كانت الدماء لاتزال تنز من جنبات الجبال وسفوحها ندية،تحتضن بقايا من أرواح طاهرة ، روائحها تخدر الورود فتسري الحمرة بينهما من هذه لتلك يتعانقان، يتمازجان، يجللهما النقاء يشكلون جميعا أروقة إلى جنات تشتهيها الأزمنة وترنو إليها على تتابعها وتدافعها القرون ،.
كان الجميع يغني ، الجميع يرقص، كل يحمل جراحه النازفة في كفيه ، يحتويها في جوانحه كي لا تفيض فتطل من لأحداقه ، فيجللها خشيه منه على جمالها ؛ بدموع وضحك ، وزغاريد ورقص ويدس بينها بذور أمل ، ويلثم العلم يستمد منه العزاء ويصرخ تحيا الجزائر، تحيا الجزائر، ويمعن في الجري والدوران حول نفسه بشكل لولبي ، مرسلا زغاريده عبر الأزقة والشوارع ، تتوزع مشعة في اندفاعها حتى تتلقاها أخاديد الأودية فتبعثها صدى يبشر الأشقياء والمقهورين أن طوبى لكم بانكسار عمود الظلم.
وفي مهرجان الفرح بالنصر؛ وحمى الانتشاء تسلل الصبي بين الأرجل مندسا خلال الأجساد ليساهم بنصيبه في صنع البهجة والمرح.
و في أحد الأيام وقع في سمعه اسم "المدرسة" و"القراءة" وخيل إليه إنهما أحد الأسباب التي من أجلها ترقص هذه الحشود وبدا له انه بدأ يفهم أسباب هذا الفرح كله ، وبدا له أيضا ، انه بدأ يفهم سبب ذلك الإصرار الذي كان يراه على وجوه المجاهدين ، وتذكر يوم أعطاه "سي رابح" الرشاش وطلب منه أن يلمسه وهو يقول بهذا سنحررها وستذهب إلى المدرسة. قبل أن يقبله وينطلق كالسهم فتحتويه الغابة.
استخرج شهادة ميلاده، طواها ، دسها في جيبه وذهب حيث تقع المدرسة، وفي الرصيف المقابل لها وقف تائه اللب مبعثر الاهتمام ينهشه الخوف؛ وتتقاذفه نوازع الإقدام ، و نوازع التردد والإحجام، كان يسمع صوت المعلم وهو يدرس وأصوات التلاميذ تتردد فيتساءل ، ترى ، كيف يدرسون؟.
رأى مدير المدرسة يخرج ويدخل عدة مرات ، كان الصبي يعرف المدير، لكن المدير لم يلتفت إليه ولم ينظر نحوه قال الصبي في نفسه: من حقي أن أخاف هذا المدير هو ابن القايد ، وعمه باشاغا ، ولم يطردوه وهو لم يذهب مع فرنسا ولكن أعطوه المدرسة إذن لماذا يحتفل هؤلاء بعيد النصر؟؟.
دق الجرس فعرف أن التلاميذ سيخرجون من المدرسة وخاف أن يسخروا منه، أو يتحرشوا به، لمس شهادة ميلاده في جيبه وانصرف واضعا يده على صدره.
واستمر تردد الصبي على الرصيف أسبوعا كاملا ، كان خلاله يجمع الجرائد البالية ، يشرح إحداها فوق ركبتيه ويرفع صوته بالقدر الذي يسمع نفسه مهجيا لكتابات لا يعرف منها حرفا واحدا ، يرى أشكالا فيعطيها أصواتا لا معنى لها ،وعندما يتعب يتمنى لو يسمح له بالدخول إلى المدرسة حتى يعرف بالضبط كيف تنطق ، وما معناها .وعندما يستبعد تحقق حلمه ، يصب غضبه على صفحة الجريدة فيمزقها قطعا وينثرها للريح وينصرف نحو بيتهم في الريف البعيد .
وفي آخر الأسبوع هبت ريح عاصفة هوجاء جارفة كنست كل ما وجدته في طريقها وكادت تحمله فيما حملت لولا وجود جسر قريب قدم له ملاذا حماه من ثورتها.
كان المدير يلعب الدومينو بمقهى القرية مع جماعة من أصحابه فعن للصبي أن يطلب من أحدهم التوسط له عند المدير ، كي يقبله تلميذا وتلقى وعدا من أحدهم بذلك , ومرت فترة طويلة دون أن يتلق ردا.
قرر أخيرا أن يقتحم المدرسة ، فحمل شهادة ميلاده وقبض عليها بقوة ،واندفع متحديا تصلب رجليه وشلل الخوف والرهبة ،و بمجرد ولوجه ساحة المدرسة أحاط به التلاميذ وكل منهم يبدي فنا من فنون التحرش به وإيذائه ، وعندئذ أدرك كم هم عدوانيون ، لكنه لم يأبه لعدوانيتهم وواصل اندفاعه ، وكان بعضهم قد سبقه صارخا مناديا المدير: مسيو ، مسيو ، وهم يشيرون نحو الصبي الذي تباطأت رجلاه بمجرد أن ظهر المدير من مكتبه.
قال المدير: ماذا تريد ؟ ماذا؟ جئت تفعل هنا ؟ من سمح لك بالدخول؟
وجد الصبي أن الأسئلة كثيرة ولم يدر بماذا يجيب أولا.
- أريد أن ادخل إلى المدرسة أريد أن اقرأ ، ومد يده الصغيرة المرتجفة القابضة على شهادة ميلاده إلى مسيو مدير المدرسة.
ابتسم مدير المدرسة ابتسامةفيها من الحقد والضغينة الشيء الكثير ورد يد الصبي بما حملت وقال له مستهزئا مازلت صغيرا ، لم تبلغ بعد سن الدراسة ، أذهب ، ارع الأغنام عاما آخر، وعندئذ ستكون قد بلغت سن الدراسة ، و أمسك بيده يدفعه من كتفه نحو الباب الخارجي وهو يدفعه غمز التلاميذ كي يعبثوا به ، فراح كل منهم يريد إسقاطه ، أو أخذ شيء من أشيائه ومن حسن حظه أن المسافة بين مقر المدير والباب الخارجي للمدرسة كان قصيرا.
خرج الولد يائسا فتلقاه الفراغ، فراغ مخيف، رهيب. وسار يضرب على غير هدى في شارع مظلم ممتد غابت نجومه وأقماره واندثرت أرصفته ومعالمه. سار منسحق القلب مكسور الوجدان يجر رجليه نحو واد قريب وفي إحدى منعطفاته انزوى وراح يبكي بسخاء ليروي ظمأ شعور بألم متوحش استقر بداخله يتغذى على قلبه الصغير ، كست الدموع وجهه واجتمعت تحت ذقنه وراحت تتقاطر، وعندما تعب ، غفا فنام ، ولم يستيقظ إلا قبيل الغروب .
تحامل على نفسه وجر رجليه عائدا إلى بيته الطيني بالريف البعيد.
مر عام ، وحل الخريف فانبعث الأمل في قلب الصغير رغم أن الجرح غائر ، ودماؤه مازالت تنزف ثرة مؤلمة ،بحث عن شهادة ميلاده ، استخرجها من مخبئها ، نظر إليها واليأس يملأ ملامحه يريد ألا يترك زاوية فيها للأمل ، أخذها سار نحو المدرسة ،وصل إلى الرصيف المقابل ، وقف يستطلع الأحوال والمحيط الذي غاب عنه منذ عام كامل ، أبصر مدير المدرسة فرأى فيه وحشا، كبير الشياطين فكاد أن يلعن المدرسة والدراسة وهم بتمزيق شهادة ميلاه ودفن الرغبة المتأججة في جوانحه إلى الأبد.
وفجأة أبصر معلما ثانيا، يخرج من الباب الخارجي للمدرسة، ويضع صفارة بيده يعلن بها حلول موعد الدخول، كان شابا رشيقا وسيما، شهق الولد واندفع نحوه وحياه:
- صباح الخير ياسيدي، فأجابه صباح الخير ودون أن ينظر إليه قال له ادخل.
دخل الصبي إلى الساحة، وأنهى التلاميذ دخولهم فدخل المعلم الشاب بعد أن أغلق الباب الخارجي وراءه، جرى الصبي نحوه واقترب منه وهو يمد يده بشهادة ميلاده، مترقبا خروج روحه أن رد طلبه هذه المرة أيضا.
سيدي أريد أن أدخل المدرسة لأقرأ.
مسك المعلم الشاب شهادة الميلاد وقرأ ما فيها، ثم قال لكنك كبير السن لماذا انتظرت إلى الآن ، أين كنت ؟
قال الصبي: جئت في بداية السنة الدراسية الماضية لكن مسيو المدير طردني ، وقال أنني مازلت صغيرا ، ودفعني خارجا.
غضب المعلم الشاب وأخذ يسب ويشتم لما طردك ؟! هل هي ملك لأبيه الخبيث أم لأمه؟! لعنة الله عليهم جميعا.
وفي هذه الأثناء دخل مسيو المدير ، واندفع نحو الصبي كالكلب المسعور صارخا في وجهه ماذا تفعل هنا ، من سمح لك بالدخول؟.
وبردة فعل عصبية غاضبة تصدى له المعلم الشاب ودفعه في صدره وقال له : كنت قبل دخولك اسأله ولم يجبني وأرجو أن تجيبني أنت.
- هل هذه المدرسة ملك لأبيك أم ملك لأمك حتى تحرمه أو تحرم غيره من الدراسة فيها رغم أنك لا تملك أي شهادة.؟
- اندفع الصبي نحو معلمه الشاب وأحاط رجليه بيديه الصغيرتين يقبل ركبتيه.
تراجع ابن القايد مسيو المدير، وأخذ ينكمش كثعبان أحس دنو أجله ، وحينها أدرك الصبي لم كانت الجماهير ترقص في الشوارع وتلثم العلم وتهتف تحيا الجزائر.
بعد أيام رقي مسيو المدير إلى منصب أعلى في العاصمة فغادر المدرسة، وبقي المعلم الشاب بها ، كان الصبي يتأمل معلمه فيراه قد ارتقى حتى بلغ من العلو والسمو قمة الرقي ، ومازال يراه كذلك.