|
المسخ
هاني السالمي
أن تنتظر وتضع أطراف يديك على سياج صغير, يفصل بين الشارع والرصيف, أمر عادي, المارة كسلحفاة, لها طقوس بالمشي يميزها عن طائر الدوري...
بعد انتهائك من التدقيق في تفاصيل النساء, وتطوير الموضة في المناديل, تشعر بأن صديقك المنتظر تأخر, يضيق نفسك حتى تظن إنك تتنفس من أطراف قميصك.
الساعة تظل تقفز في أذنك, وتعيش كل تفاصيل حركة الثواني والدقائق, وتتأكد بأن الوقت ممل, كصديق عزول يقفز لك في مشهد تريد أن تكون وحدك.
لأن صديقك تأخر بالفعل, تأخذك ذاكرتك إلى آخر شيء قرأته أو فعلته لتدخله إلى تفاصيله..ابتسمت متذكراً رواية كافكا المسخ هذا القدر المأساوي لغريغوار سامسا الذي تحول ذات ليلة إلى حشرة عملاقة. أغلب من قرأ الرواية يصبه إحباط وزعل على بطلها, لكن أنا الوحيد الذي كنت مستمتعاً في أبوابها..كنت أتمنى لو في بلادنا أو في عالمنا المحيط شيء اسمه المسخ, لكان هناك أشياء كثير مضحكة.
رواية المسخ هونت عليّ الانتظار, وسرقت جزء من سواء الثواني والدقائق..حتى السياج التي شاركتني الانتظار, وكانت تحتملني وأنا أركز عليه بشكل غير منتظم. شعرت وأنا أتتذكر رواية المسخ بأن السياج اهتزت من الخوف, يبدو أنها خافت من أين تمسخ, لا أدري لو كنت سياح ماذا ستمسخ, على ما أظن إنك ستمسخ رصيف قذر.
مرة أحد المارة بالقرب مني ليسألني, أين يباع سائل (شامبو) يأجوج ومأجوج, حملقت به مستغربا, وهل ليأجوج ومأجوج شامبو, نظر إلي وكأنني جاهل لا أعرف شيء, فخفت من نظراته ليّ, وقلت له: ستجده في دكان السحلية لبيع الثلاجات..
بدأ عيناي تراقب مقدمة الطريق علىّ صديقي يظهر, أو يكون أحد المارة مشابه له ليطمئن قلبي ويكسر سترة الانتظار الذي تشرنقت على رئتي وذاكرتي بخيوط نيكوتين سوداء, وأعطيت لصديقي دقيقة واحدة إن لم يحضر سوف أغلي الميعاد, وألغي صداقتنا إلى الأبد, ويلعن.......
مرة الدقيقة, وحركت جسدي عن السياج لأذهب لاغياً الميعاد, وإذا بخروف أبيض له قرن طويل وقرن مكسور على رأسه, يقف بالقرب من أقدامي, ارتعبت وهزتني رجفة جاءت من القطب الشمالي مخصوصة ليّ..رغم أنه خروف وديع لكني خفت..حاولت أن أمشي تاركا الخروف خلفي, لكن الخروف سار ورائي, وقفت لأهشه عني, لكن الخروف وقف كأنه يعرفني, دخلت رواية المسخ في المشهد, معقول صديقي مسخ إلى خروف, وهل الرجل الذي سألني عن الشامبو من أجواء المسخ..يال الغرابة يا صديقي ما حل بك, خروف.
صرت أمسح بيدي على رأسه وهو صامت, قلت هذا كلام غير معقول لا يوجد مسج في عالمنا..لكن الأجواء تأكد أنه مسخ, لا أعرف ما هو دليلي..صرت أتذكر كل التعويذات التي تقرأها أمي على رأسي حين أصاب بالحمى, حتى أرتلها على رأس الخروف علها تساعد صديقي من الشفاء..اذكر كلمات (طبخنا عدس ونفخنا عدس...)(رقيتك من عين أمك وأبوك ومن كل من شفوك ولا صلوا على النبي)(يا شمس الشموسه خذي سن الحمار وهات سن الغزال)..كررت كل التعويذات عشرات المرات, لكن لم يشفى صديقي..ابتسمت وقلت: موجها الكلام للخروف, هل تعلم يا صديقي أنا لم أستفيد منك بشيء طول حياتي, واليوم صرت خروف سأذبجنك في عيد الأضحى..
مرة الرجل مرة أخرى الذي سألني عن الشامبو, وأخذ الخروف وذهب, لم أتكلم أي كلمة, خفت أن أمسخ..
رن هاتفي فجأة, بنغمة صوت خروف, ارتعبت مرة أخرى, فهذه ليس نغم هاتفي, رفعت الهاتف, وبصوت يختلط بالرعب: من على الهاتف, رد بصوت بعيد كأنه يحرج من حنجرة ضباب, أنا قادم في الحال سأكون على الميعاد المتفق عليه بيننا, رددت عليه: أنا انتظرك,
لكنه متأخر وكيف يقول أنه سيكون بالميعاد, تعجبت من هذا..
مرة الرجل الشامبو مرة ثالثة, سألته: كم الساعة عندك, لم ينظر بساعته وقال: ساعتك متقدمة بعشرة دقائق, وذهب, كيف عرف إن ساعتي معطلة.
نظرت إلى مقدمة الشارع, فرأيت صديقي يرتدي سترة بيضاء, ويضع على رأسه قبعة على شكل قرون.............................................. ...

|