..
يُقال أنَّ ( الموهبَةَ وحْدَها لا تكْفِي ) ، فهذا العنوان هو الإطارُ الذهبي لمجموعةٍ من التساؤلاتِ التي تُطرح أمام من يحاول الاستفسار عن ذهابِ الجهودِ الجبَّارة ، وذوبانِ المواهب واختفائها ، وليس هناك من يحتضنُ المواهب وغيرها .
فكثيراً ما نسْمع عن ( العظماء ) أنهم بدأوا من مستوى ( خطِّ الفقر ) وأنَّ ( المبدعين ظهروا من خطِّ مسْتوى الفقر ) ؛ نتيجةً لاحتياجهم وبالخروجِ من قاعِ الفاقة ، إلى الاختراعِ والحركة .. فالفقر الذي يعيبُه الناسُ بكافَّة طبقاتِهم ، ويعيبه الفقير على نفسه ويُحرج من مواجهةِ الناس ، هي التي تُمحِّص النَّفسَ الكامنة ، وتفجِّر الطاقة الكامنة ، فتَخْرُجُ المواهب والإبداعات من كنوز الأجسام فتمضي إلى الحياة فتصبح معاول بناءٍ لمجتمعاتنا وحياتنا .
لكنَّ ليسَ كلَّ من يقتَحِمُهُ الفقرُ يصْبح ( مبدعاً ) ، وليس كل من يمتلكُ موهبةً يصبح ( ناجِحاً ) ، فكلاهما لا يكفي بأنْ تبني مستقبلاً ، فالموهبةُ من دون أدواتٍ مساعِدة لا تُحركُ شخصاً يبني حياته ، فمثلاً ( علي الطنطاوي رحمه الله ) نموذجٌ من الأدباء فهو لم يصبح قاصَّاً ، إلاَّ بعد أنْ تمرَّس من صِغره الكتابة ، واتجه لمجالٍ يحاكي الأسلوب القصصي ، واستعمالِ الأساليب الأدبيَّةِ عن طريقِ الصحافة ثم أصبح مدرساً يستعملُ الأساليب، حيث الأدب والأحاديث العامة والحوارات ، فنهض بنفسه فتولَّدتْ لديه عاطفةُ الكتابة والرغبة في تصوير الأحداثِ التي مرَّ عليها وتصويرها للناس على شكل قصص ، ثم أصبح مبدعاً يكتب القصص والروايات مستعملاً الأدواتِ التي بنى عليهِ موهبته المدفونة .
فما أريدُ أن أقول بأننا نعلم بأن ( الأبناء أو الطلاب أو الإخوة ) يمتلكون مواهب متنوعة ، في مجالاتٍ شتَّى ؛ مثل ( النشيد ، والخط والرسم ، والتقنية ، والقراءة ، وحب الفقه ، والذكاء ، الإدارة بأنواعها ، تكوين الفريق الجماعي ) فقبل أنْ نشجعه على موهبته وننمِّيها ، علينا أنْ نُعِدُّهُ ونقويه بالاهتمام بالأدواتِ التي تساعِدُه على مزاولةِ موهبته ؛ حتى يصبح ( مميزاً ) في زمن المبدعين .
فمثلاً ناشئٌ يمتلِكُ موهبةَ الخط العربي ويولعُ به ، ويتمنى أن يصبح مميزاً بخطه ، إذن لا بدَّ أن نقوي أدواته التي تصقل موهبته ونعدُّه قبل أن ينخرط في الخط ، كأنْ يكتب كثيراً أو ينخرط في الأنشطةِ الكتابيةِ ، ثم يخالط أناسٌ يمتازون بجودة الخط ، وكذلك موهبةُ النشيد فكثيراً ما نستمع إلى الأصْواتِ النديَّة ، وما أكثر من يقومون بذلك ، فهناك الكثير من الأبناء والطلاب والناشئين يمتلكون موهبة النشيد ، فإذن لا بد أن نقوي الأدوات التي تساعدهم في صقلِ موهبةِ النشيد ؛ كأنْ يزاولوا التدريب على القراءة بصورة صحيحة وسليمة ؛ لتتقوى مخارجُ نطقهم للأحرف ، ثم التمرُّس على الإلقاء وبعضٍ من فنونه ؛ حتى تزداد قوة الموهبة بأدواتِها ، أيضاً من الأمثلةِ طالب يتمتَّع بالذكاء والفقه فلا بدَّ من أن نقوي الأدوات التي تساعد في نموِّ هذه الموهبة ؛ حتى يصبحَ فقيهاً عالماً بالواقعِ كأن نقوِّيهِ أولاً في حفظهِ للقرآن الكريم وانخراطه في جوامع حفظِ القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الصحيحة ، كذلك حفظه للمتون حتى يصل إلى غايته المنشودة .
إذن ( فالموهبة وحدها لا تكفي ) .. لا يكفي بأنْ يتمتعَ المرءُ بالموهبةِ فقط ، إنما عليهِ البحث عن أدواتٍ تقوي وتنمي هذه الموهبة ؛ حتى لا يشْعر بالإحباط والصعوبة في تحقيقِ ذلك . صحيحٌ أنَّ الفقر جلاَّد للسعادة ؛ لكنه ليس عيباً بل هو خيرٌ ، وحِكْمَةٌ من حِكَمِ الله ؛ لكنه يجعلُ من ( الحاجة الاختراع ) .. فالفقرُ يدفعُ المرءَ بأنْ يتحرَّك ويعمل على اكتشاف موهبته حتى يستطيع أن يَسدَّ هذه الحاجة ، لكن الموهبة بدون أدواتها ،كالشجرةٍ بدون أوراقها ، وحتى يتم ذلك فلا بدَّ من البحث والتحري والتعب والجهد ؛ حتى يصْبحَ متميِّزاً في زمن يكثر فيه المبدعون .
..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
العزيز دائماً وأبداً : فريد بخيت
لكم اشتقت لمداد حرفك في هذا الفضاء الواسع ، فلا تحرمنا انسكابه في نهر النشيج العذب!
( الموهبة وحدها لا تكفي )
موضوع بحاجة للكثير والكثير من الدراسات والبحوث ، وإعطائه الأولوية
التامة والكاملة ، فبه نصنع أعمدة و رواد المستقبل..
اقتباس:
لكنَّ ليسَ كلَّ من يقتَحِمُهُ الفقرُ يصْبح ( مبدعاً ) ، وليس كل من يمتلكُ موهبةً يصبح ( ناجِحاً ) ، فكلاهما لا يكفي بأنْ تبني مستقبلاً ، فالموهبةُ من دون أدواتٍ مساعِدة لا تُحركُ شخصاً يبني حياته
- الموهوب - نبتة بحاجة للعناية والإهتمام لتنمو وتصبح يانعة مثمرة ، الإهتمام بمثل هذه الفئة يحتاج للدراسة والتخطيط الدائم ؛ يجب أن نغرس فيهم المسؤولية وحب الإطلاع لكل ما يثير إهتمامهم من نعومة أظافرهم ،،،
طرحك أخي فريد بخيت لبعض النماذج لمن يمتلك المواهب تُشكر عليه ، انتقاء رائع أخي..
جزاك المولى خير الجزاء ، وفق الله