|
القداحة
المحاضرات في الدورات الثقافية ترهقني كثيراً , قدمي اليسرى تحاول أن تزيح أمواج الكسل وشهوة العودة إلى فنجان القهوة داخل مقهى الشارع و التمتع بأسراب المارين على ظلال الأحلام . الأكتاف تزيح كل هذا التراجع وتحاول زج الجسد إلى القاعة , إن دخلت أو لم أدخل فأنا معتاد على الجلوس في أخر مقاعد الذاكرة من المحاضرة .
ما يقول أو لا يقول المحاضر لا يوجد تخزين عندي , فجهاز الاستقبال مفصول من الملل .
كالعادة مثل الشتاء لابد أن يمطر أو كالخريف مسموح له قتل الأوراق, أنا أشابه هذا الفصلان بالجلوس في مقعد الروتين, صديقي يشاطرني النظر إلى سقف القاعة.
دخلت علينا فتاة سوداء البشرة ( زنجية ) اعتدل ظهري...... لمحت المحاضر ينتبه لها وكل الطلاب. لم تجد (الزنجية) كرسي بالمقدمة فارع لتوقع نفسها في مقدمة النظرات, طالت نطرها باحثة عن كرسي فارغ بالقاعة. من حظي السعيد هناك كرسي بالقرب منى.
كانت تحمل ملامح الجمال لكنه باللون الأسود, جلست بالقرب مني, استرقت ألاف النظرات من مدارها, أنها جذبتني.
صديقي الذي يشاطرني المؤخرة حاول أن يهندم نفسه أكثر منى, وبعد لحظات من الاستمتاع بهذا المشهد.
التفتت حولها , سألتني هل تمتلك قداحة أريد أن أشعل السيجارة , أنا تفاجأت فتاة زنجية تدخن , وبكل صراح...... أنا أول مرة أري أنثي تدخن, كنت أسمع بهذه العادة من التلفاز لكن الأمر كان حقيقي أمامي , وهى الآن تطلب مني قداحة, لسوء حظي أنا لا أملك قداحة كما أنا لا أدخن, قفز صديقي من أسفل كتفي ملوحا بيده وصوته مسموع أنا أملك قداحة, أخذت القداحة منه وأثنت عليه, لو كنت أنا املك القداحة لنلت أنا الثناء, صديقي فرح بهذا الثناء, وهندم نفسه أكثر و أكثر.
تعمدً أن أتواجد في القاعة وفي نفس المقعد.... واشتريت قداحة جميلة وتصدر أصوات موسيقية لتأخذ عني فكرة إني أحب الموسيقي وهكذا.
جلسنا أنا وصديقي في نفس المكان, دخلت هي, أًعيد المشهد مرة أخرى جلست بجواري , أنا الآن مستعداً لو طلبت القداحة أن أكون أسرع من صديقي , بعد ألاف من لذعات الصبر والترقب ألتفتت حولي..... ويبدو أنها ستطلب قداحة, ويدي على القداحة لأخرجها بأسرع وقت, سألتني هل معك سيجارة أنا نسيت علبة السجائر في السيارة؟......, قلت لها أنا لا أدخن, قفز صديقي مرة أخرى من أسفل كتفي الذي بدأ يتلاشي من سوء الحظ , وأخر ج سيجارة, و منحها إياها ومرة أخرى كررت عليه الثناء, وشهقت شهيقا من السيجارة كأنها شهقتني من الأرض إلى السماء.
قرر في المحاضرة القادمة أن احضر قداحة و علبة السجائر لأكون جاهز لما تطلب من الإتنتين, جلست في مكاني, في نفس اليوم كان صديقي غائب. ويبدو كل الأجواء تروح لصالحي , أنا سأكون سيد الموقف. حين تطلب منى القداحة أو سيجارة, سأسألها عن اسمها وعن ماذا تحب من الألوان وكيف تحب قهوتها بسكر أو بدون سكر, (حلمي أن أخرج معها ماشيا في حرم الجامعة) .
دخل المحاضر, المشهد يتكرر لكن ببطء لم تدخل هي خلف المحاضر , قلت عسي أن تأتي , فأنا أضع القداحة وعلبة السجائر أمام على الطاولة, مرة نصف وقت المحاضرة دون أن يكتمل المشهد مرة أخرى . بدأت أتلاشي من الغيظ لعدم حضورها, والمحاضر تحدث ألف كلمة وكلمة و أنا لم أذكر منه سوي كلمة مرحبا, والقداحة و عبلة السجائر هما غربان يبشان جثتي التي تحولت إلى طعام شهي لسوء الحظ .
انتهت المخاطرة أخرجت سيجارة واحدة من العلبة وضعتها في فمي أشعلت نار القداحة بالقرب من السيجارة , أخذت نفسا عميقا , كانت أول مرة أدخن بها , اقتلعت من صدري سعال ودموعي انهمرت من احمرار عيني وأنا اقترب إلى أقرب شباك لأتنفس الهواء النقي قبل أن تقتلني السيجارة الأولي في حياتي .
شهقت كومات من الهواء وأدخلتها في صدري, لكن لابد لتعاسة أن تكتمل بعد أن نظرت إلى صديقي وهو يدخن أحدي سجائره مع الفتاة الزنجية ويضحكان, و ضحكهما كان أطول من الدخان الأبيض المتصاعد من جوفهما الذي ابتلع النيكوتين وابتلعني .

|