.. لم تكن الطريقة التي دفنت بها صافية كتو بعيدة في أحداثها" الجنائزية المؤلمة" عما عانته في حياتها جراء نضالها كصحفية شرسة و شاعرة و قاصة فالمرأة كانت تمثل معادلة نسوية في الساحة الأدبية الجزائرية تلك الخمرية ذات الشعر الفحمي أو كما تعرفها مدينة تحفها الكثبان تسمى مدينة عين الصفراء بإسم "زهرة رابحي" إسمها الحقيقي ذلك المكان شكّل لديها تناقض رهيب في أحساسيس جمعت بين الحب و الألم في غربتها المستعصية كما نقرأ في سيرة حياة وأشعار الإسباني بيثنتي ألكسندري الشاعر مرهف الروح و العاشق للطبيعة الخالصة، فلطالما كانت مدينة عين الصفراء مبعث فخر و إعتزاز الشاعرة كأصل متجذر منذ الولادة ففي ثنايها ترقد ذكريات الطفولة و الشبيبة بين تلافيف الطبيعة الرائقة و بين المدينة ـ العاصمة التي فتحت لها صدرها و وفرت لها أسباب حضورها الأدبي و إنطلاقتها في الحياة كأديبة و صحفية من طراز بديع هاذين المتناقضين كما عاشتهما الشاعرة فجر بداخلها مشاعر من التجاذب المؤلم للروح.ما فتئت هذه المدينة أن إستيقضت ذات شتاء حزين على وقع جثة يانعة همدت تحت سنابك موت إختارت له صافية عينان و تاريخ و مكان: فأما العينين فهما لقيثارتها المكسرة و أما التاريخ فهو يوم شتاء رصاصي المذاق 29/01/1989 و أما المكان فكان لأناس آخرين لم يذوقوا طعم الحرقة في صمت تلك الغزالة فلم يرحموا أنوثتها ولم يقدروا حق وجودها بينهم وهي التي لم تقل سوى شعرا بسيطا بساطة منبعها و قصصا من عمق خيالها الجامح، حكت لنا حكايات عن سنة3000 ...لكن أولئك الذين كانوا سببا في موتها هم تقريبا يتكررون في كل زمان بأزياء وصفات و حتما اسماء أخرى ،و تبقى هذه سنة الأشياء التافهة. لكن صافية عاشت صامتة بينكم و ماتت بينكم في صمت...... و يظل الفارغون هم الأكثر ضجيجا.
ثلاث قصائد لصافية كتو في ذكرى وفاتها الحادية و العشرون
ترجمة / محمد عاطف بريكي ـ شاعر و مترجم من الجزائر.
1 ـ إ لـــيــــك
سأمنحك دموعي
و روحـــي
سأهديك إمتدادي
و أفراحي المجنونة
سأعطيك طفولتي
على حواف القرية
سأهديك صمتي
مزدان بنخلات مذهبة
سأمنحك أخر
قصيدة
و معها حناني...
2 ـ بــابــلــو التشيـــلي
بابلو أنت لم تمت
رسالتك باقية
في عمق الذكريات الحزينة
بابلو أنت حي
كيف و روحك تسري
في الطرقات
الحمراء
بعد مطر الدم.
كم هو رديء طقس التشيلي
نظرات الأرامل لا تطاق
إليندي
العصبة المجرمة حطمت التناغم
في كثير المدن
و زحفت إليها الضغائن
تفرق شمل الأسر
و تاه الأطفال في البكاء
و معهم القيثارات المكسرة
هيهات، بعدما باع الخونة الشرف
بطرف قلم
و حوّلوا سانتياغو إلى جحيم
لم يضع شيئا بابلو
فأشعارك منثورة
في كل مكان كنجوم
كل من يقرأها يثور
كل من يقرأها يسأل
متى،متى تجيء الحرية
إلى متى كل هذا الخوف في التشيلي.
3 ـ عــــــــبء
أحس بثقل في قلبي
كأنما يحمل أثقالا
أقبل بكل حمل
حتى و لو كان لمجرمين
منهك أنا بكاهلي الثقيل
بالخطايا بضجيج
المحطات المكتظة
في كل يوم أزداد انحناءا
تحت عبء آخر
يهبط و يضغط
على صدري الضيق
المخنوق بالملل
قليلون هم
من يفكروا في معاناتي
و لا من يواسيني
و لو بكلمة، بابتسامة
ربما لأني مجرد عتّال.
من ديوان " صديقي القيثار" الصادر عام 1979 عن دار أنطوان نعمان للنشر ـ كندا