بعدما أتعبه السير ، وشط به التيه بين كثبان رمال هذه الفيافي ، وشق أستار السراب سترا غب ستر ، أخيرا لاح طيف شجرة ، أو هكذا زعم ،حث الخطو ، وجد قي السير ، رغم أن الغلوب والنصب تمكنا منه غاية التمكن ؛ أخيرا وجد شجرة نسيتها عوادي الزمن أو تجلدت ، وقاومت حتى ضمنت لظلها هذا الوجود اللامألوف ، لم يصدق عيناه ، فركهما ، ولم يضن عليما بالفرك مرات بعد مرات ، قرص وجنته الشاحبة ، وشفتيه المتشققة من كثرة ما أصابهما من العطش ، وجد أن كل شيء واقعا وليس وهما ، أو طيف سراب ؛ وأن للشجرة فعلا ظلا ظليلا ، نزل به مكدودأ متعبا ، منهوكا كأنه كأس بلور تكسر حين لاعبته وليدة ؛ تذكر طفلته التي لم تتجاوز سنتها ، وكيف كان يحلو له أن يدغدغها قبل أن تستسلم للوسن والأحلام ، ترى هل هي الآن ماتزال تحلم كما كانت من قبل ، أم أن كل حلمها أن تسمع دغدغته تلك ،قال في سريرة نفسه بصوت متقطع لايكاد يبين ؛ من يدغدها الآن وهي تفتقد دفء ذراعيه ، أمها ، جدتها ، جارتنا العقيمة التي رفضها كا الرجال ؛ واستسلم لهبة نسمة دغدته ، ونام قبل أن يرد على سؤاله ؛ وحين استفاق بعد حلم وحلم وحلم ،وجد أن ما مر به ليس إلا وسوست نعاس ، ألم به بعد يوم شاق لم يفلح فيه إلا بهذه النعسة المبتسرة من حياته ؛ وأحس كأنه ربح اليانصيب الذي طالما فشل في الحصول عليه ؛ ابتسم ،وقهقه في قرارة نفسه قبل أن يستسلم النعاس من جديد .
تحية وتقديرا ؛ وبعد :
لقد حظي يراعي منكم جميعا بهذه العناية الوافية ، وكل ما أتمناه أن أظل عند جميل رؤاكم و طيب الأخوة ، مني ، من المملكة المغربية لاعد لباقات الورد ، ولاحصر لمشاميم الأقحوان و الياسامين ؛ دمتم إخوة أعزة