حدثني أبي ـ رحمه الله رحمة تطيب بها روحه ، ويهنأ بها في مثواه ، ويخلد بها في مستقره ـ وقد كان عاصر تلك الحقبة وهو صغير السن ـ
حدثني : أنه في إحدى بلدات الجنوب من تهامة جبال السروات ! كانت تحشد الجموع ، و تحمل الرايات ، وتتقاطر المسيرات ، لترتحل إلى القبور ، وتنصب عليها الأعلام ، وترتج الأجداث بالابتهالات والدعوات والصلوات ، وينقطع إليها الخلق في خلوات ، ثم لا يكتفى بهذا بل تشد الرحال إلى مدينة جازان وكانت تسمى ( بـ المخلافة ) وهي تبعد بمسافة لا تقل عن 400كلم إلى الجنوب من تلك البلدة التهامية ، وذلك لإقامة شعيرة مزار السيد الإدريسي ، وهو على ما يبدو أحد المنسوبين إلى سادات أهل البيت الشريف على صاحبه الصلاة والسلام ، حيث تذهب الحشود للتبرك بمزاره ، وتضرب لهم الاستقبالات هناك .. ومن نشيدهم في هذا المسير المقدس عندهم ، هذه القصيدة التي ذكرها لي والدي والتي تبخرت من ذاكرتي إلا القليل منها ... ( سيدي ابن ادريس ماجينا من أرض الشام إلى هنا ..( نحن بالنسبة للجنوب عنا شام ) إلا ولنا منك خمسة انذار ما نقدر نعذر فيها أولتها بالصلاة على النبي جينا تعلمنا الصلاة والفاتحة المقرية والثانية ياسيدي ..... والثالثة ............. والرابعة ........ والخامسة ......... ثم ختمها بقوله .. عسكرك زهران ياسعدك ويالبيك . لا تباطانا ترانا أقرب من ايدك عند شاربك )
قلت عن هذه البدع والخزعبلات : .. أما أولئك الأولين من أسلافنا فعلمهم عند ربي في كتاب ، وقد ذكر أن الشيخ / محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ، استبرأ لنفسه ولم يقدم على جرم التكفير للأقوام والأشخاص ، لعلمه بشناعة وخطورة مثل هذا ، وبرر ذلك بقوله : لعل القوم يعذروا بجهلم .. انتهى كلامه . أما أنا : فأستدرك على نفسي التعالي على أولئك ، بقول الله تعالى : ( .. كذلك كنتم من قبل ، فمن الله عليكم .....) .. فلا شماتة ولا تهكم !
وذكر لي أحد الإخوة أنه قد يكون التشيع وتهاويله قد وصل إلى تلك المنطقة ، واستدل بأقوال عهدت من السابقين كقولهم ( الشفاعة يامحمد ، الشفاعة ياعلي .. ونحوه ) ...
ثم بعد تلك الفترة الزمنية والحقبة الماضية ، من الله علينا بالدعوة السلفية التي انتشرت في ربوع الوطن ، وسرنا على منهاجها ، وأنعم به من منهاج ، وفتح الله علينا الخيرات من كل مكان .... نعم انتشرت الدعوة السلفية الوهابية ، وبورك ذلك الانتشار بصفاء النيات وبإخلاص الحاملين لها ، مبدؤ واحد جاء به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وهو أن الدين يقوم على ماجاء في الكتاب والسنة أي على الدليل وليس بالأحلام والمنامات وادعاء الكرامات ، وكل أصل في الدين لابد أن يكون له أصل في القرآن الكريم ، لقوله تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) .. فانهارت كل الأباطيل والمذاهب والبدع التي تقوم على الخرافات والدجل والافتراءات ، وكانت تعلو الخطب في الحواضر والبوادي ، ويجتمع إليها الناس ، ويتفقهون في دينهم ويصلحون ما فسد من عقيدتهم ، في مجامع كانت تسمى ( البدوة ) . ويدخل الناس فيها أفواجا . في وقت كانت البلاد في شدة ، شح في الموارد والإمكانات ، وهذا دليل على قوة العقيدة وصفاءها وسماحتها ، حيث وضعت عن الناس الأصرار والأغلال التي كانت عليهم ،... ثم ها نحن الآن لما فتح الله علينا الدنيا ، وجاءت الخيرات من كل مكان ، لم نستطع أن نقوم بما قام به الأولون ، ليس شحا في الموارد والإمكانات هذه المرة ، ولكن نسيانا وتخاذلا وتنكرا لواجب الدعوة .. إلا من جهود قليله من المحتسبين .. فأتى هذا الوقت الذي نعاقب فيه على هذا التقصير والتهاون ، فأصبحنا نسمع الآن ونتوجس مما يسمى تصدير الثورة وتصدير المذهب وخلافه ، وأصبحنا على تخوف من أن يقع شبابنا فريسة تلك الدعوات الهدامة ، مع أن لدينا العقيدة السلفية التي لها من الرصيد ما لا يقوى على مناطحته أي مذهب أي مذهب .. وكان يمكن أن تغزو هذه العقيدة العالم كله ، ولا يخشى أن يغزى عليها لو أحسنا التصرف ووهبناها ما تستحق من مال وجهد وإخلاص ... ولكن لا تزال الفرصة سانحة الآن ، والدين ينتشر رغم أنوف العدا ، ونحن نسعى الآن لنشر هذه العقيدة السلفية الأصولية الصافية في الدولة المجاورة ( الجمهورية اليمنية ) ولنساهم في تبصير الناس بأمور دينهم هناك ، ففي نشر الدعوة الخير لنا أولا ، لأننا مأمورون بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ولأننا بحاجة إلى التقرب إليه بأعمالنا الصالحة إلى الله ومنها الدعوة التي هي من أوجب الواجبات ، واليمن دولة عربية مسلمة ، غير أن الأمية والجهل منتشر في أصقاعها هذا أولا ، أما آخرا فهي دولة مستهدفة من أعداء الدين والعروبة ، وإن لم يكن الاستهداف لذاتها ، فهو استهداف لنا نحن ـ بلاد الحرمين ـ وتستخدم كمعبر لهذا الاستهداف والاستعداء ، بنشر وشق الصف بالخلافات المذهبية .... فأين دعاة الحق من المسلمين ، وأين ذهبت خطوات المصلحين عن جيراننا وأهل جلدتنا ولساننا ، وأين حماة الوطن وأهدافهم الاستراتيجية لحماية هذا الكيان ( اليمن والسعودية )؟ ولماذا هذا الغياب أو التغييب لهذا البلد عن الخطط الاستراتيجية الخليجية ، وهل هذا الإعراض عن هذا الجزء الهام من الوطن العربي والجزيرة والخليج ، هو حمق في التصرف من القادة السياسيين ؟ أو هو غباء سياسي فعلا كما يقولون !؟