الضوء الأزرق
تعودَ تحريك ياقة قميصه حين يبرز الملل من حوله, تتشابه الوجوه والحركات, تحتر قبائل الملل بمنع أي استقبال و إرسال من و إلى العقل. يدور بالكرسي المتحرك نصف دائرة ثم يعود إلى مكانه, ويسأل نفسه: ماذا أفعل أنا مخنوق.
كان يهرب من الملل إلى مشاهدة التلفاز أو الجلوس أمام الكمبيوتر يستقبل فقط و لا يرسل.
الكهرباء كانت تقطع مؤخراً بشكل كثير نهاراً وليلاً, بوجودها مسترسل في الاستقبال و الإرسال, عندما تهرب الكهرباء من أسلاك المدينة إلى أسلاك الخط الآخر, يتبلور هو على آخر فكرة استقبلها من موارد الكهرباء.
يسأل نفسه: كيف ستمر هذه الليلة دون كهرباء, الوحدة قاتلة, تحاول فرض رائحتها العفنة في الغرفة, و تبدأ صغار الوحدة تنهش الحالة الفكرية والجنسية. (كان يدور بالغرفة خلف ظله)
يستل لفته من علبة السجائر و يشعل إحداها بولاعة اشتراها مؤخراً من بائع الدخان, كانت الولاعة جميله, وفي مؤخرتها ضوء أزرق ليزر براق, حين يشعله يظهر كعين ذئبٍ أغور زرقاء.
وتمضي ساعات وهو يلعب بالضوء الأزرق, يعد كل شقوق الغرفة, كم حجراً تحتوي, كم عنكبوتاً تكون بالزاوية ليصطاد ظله الطائر بأجنحة الملل, كم فراشة مات بالقرب من الأضواء.
ويركز الضوء ثارة على اللوحات القديمة التي تركها أحدهم من قبله معلقة على جدران الغرفة, يحاول تفسير ملامحها ويحفظها.
ثارة يضع الضوء في فمه, ويقرب الضوء من عينه ليحارب الظلام وليتفاءل, وهمَّ يحاور الضوء الأزرق, فكر بالزواج........وأنه لو كان متزوج ما شعر بالملل إذا قطعت الكهرباء مرة أخرى, فالمرأة تضئ الغرفة. ويستطيع أن يمارس عليها الضوء الأزرق ويحفظ تضاريس جسدها, الذي هو أفضل من ملامح اللوحات, حتى لو اجتاحه الملل والظلام والبرد فهي فتاكة لكل هذه الأشياء, فأحب فكرته.
نبش الأرض والقارة الدولة والمدينة والحي والشارع, حتى تعثرت قدماه بإحدى جاراته, أعجبته وبعد مدح أمه لها بشكل أكبر ما يحتاجه من عالم النساء.
على عجلة وضع السرير والخزانة في الغرفة ووضع بعض العطور, وقلم شعرات جسده, ولملم كل مفاجئات حياته ليحدثها لها في إحدى السهرات.
مع حسن الحظ لم تقطع الكهرباء في بداية الزواج انقسم نصفين... نصف للكهرباء وعائلتها, والنصف الآخر لزوجته.
في إحدى الأيام انتشرت الأخبار..... أن الكهرباء ستقطع عن الحي عدة أيام لأن المولد قد تعطل, لم يهتم لما يسمع, لأنه عنده زوجته فهو احضرها لتحارب معه الملل حين تقطع الكهرباء.
بالفعل قطعت الكهرباء في الليل, فجلس بالقرب منها وحاول بالهمس أن يقول لزوجته بأن الكهرباء ليس مهمة ونحن أهم من الكهرباء. لكن زوجته لم تتكلم معه أي كلمة, كأنها تحب الكهرباء أكثر من أي شيء, وتحزن علي غيابها.
فلاحظ بيد زوجته ضوء أزرق مماثل لضوئه القديم تحاول إشعاله في الغرفة, أشعلت زوجته الضوء الأزرق بالغرفة متجاهله من حولها, فأحضر هو ضوءه الأزرق, وبدأ يضئ الغرفة معها بدون كلام.
( أصبحت الغرفة تحتوي على ضوءين أزرقين مع الملل )
هاني السالمي