كنت في السابق ممن يعارضون ،أن يمتلكون الهاتف النقال ، وكنت سعيدا بهذا القرار ، غير أن أمرا ما أوقعني في شراك الهاتف النقال ، اقتنيت لنفسي واحدا ، وهكذا صرت من عباد الله المنعمين المترفين ؛ مع أن في تلك الفترة ، كان هاجس ما يستحوذ علي ، ويكاد يخنقني ، وصرت واحدا ممن يسير في الطرقات وهو يهمهم ، ويحرك يديه ، ولايعبأ بأحد من حوله ؛ تذكرت بعد استئناس ما كنا ننعت به المختلين ، الشاردين عن عالمهم ؛ كنا إذا ما لمحنا أحدهم صحنا في قرارة أنفسنا ، " مسكين غادي وكيدوي بِواحده " ــ أي يسير ويكلم نفسه ـ والمعنى جلي "؛ وأخيرا تمكن مني الهاتف النقال غاية التمكن ، ولم أعد أأبه بالآخير مادام هم مثلي ، ونحن في هوى الهاتف النقال سواء .
هاتفت زوجة أحدهم بعلها ، تستفسره عن أمر ما مستعجل ، رد عليها إنني في اجتماع طاريء ، سأتصل بك بعدما أفرغ منه ، لم يكن صاحنا في اجتماع ، وإنما كان يجالس أنثى ينادمها الجعة ؛ وشاب اتصلت به خطيبته ، فرد عليها أنا موجود بالرباط وهو لم يغادر مدينته ؛
وصاحب تجارة اتصل بعميل له ، يرجوه ، أن يفيه ما بذمته من مبلغ مالي ، فرد عليه قائلا : أنا في الصويرة ،وحي أعود غدا سأفيك حقك ، حكايات وحكايت ، صرنا نسمعها ، وأكاذيب تشنف أسماعنا من شفاهنا أو شفاه غيرنا ؛ إنا حالات من الشيزوفرينيا والرهاب ، امتلكتنا دون أن نعي إلى أين نحن نهوى .
ذات يوم منذ أن أشرقت شمس الصباح ، وهاتفي يرن وين ، وفي كل مرة كنت اخترع كذبة ما حتى غُلبت على أمري ، وخويوفاض جعبة الكذب لدي ، لم أشعر إلا الهاتف ملقى على الأرض ، وهو يحتضر ، أراد أن يبوح لي بحسناته وإحسانه معي ؛ لم اتمالك ، جمعت كل قواي وصحت فيه : اذهب أيها اللعين إلى الجحيم وحدك قبل أن تجرني وإياك إلى بئس القرار ؛ فقد شوهت فطرتي ، وانتزعت عني إنسانيتي ؛ إذهب غير مأسوف عليك ، إلى حيث تشاء أنت ، أما أنا فقد استرددت ما كنت فقدته برفقتك ، يا رفقة السوء .