ الكثيرون منهم إلى حملات صحفية، تخاطب العوام، وتستثير مشاعرهم، عن طريق الادعاء والزعم بأنه في كل يوم تطير الرقاب، وتقطع الأيدي، وتجلد الظهور في المملكة العربية السعودية

. ولا يجرؤ أصحاب هذه الحملات المغرضة على ذكر ما تورده الإحصاءات لدينا ولديهم، وما تؤكده المشاهدة لدينا ولديهم.

ويزيد أقوالهم ضعفاً وتهافتاً، ما تنشره صحفهم ووسائل إعلامهم، عن الجريمة في مجتمعاتهم، حيث أصبحت حرفة منظمة، تدر آلاف الملايين على المجرمين الكبار، وعصابات القتل والاتجار في المخدرات، وفي النساء، وتشكو دولهم من تفاقم الجريمة، وترصد آلاف الملايين من الدولارات لمقاومتها.

ولكنها تسلك الطريق الخطأ من بدايته، لأنه يعتمد على حرية الفرد، دون مسئولية أمام الله، وإبعاد للدين وأحكامه عن حياة الناس، فلا عجب أن تكون النتيجة ما تعانيه المجتمعات من جريمة وفساد، وسيظل الأمر كذلك عندهم، لأنهم ممَّن قال الله تعالى فيهم:

وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا (الأعراف الآية 146).

بل هم يشنون حملاتهم وادعاءاتهم على من يتخذون سبيل الهداية والرشد في إصلاح مجتمعاتهم.

إن تحقيق الأمن في المملكة العربية السعودية، يعتمد على تطبيق شريعة الله عز وجل، في كمالها وشمولها.

فهو يعتمد عليها في إصلاح القلوب، وتزكية النفوس، بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

ويعتمد عليها فيما أمرت به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران الآية 104).

ويعتمد عليها فيما أمرت به من عدل بين الناس، وتسوية وتكافل بينهم.

ويعتمد عليها في تطبيق الحدود الشرعية على المجرمين، كما جاء في كتاب الله الكريم، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، دون هوادة أو مواربة، ولا يثني المسئولين عن ذلك لومة لائم، ولا يتدخل كبير أو صغير في حكم الله وقضائه العادل.

إنها منظومة شرعية كاملة، يقوم عليها الأمن في المملكة العربية السعودية، فأصبح أمناً شاملا، أمن المواطن على نفسه وعرضه وماله، وأمن الوطن سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وأمن المقيم الذي يحرص على أداء واجبه، ويجنب نفسه مواطن الجريمة، وأجواءها.

وهكذا يتكامل مفهوم الأمن في المملكة العربية السعودية، ويحقق أثره في الاستقرار والعيش الكريم، والتعاون على الخير، ورقي البلاد والعباد.

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والحمد لله على نعمه التي لا تحصى.

>> إسم الموضوع : المبحث الخامس المملكة العربية السعودية وتطبيق السياسة الجنائية الإسلامية
>> القسم الفرعي : الأمن في حياة الناس وأهميته في الإسلام
>> القسم الرئيسي : كتب ومقالات اسلامية
>> إرسال لصديق : إضغط هنا للإرسال لصديق
>> طباعة الموضوع : إطبع الموضوع
>> زيارات الموضوع : 678

 

المجله الشامله .. برمجة bwady.com

الوصول السريع لاقسام المحمل

المكتبة الاسلامية : اسلاميات : قصص الانبياء : البحث في القرآن : من حياة الرسول  : الوطن العربي : الموسوعة العلمية : موسوعة الطب الميسرة الديوان الادبي : صحيح البخاري : فتاوى للمرأة المسلمة الثقافة الجنسية : موسوعة الأدعية الصحيحة : تواقيع للمنتديات : ترجمة النصوص مكتبة الدروس : البرامج : أرشيف الدروس : أدوات المصمم : الطب البديل : دليل المواقع : معرض صور المحمل : العاب فلاشية : اطباق شهية  : نظام الخلاصات RSS : 2 1 1 2 1 2 3 1 2 3 1 2 3 1 2 3 1 2 3 1 1 2 3 1 2 3 1 2 3 2 3


 

المحمل

جميع الحقوق 

محفوظة لشبكة المحمل

:: تصميم وبرمجة بوادي :: rel="nofollow"