حاوره: أ.د. حسين علي محمد
.......................................
أكتفي بسعادة قراءة قصيدتي على بعض أصدقائي
تأثّرت في بداياتي بالشعر العربي القديم
ولد الشاعر بدر بدير في محافظة الشرقية بمصر عام 1934م، وتخرّج من قسم اللغة العربية بكلية الآداب ـ جامعة القاهرة عام 1958م.
ورغم أنه يكتب الشعر من أواسط الخمسينيّات فإنه لم ينشر ديوانه الأول "لن يجف البحر" إلا في عام 1993م، ثم انتظر عدة أعوام ليُصدر ديوانه الثاني "ألوان من الحب" عام 1999م. كما أصدر في العام نفسه قصة نثرية للأطفال بعنوان "الأصدقاء الثلاثة. ومازال لديه عدة أعمال مخطوطة، تضم: ديواناً، ومجموعة قصصية، وكتابات في النقد التطبيقي، ومجموعة مسرحيات قصيرة للأطفال، وجهت له الأسئلة التالية في صيف 1998م، فلم يجب عنها إلا في أغسطس 1999م:
*ما المؤثرات التي أثرت في تكوينك الأدبي؟
-التكوين الأدبي لأي أديب شريحة طولية إن صح هذا التعبير ـ من التكوين العام لهذا الأديب، وأقصد بالتكوين العام التكوين الوراثي والعائلي والتعليمي والثقافي والجو العام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي … إلخ، فكل هذه مؤثرات فاعلة في تكوين الإنسان عامة، وفي تكوين الأديب على وجه الخصوص، ولا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة أن يفلت من أحد هذه العوامل تأثراً وتأثيراً.
فإذا كان لكل أديب بصمة تميزه عن غيره من الأدباء، فلا شك أن بصمات كثيرة لعوامل متعددة موجودة على عقله ووجدانه، وحتى على تكوينه المادي.
فأنا أنتمي إلى أسرة متوسطة، تعتز بكونها عربية الأصل، فكلمة "البدوي" هي اللقب الذي التصق بهذه العائلة الكبيرة التي كانت أسرتي فرعاً منها، وهو لقب يُشير في المجتمع المصري الزراعي الريفي إلى أن أصحابه قد وفدوا من الصحراء العربية في وقت ليس بعيداً جدا، وقد رأيت الوالد والأعمام يعتزون بهذا اللقب فاعتززت به، وأذكر أن بعض اللحظات الجميلة التي مررت بها في طفولتي كانت تلك التي أستمع فيها إلى الأب وهو ينشد بعض أبيات شعرية في الحكمة أو في وصف الحرب من شعر أحد المعاصرين أو القدماء. ولا شك أن أجمل تلك اللحظات وأكثرها تأثيراً في نفسي تلك اللحظة التي أنشدتُ فيها على مسامع أدبي وبحضور بعض أصدقائه قصيدة من نظمي أمدحه فيها بالكرم والحكمة، وبرغم أن القصيدة كانت أقرب إلى تقليد شعر المدح العباسي، وكنتُ طالباً ببداية المرحلة الثانوية، برغم ذلك فقد كان أثرها عظيماً في نفس الوالد لدرجة أنه أوصاني أن أنشدها في السرادق الذي سيُقام لتقبل العزاء فيه يوم موته، ذلك اليوم الذي جاء بعد عدة سنوات صرتُ فيها أكثر نضجاً، بحيث رثيته بقصيدة أخرى ألقيتها في سرادق العزاء، وكانت أكثر صدقاً وإتقاناً من الناحية الفنية بحيث استدرت دموعاً كثيرة من عيون الحضور الذين كانوا على صلة بالوالد والولد.
كما كانت هناك لحظات مررت بها تبدو عادية وعابرة، إلا أنها كانت تزرع في أعماقي شيئاً جميلاً عرفتُ فيما بعد أنه القدرة على إدراك الإيقاع الموسيقي الفطري، الذي هو أساس الملكة الشعرية عند الشعراء والموسيقية عند الموسيقيين. تلك اللحظات البعيدة كانت هي اللحظات التي أجلس فيها قريباً من الوالدة وهي تُدلِّلُ أحد أبنائها بكلام منظوم وموقع، وهي تُرقصه بين ذراعيْها رافعةً وخافضةً إيّاه وهو يضحك بصوت سعيد، أدركت فيما بعد أن هذه الكلمات الموقعة كانت بمثابة البذور الأولى التي أنبتت في وجداني الإحساس بالإيقاع وموسيقى الشعر في شكل بدائي فطري.
وإني لأذكر حادثة غريبة كنت بطلها في مرحلة الطفولة الأولى، ربما في سن التاسعة أو العاشرة لا أنساها رغم مرور العقود الكثيرة، ورغم أن ذاكرتي لا تتميز بالقوة، ذلك أن أحد الأولاد من رفاق هذه المرحلة من الطفولة قد أساء إليَّ بشكل لا أذكره بدقة الآن، وكانت نتيجة ذلك أني كتبت قصيدة هجاء أسخر منه فيها، بعض كلماتها فصيحة، وبعضها عامية، وبعض عباراتها موزونة، وبعضها يكتفي بالسجع، وكان لها تأثيرها في نفس والد صديقي المهجوّ، فشكاني إلى والدي الذي طلب مني أن أُسمعه كلماتي، ولم أستطع أن أعصي له أمراً لشدة حبي وتعلقي به. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت على وجه أبي سروراً كبيراً، وإعجاباً بما في كلماتي من إيقاع موسيقي، كان الوالد بفطرته قادراً على إدراكه، بخلفيته الثقافية التي كوّنها حفظ القرآن الكريم، وبعض الأشعار الدينية، وبعض القصائد القديمة.
وإني لأذكر أيضاً ـ بل أتصور ـ منظرنا نحن أطفال الكتاب الذي نتعلّم فيه القراءة والكتابة على ألواح من الصفيح اللامع، أو من الاردواز الأسود، ونحفظ فيه قصار السور من القرآن الكريم ـ أذكر منظرنا نحن الصغار في هذه السن المبكرة من الطفولة، ونحن نطوف في شوارع القرية نرتل بعض القصائد الدينية في مدح الرسول احتفالاً بمقدمه، و"سيدنا" في مقدمة الموقف يشترك معنا في الإنشاد المُنغَّم، حيث نستمع أحياناً لبعض الزغاريد من النساء اللاتي لهم أولاد يشتركون في مواكب الإنشاد.
هذه خبرات سارة ـ كما يقول علماء النفس التربويون ـ من شأنها أن تترك أثراً طيباً في النفس، ولو أردت التعبير عن ذلك تعبيراً علميا لقلت إن الذي حدث إنما هو ارتباط شرطي بين هذه العبارات المُوقعة المنغومة وبين السرور النفسي الذي صاحبها، فتكوّنت العادة التي صارت هواية، أقصد عادة إنشاد وحفظ الكلام المنظوم، التي صارت هواية نمت مع السنين حتى صارت بالعلم والتمرس والمعايشة رغبة ملحة في إنشاء مثل هذا التعبير المنغوم الموقع المسمى شعراً؛ إذن كانت أهازيج الأم التي تُرقص بها صغارها، وأناشيد الكتاب الدينية، وأناشيد المدرسة الإلزامية، وما صاحب ذلك من أحاسيس السرور والغبطة لدى الطفل الذي كان يخطو عبر سنين العقد الأول من عمره، كان ذلك بذور الشاعرية التي بُذِرت في قلبه، ونمت بعد ذلك مع الزمن، فجعلته هاوياً، بل مدمناً لسماع الشعر وكتابته فيما بعد.
*ما أول كتاب وقع في يدك؟ وكيف أثَّر فيك؟
-إذا اعتبرنا أناشيد ومحفوظات المدرسة الإلزامية ـ والتي كانت قبل المرحلة الابتدائية ـ أول مادة شعرية مكتوبة ومسموعة تطرق أذني وأسعد بترديدها ثم بقراءتها، فقد صادفني كتاب غريب كان له أثر كبير في تكويني الإيقاعي .. إنه ديوان "المعلقات السبع".
كنت وقتها ـ على ما أذكر في منتصف المرحلة الإلزامية، ويُحَرَّر لوالد الطفل الذي يتغيّب عن المدرسة فيها محضر يدفع بموجبه غرامة مالية، لأنها كانت مرحلة إجبارية، ثم مرحلتا التعليم الابتدائية والثانوية، والتعليم فيهما على نفقة ولي الأمر، ثم تغيّر ذلك، وأصبحت المرحلتان على نفقة الدولة، ثم أصبحت المرحلة الجامعية هي الأخرى مجانية فيما بعد.
أي كنتُ في سن الثامنة أو التاسعة عندما وقع ديوان "المعلقات السبع" في يدي، وكذلك كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" للأبشيهي.
وإنه لشيء طريف أن يحرص طفل في التاسعة ـ أو حتى في العاشرة ـ من عمره على قراءة ـ بل إنشاد ـ قصائد ديوان "المعلقات السبع" الجاهلية. والحق أقول: إنني عندها لم أكن أفهم شيئاً مما أقرأ لغرابة الألفاظ والمعاني، ولكني كنت أستمتع كثيراً بترديد أبيات المعلقات بصوت جهوري، حيث كنت أتصور المعاني والمناظر على ضوء الألفاظ، ومدى ما بها من خشونة أو نعومة، أي أنني كنت وقتها أصنع لنفسي الجو والمعنى الذي أتخيّله من أنغام الموسيقا الشعرية.
ولما كبرت ودرست هذه القصائد في المرحلتين الثانوية والجامعية، اكتشفت أن تصوري للمعاني لم يكن بعيداً جدا عن المعاني الموجودة فعلاً في هذه القصائد، الأمر الذي يُشير إلى عظمة اللغة العربية التي كان من الحكمة أن يختارها الله لتكون لغة لآخر رسالة منه إلى الأرض.
ثم كانت المادة الأدبية الرائعة التي تضمنها كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف"، سيما الأشعار. كانت هذه المادة وهذه الأشعار التي حفظت بعضها لبنة في التكوين النفسي الشعري لهذا الفتى الذي يدفعه الفضول الذي لا يُقاوم للتجوُّل عبر هذه الرياض الأدبية والشعرية، يعبُّ منها، ويتأثر بها من حيث المعاني والألفاظ والأسلوب.
وأظن أن قصيدتي التي كتبتها في مدح ذلك الأب المتفتح في نهاية المرحلة الثانوية، والتي مطلعها:
الشعرُ يسمُو للمقامِ الأعظمِ
يمْضي إلى ناديكَ فوقَ الأنْجُمِ
والتي جاءت في ديواني الأول "لن يجف البحر"، أظن هذه القصيدة انعكاساً صادقاً لتأثري بأسلوب هذه الأشعار القديمة التي لم أكن قد استطعت الإفلات من تأثيرها في هذه المرحلة من العمر.
وإنه لمن حسن حظي أني تأثّرت في مرحلة البدء هذه بالشعر العربي القديم، سواء أكان جاهليا أم إسلاميا، أو من شعر العصور التالية، قبل مرحلة الشعر الحديث والشعر المعاصر، حيث ساعد ذلك على وجود قدرة انتقائية لما يمكن أن يُكتب بعيداً عن تيارات الغموض والضبابية التي تُحاول أن تؤثِّر في حركة الشعر العربي المعاصر.
*التحقت بقسم اللغة العربية بآداب القاهرة ـ وهو القسم نفسه الذي تخرّج فيه طه حسين وشوقي ضيف ويوسف خليف ـ فهل درست على هؤلاء الأعلام؟ وما ذكرياتك عن الدراسة في هذا القسم؟
-كان الهامش الذي يختار فيه الطالب نوع الدراسة التي يُريدها في ذلك الوقت هامشاً كبيراً، لكني فضّلت الدراسة في هذا القسم الذي اعتقدت أن الدراسة فيه تُشبع حاجةً في نفسي.
كان ذلك في سنة 1954م، وأذكر أن الدفعة التي التحقت معي بهذا القسم كانت أكبر من سابقاتها، حيث زاد عدد الطلاب عن مائتي طالب برز بعضهم في مجالات الأدب والصحافة، وكان الأب الروحي للدفعة هو الأستاذ العظيم الدكتور شوقي ضيف، الذي كان حريصاً على مصلحة طلابه، مرتبطاً بهم، وكان ـ أطال الله عمره ـ يذوب رقةَ ودماثةً وهدوءاً، عالماً أديباً، ومعلماً مثاليا، يتسع صدره لأبنائه طلاب القسم وطلاب الدراسات العليا، راعياً لأصحاب المواهب منهم.
وكان الدكتور يوسف خليف ـ رحمه الله ـ شاباً في مقتبل حياته العملية، وأذكر أن طلابه الذين حضورا مناقشة رسالته لنيل درجة الدكتوراه حملوه بعد إعلان النتيجة على أعناقهم، هاتفين بحياته فرحةً وتعويضاً له عن الضغط النفسي الشديد الذي عاناه أثناء المناقشة، بسبب الهجوم العلمي القاسي الذي شنّه عليه الدكتور طه حسين ـ رحمه الله ـ طوال فترة المناقشة التي استمرت ساعات طويلة، وأذكر عطف وحدب وحسن توجيه المشرف على الرسالة الدكتور شوقي ضيف ـ حفظه الله ـ وعلى قدر ما كان هتاف الطلاب ليوسف خليف فرحةً به، كان ذلك الهتاف تلميحاً عن شعور بالغضب تجاه عنف هجوم الدكتور طه حسين على الطالب ـ آنذاك ـ يوسف خليف، الذي كان تلاميذه يرتبطون به ارتباطاً وثيقاً، لشخصيته اللطيفة التي كانت البسمة المرحة أهم سماتها.
وأذكر أن الدكتور طه حسين كان يُحاضرنا مرة كل أربعاء،، وكان مدرج 78 يضيق على اتساعه بالحضور من طلبة الآداب وغيرهم من طلبة الكليات الأخرى المسحورين بشخصية هذا الأستاذ الشهير. وكان يُحاضرنا في الأدب الحديث، ولم تنته محاضرة من محاضراته دون أن يرفع الحاضرون عقيرتهم بالضحك لإحدى الهمزات أو القفشات التي كان يُطلقها هذا الأستاذ الأسطوري الجاد، وكثيراً ما كانت هذي "القفشات" تتعلّق بمواقف وسلوك زملاء الدكتور طه، أو أساتذته في الأزهر، وكأنه كان ينتقم منهم لما عاناه أثناء شبابه ودراسته في الأزهر .. كان الجميع يضحكون إلا هو، فوجهه وصوته جادان دائماً كأكثر ما يكون الجد صرامة.
أذكر أنه في إحدى المحاضرات، وقبل حضور الأستاذ كان المدرّج قد ضاق بالحاضرين من كل نوع من الطلاب وغيرهم، لدرجة أن حديث كل جار إلى جاره كان يُحدث ضجة وطنيناً عالياً، ودخل الأستاذ الدكتور طه حسين وسكرتيره واتخذ موقعه على المنصة، واستمر اللغط والطنين، ولم يتحدث الأستاذ حتى هدأ الجو، واستمر الأستاذ صامتاً لدقائق كثيرة "كأن الناس على رؤوسهم الطير"، ثم نطق بصوته المعروف ولكنته المشهورة قائلاً: "وأخيراً سكتم"، فانفجر الجميع ضاحكين، لكن ضجّتهم هذه المرة انتهت بعد ثوان معدودة.
وأذكر أنه انقطع عن محاضراته لنا لسوء تفاهم بينه وبين إدارة الكلية، وكوَّنَّا وفداً صغيراً بقيادة أحد الأساتذة، وزرناه في بيته بشارع الهرم لنرجوه ألاّ يحرمنا من شرف الدراسة على يديه، وأذكر منظر هذه "الفيلا" الجميلة من الخارج، والتي لم أر ما فيها من الدّاخل غير الكتب من الأرض إلى السقف. وأذكر أنه استقبلنا داخل حجرة القراءة، وأنه اعتذر لعدم دعوتنا إلى الجلوس لضيق المكان الذي لم يكن به غير المكتب ومقعدين، وأذكر أنه ظل واقفاً حتى انتهيْنا من تقديم رجائنا له بالعودة، ووعدنا خيراً، ونفّذ الوعد بعد أن شاغبه أحد زملائنا، فأضحكه وشاركه الضحك.
وكانت الدراسة في قسم اللغة العربية تعتمد كثيراً على المكتبة التي كانت تُمثِّل جانباً أساسيا من حياة الطلاب، فلم تكن المحاضرات غير فرصة لتفتيح الموضوعات، وإحالة الطلاب إلى المراجع العلمية لاستكمال عناصر الدرس والإحاطة بجوانبه المختلفة؛ فكان الجانب الأكبر من تواجدنا في الكلية على مقاعد القراءة وأمام أرفف الكتب في مكتبة الجامعة، ودار الكتب في حي باب الخلق بالقاهرة. ولم يكن الطالب مضطراً إلى شراء كتب بعينها ألّفها الأستاذ، بل كان الطالب مدفوعاً بتشجيع أساتذته إلى ارتياد المكتبة، وكلما ذكر الطالب في ورقة إجابته عن أسئلة الامتحان إجابات موسّعة ذاكراً المراجع التي استقى منها معلوماته كان تقديره أفضل، وأعتقد أن هذه الصورة المُثلى لم تعد كما كانت، وأن هذا الأسلوب في الدراسة الجامعيّة قد تغيَّر إلى حد ما.
*نريد أن تذكر لنا وظائفك التي عملت بها منذ تخرجك من الجامعة إلى إحالتك إلى التقاعد:
أدّيت الخدمة العسكرية الإجباريّة من منتصف سنة 1959م إلى نهاية سنة 1960م لمدة عام ونصف، ومن المؤكَّد أن هذه الفترة اكتسبتُ فيها من الحياة العسكرية صفات الانضباط الذي انعكس فيما بعد على حياتي الوظيفيّة، حيث دقة المواعيد، وكذلك احترام الرؤساء، واحترام النظم والقوانين، فصرت معلما منضبطاً، ورئيساً تربويا ملتًزماً ودقيقاً.
اشتغلت معلماً بالمدارس الإعدادية في بلاد النوبة القديمة قبل تهجير النوبيين ولمدة سنة، ثم معلماً بالمدارس الثانوية ودور المعلمات في الصعيد والدلتا من سنة 1962م إلى حوالي سنة 1978م، وهي مدة تخلّلتها نقلات بين مدارس محافظة الشرقية بالدلتا، وتخللتها أيضاً فترة إعارة إلى ليبيا من سنة 1970م إلى سنة 1974م، عشتُ خلالها أحلام الشعب العربي الليبي في الوحدة العربية بعد قيام ثورة الفاتح من سبتمبر، وشاركت في هذه الأحلام باعتباري معلماً ومواطناً عربيا، وغنّيت لها عدة قصائد، وشاهدت انكسار الحلم الوحدوي بعد موت الزعيم عبد الناصر، وتصدِّي أمريكا للشعب الليبي، ثم حرب الخليج التي قصمت ظهر البعير العربي فيما بعد.
كما تخلّلت هذه الفترة مدة تفرغ للعمل الوطني السياسي من سنة 1965م إلى سنة 1970م كأمين شباب لمركز ديرب نجم الإداري والذي يضم اثنين وأربعين بلداً أو قرية، وكانت هذه فترة الأحداث الكبرى، حيث كان الحلم العربي في العدل والتنمية يتشكّل على أرض الواقع وحلم شعوب العالم الثالث في الاستقلال والاحتذاء بمصر، ثم هزيمة هذا الحلم بنكسة سنة 1967م التي مزّقت وحطّمت قلوب ملايين الشباب الذين فقدوا الثقة بكل شيء والأمل في أي شيء، وبذلت مصر جهوداً جبارة للخروج من هذا الجب المظلم بإشعال حرب الاستنزاف، لكن بذرة هذه الثقة لم تنُمُ كثيراً حيث وقع الصدام بين الشعب الفلسطيني والحكم الأردني، ومات ناصر وهو يُحاول رأب الصدع بين العرب، وبدأت مرحلة جديدة بحكم لم يبق لي فيه غير الحلم الذي بدا بعيداً وهو حلم النصر الذي تأخّر إلى سنة 1973م، ولم نجن ثماره السياسية كما كان يتوقع الملايين الفرحين بالنصر، ولذلك كان انسحابي من العمل السياسي سنة 1970م بالسفر إلى ليبيا ممارساً لمهنتي التي أحبها ـ مهنة التعليم ـ وقد كان ذلك أمراً طبيعيا متوقعاً.
ولقد كانت فترة العمل السياسي التي تفرّغت لها ذات طبيعة يغلب عليها العمل الوطني، حيث كان تنظيم الشباب وحشده وراء الأهداف الوطنية في الحرية والعدل الاجتماعي والوحدة، وكان ذلك هو الهدف والرسالة في هذه الفترة، التي لم أجن فيها أي مكاسب مادية أو وظيفية، وإنما كانت متعة العيش على هذه الأمال هي المكافأة الكبرى لي ولأمثالي ممّن انشغلوا بهذا الهدف العام.
لقد دخلت إلى العمل السياسي مُجبراً، ثم تركت العمل السياسي مختاراً، عندما سئمت تقلبات السياسة، وغموض الخطط، وبُعْد الأهداف التي تميّعت وغامت في عيون الكثير من الشباب.
دخلت حقل العمل السياسي بالتعيين، وتركته باختياري، ولم يكن ذلك هروباً بعد النكسة العسكرية، ولا انهيارا نفسيا كما حدث لكثير من أمثالي، ولكني صبرت على الحزن الكبير حتى سنة 1970م، حتى استرد الكثيرون بعض الثقة بالنفس وبعض الآمال بعد نجاح خطة حرب الاستنزاف وبداية التآم الجروح الوطنية شيئاً ما.
في هذه الفترة بكيت شعراً كثيراً في ديواني الأول وديواني الثاني، مثل قصائد: لن يجف البحر، وفرحة الجلاء عن ليبيا، وفي يونية الحزين، وليلة الفاتح، ويا قارئ الأخبار، وسؤال في العيد، ورسالة إلى اليوم الكئيب، ونشيد لوطني، ومتنا مرتين، والبحث عن وجهها .. وهذا في الديوان الأول "لن يجف البحر"، ثم: هل تاه الخطو؟، والمعوذة، ويا لها من قمة، واستعطاف، ورسالة إلى حماة القدس، ومن يُصبح نعجة، وضمير عاتب .. وهي من الديوان الثاني "ألوان من الحب".
ومازال الدمع يسيل لعل شعبنا يفيق إلى أهدافه الحقيقية، ولعل حكّامنا يرون طريقهم وطريق أمتهم إلى تحقيق آمال الشعب في الحرية والعدل والتنمية.
*عملت في أول حياتك العملية مدرساً في بلاد النوبة بصعيد مصر، فهل أثَّرتْ في شاعريتك؟ وماذا أنتجتَ عن النوبة في ديوان شعرك؟
-تبدو إجابة هذا السؤال ذكريات بعيدة، والذكريات بشكل عام تظهر أمام النفس جميلة مهما كانت غير ذلك، لسبب بسيط، هو أنها جزء من عمر الإنسان، وليس أغلى على الإنسان من عمره، سيما العمر الذي مضى.
وهذه الفترة التي بدأتُ بها حياتي العملية في بداية الستينيات من القرن العشرين، والتي تلت فترة الدراسة الجامعية وما صاحبها من آمال، وفترة أداء الخدمة العسكرية وما واكبها من خبرات جديدة .. هذه الفترة الانتقالية تبدو أمام الذاكرة الآن شيئاً ملفوفاً بالخشونة والغموض معاً، خشونة العيش في منطقة صحراوية رغم اختراق النيل لصدرها، حيث تحول التلال دون استفادة أهلها من تسخيره للري والزراعة.
ولقد فوجئت عند نزولي لأول مرة من المركب النيلية إلى القرية التي سأعمل بها، ببيئة تختلف تماماً عن بيئة الدلتا التي نشأت في إحدى قراها، فالنيل العملاق الجبّار تنحدر مياه فيضانه السمراء نحو الشمال في حرية طاغية، وهو لا يدري أن السواعد القوية والنفوس الثائرة تُدبِّر له أمر القيد العتيد ـ السد العالي ـ هناك عند أسوان، لتُحكم حركته الجبارة لأول مرة منذ ملايين السنين، وتُسخِّره باقتدار لصالح الإنسان.
فوجئت بالنيل العملاق يمرُّ سريعاً بالمنطقة النوبية المصرية دون أن يترك فيها أثراً للخضرة، اللهم إلا بعض أشجار النخيل الغارقة في مياه الفيضان الذي غطّى المناطق الطينية من الشاطئين بعد بناء خزّان أسوان وتعليته. منظر غريب جدا؛ الماء مصدر الحياة، ولا حياة إلا تلك التي تدب في عروق جماعات قليلة من كبار السن والأطفال الذين تشبّثوا بالوطن الأصلي بعد رحيل عائليهم من الشباب إلى الشمال للعمل وكسب العيش، وإرسال المؤن من الدقيق والزيت والسكر والقماش إليهم على ظهور البواخر النيلية التي تتحرّك في هدوء ساحر بين بلاد النوبة السودانية والنوبة المصرية حتى أسوان.
مجتمع لا يوجد به غير الشيوخ والأطفال والنساء في قرى مبنية على طابع واحد، تمتد الواحدة منها على شاطئ النيل مسافات كبيرة، بدون عمق في الصحراء. حياة بسيطة في بيئة بسيطة، لا أثر فيها لمظاهر التحضر المادي من قطارات أو سيارات على الإطلاق، وتتراوح وسائل المواصلات فيها بين القوارب النيلية ذوات المجاديف وبين الحمير القادرة على تسلق الصخور نهاراً فقط دون الليل، حتى لا تفترسها الضباع المُغرمة بلحم الحمير.
لم يكن إرسال التليفزيون قد وصل إلى هناك، وكانت الأغنيات المسموعة هناك تتنوّع بين اللهجة السودانية والمصرية، وبعضها بأصوات المغنين النوبيين، وبلغتهم التي لا يعرفها غيرهم، والتي تختلف تماماً عن العربية، والتي قد تختلف في منطقة نوبية عنها في غيرها.
على أن أجمل السهرات كانت تلك التي تُقام احتفالاً بالأعراس، حيث يتحلّق أهل القرية حول المغنين والرّاقصين والرّاقصات على الأرض دون مقاعد أو فُرش؛ فالبيئة فطرية نظيفة.
كانت الدفوف ـ آلات الإيقاع السائدة ـ وتصفيق الأيدي تصفيقاً خاصا، تختلف مسافاته الزمنية بين دفعاته المتفق عليها، هذا التصفيق المُصاحب للرقص، والذي يشترك فيه الرّاقصون جميعاً من شبّان بحيث لا يستطيع غيرهم من غير النوبيّين أن يُقلِّدوه، وكأنه شيء فطري فيهم، بينما تتحرّك صفوف الرّاقصات اللاتي يلبسن الملابس الواسعة، ويتحلّين بكميات كثيرة من الزينات المعدنية على صدورهن، وفي آذانهن. تتحرّك الرّاقصات حركات أشبه ما تكون بحركات الديكة الرومية، فهي خطوات قصيرة وسريعة ومنتظمة خلفاً وأماماً وعلى الجانبين، وهن جميعاً سيدات بيوت غير محترفات، بينما ينشد المغنون أغنياتهم الخاصة بلغتهم، أو باللهجة المصرية أو السودانية، ويستمر السهر ساعات من الليل ولياليَ عديدة متتالية. ولقد حاولت تسجيل هذه المشاهد في شكل روائي حالت الظروف دون إتمامه.
في هذه البيئة التي تقل فيها وسائل الترفيه كان الحنين إلى الأهل على بعد ليال طويلة أمراً متوقعاً، وكانت الشكوى من البعاد عن الأحباب متنفساً وحيداً، فكانت بعض القصائد التي تضمّنها ديواني الأول "لن يجف البحر"، مثل قصيدة "تعالي"، والتي جاء فيها:
أنا كمْ أطبقْتُ جفنيَّ على طيْفِكِ
يا سوْسَـنُ( ) في ليْلِ السكونِ
وقضيْـتُ اللـيْلَ أشكو للخيالِ
الحلوِ آلامي وسُـهْدي وشجوني
ثمّ يمْضي الليلُ في صَـمْتٍ حزينِ
بيْنَ آهَـاتٍ بسمْــعي وأنـينِ
الفراقُ المُــرُّ قـدْ عذَّبَ قلْـبي
يا مُنى قلْبي "وأغْـلى منْ عيـوني"
فبكى منْ لوْعةِ الفُــرقةِ حـتى
ذابَ يا سوْسـنُ في دمْـعِ الحنـينِ
وقصيدة "طيف الحبيب"، وقصيدة "كوم أمبو" حين تُفرِّق بين الأحبة"، وقصيدة "أُمِّي".
لقد كانت فترة عملي في بلاد النوبة قصيرة، ولكنها كانت شيئاً جديداً وغير متكرر في رحلة العمر.
*للزوجة حضور طاغ في شعرك، فلم هذا الحضور؟ وهل تراه شيئاً مميزاً لك؟ وأين شعرك الذي يُصوِّر عاطفتك قبل الزواج؟
-يقول الحديث الشريف: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصّالحة". والحياة الإنسانية قصيرة مهما امتدّت، وللإنسان أن يفنى لها أو يُفنيها. الحياة أغنية متنوعة الألحان، بحسب ما يمر بالإنسان من أفراح وأتراح؛ ونحن نُغني للحياة في حالتي السرور والحزن، وحتى في حالات التأمل والكشف والرضا والغضب، وباختصار: فإننا نغني للحياة في كل حياتها، فالإنسان حيوان مُغن، سواء أأنشأ أغنية بنفسه إن كان شاعراً مبدعاً، أم غنى من إبداع غيره، لأن مشاعر الإنسان موحدة رغم تنوّعها، وهذا دليل على وحدة الصانع الذي صنع الإنسان ، فعدّد ملامحه ملايين الملايين من المرات، ووحد شكله الكلي التكويني، فجميع الناس لهم وجوه وعيون … إلخ، لكنك قادر على تمييز كل منهم عن الآخر، وجميع الناس لهم مشاعر وانفعالات متباينة، لكنها لا تعدو أن تكون حزناً وسروراً، وغضباً ورضا، وشوقاً وقلى، وحبا وكرهاً، وكان الشعر هو التعبير الراقي عن هذه المشاعر، ولذا كانت أغراضه منذ القدم وإلى الآن تعبيراً عن مشاعر الإنسان إزاء أحداث الحياة ومواقفها؛ فهو أغنيات للحب وللفخر وللحرب وللسلام، وتعبيراً عن انبهار الإنسان بما يراه من جمال ومن عظمة في الكون والطبيعة، وما يكتشفه من علاقات ومن قيم ومن إسرار النفس البشرية.
والمرأة هي أحد أهم العناصر الباهرة في هذا الكون الرائع الجمال المليء بالأسرار الغني بالسمات، فهي نبع الحياة ومهدها وحاضنتها ومُجمِّلتُها، فلا عجب أن ينبهر الرجل بها عندما يتفتح شبابه للحياة لأول مرة، وتتفتّح عيناه وحواسه لاكتشاف الجمال لأول مرة، فيبدأ في التغريد لهذا الجمال، تعبيراً عن هذا التوق الفطري للمشاركة في صنع الحياة ورسم جانب ولو ضئيل من لوحة الجمال الخالد التي أراد لها الخالق العظيم أن تكون موجودة.
ولقد كنت بحكم إنسانيتي العامة من ناحية، وبحكم طبيعتي الذاتية الحساسة من ناحية أخرى أحد هذه العناصر المؤثرة والمتأثرة، والمشاركة في صنع هذه اللوحة العجيبة لوحة الحياة الجميلة؛ ففتحت عينيَّ لأول مرة في مقتبل الشباب على هذا العنصر الأساسي من عناصر الحياة، وهي المرأة. فانبهرت بها انبهاراً شديداً جدا في شكلين من أشكالها: شكل الأم وشكل الوليفة التي أتخيّرها وأحلم بها صالحةً لبناء العش الذي بين قشاته الناعمة تُصنع وتتشكّل الحياة.
كانت الأم هي الصانعة الحقيقية لمشاعري، وملَكتي التي بها أُدرك الإيقاع الشعري الموسيقي، كانت عابدة متبتلة تتهجّد جانباً كبيراً من الليل، وترعى زوجها وذريته نهاراً، شديدة الحدب على أولادها صغاراً وكباراً، وتُجيد قراءة القرآن الكريم، وتُواظب على الأوراد وصلوات السنن والتطوع، ومع ذلك فهي مرحة تعرف طريق البسمة السعيدة، وتحيا حياة متكاملة، تعرف حق الله وحق الأولاد، وحق الزوج وحقوق الآخرين.
ومن أغنياتها الرقيقة التي تؤدِّيها في لحظات السرور، ومن أهازيجها التي تُؤلفها بنفسها لتُدلِّل أحد صغارها تذوّقت عيِّنات من الإيقاع النغمي الذي نظم الشعراء على أساسه، ومن قلبها وسلوكها عرفت الحب الذي لا يُشبهه حب والرعاية التي لا مثيل لها. لقد كوَّنتْ أسرة سعيدة.
أما الوجه الثاني من المرأة فهو المرأة / الأنثى التي يحلم بها الذكر منذ بدء وعيه للحياة، وإنه لشيء عجيب أن أشعر بها في مرحلة الطفولة، أي ما قبل البلوغ. لقد كنتُ في العاشرة أو الحادية عشرة عندما خفق قلبي لأول مرة من أجل فتاة جميلة. كان خفوقا محوماً هائماً بغير هدف محدد، اللهم إلا الرغبة الشديدة في المشاهدة وفي المعاشرة البريئة، مع انبهار شديد بجمال الوجه وجمال العيون، إنه إحساس غامض بالحب والحزن، إنه انعكاس فطري غريزي غامض لإحساس بانجذاب الموجب إلى السالب مجرد انجذاب غامض الهدف في براءة ظاهرة.
ثم تطوّر هذا الإحساس في المرحلة الجامعية، فصار محدد الأهداف، يُغذّيه خيال جامح، وعاطفة جياشة. لقد كان تعبيراً عن شجن دفين، وحرمان ظالم، وحلم أزلي باللقاء، ولكن ذلك كله كان من طرف واحد، طرف الفتى الريفي الساذج المتحفظ الخجول، وعاش هذا الإحساس طول فترة الدراسة الجامعية، وكان صداه مجموعة من القصائد التي كتبتها آنذاك (وتجدها في ديواني الأول "لن يجف البحر")، مثل قصائد: "لست لي"، و"اللحن الخالد"، و"زورق الأمل"، و"البلبل المنتحر"، و"القلب المُذاب" التي قلتُ فيها:
ردّدَ الغُصنُ زفْرةَ العنْدليبِ
وشكا الطلَّ للفراشِ القريبِ
وتناجى الحـمامُ لكنّ قلبي
يسْهرُ الليلَ وحدَهُ يا حبيبي
وقصيدة "الربيع القاحل" التي عبّرتُ فيها عن خيبة أمل عنيفة وحزن قاتل لخيبة التجربة العاطفية الساذجة، والتي قلتُ في مطلعها:
يا ربيــعاً لمْ أُعَــانقْ فيه زهْرهْ
لا، ولمْ أشربْ بكأسي غيْرَ حسْرَهْ
أنا لا كنتُ ولا كنت ربيـــعاً
كيف لا تُطْفئُ في قـلْبيَ جمْــرَهْ
*
يا ربيـعي ما لعصفورِكَ ينْــدَمْ
وبقُرْبِ العشِّ قيثـــارٌ مُحطَّمْ
وبقايا منْ زهُــــورٍ ذابِلاتٍ
وغُـابٌ أسْودٌ كالليْــلِ أسْحَمْ
*
يا ربيعــــاً ملأَ القلْبَ شتاءَ يا صبـاحاً باتَ في عيْني مساءً
أنا لا كنتُ ولا كنـــتُ ربيعاً ليْتـني كنتُ وإيَّـــاك هباءَ
وقصيدة "بين اليأس والأمل"، وقصيدة "دقات القلب" .. وغيرها، وكل هذه القصائد كُتبت بين سنتي 1954-1958م، وهي سنوات الدراسة الجامعية التي مررت فيها بهذه التجربة الفاشلة، لأنها كانت من طرف واحد.
لقد كانت فترة مليئة بالمشاعر المجهضة، والأحلام التي حققتُها فقط في عالم الخيال، فإذا صحوت على الواقع المرير ارتفع الأنين في نغم شعري حزين.
لكن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، وعندما تستحكم حلقات الضيق يأتي الفرج، وهكذا عندما وصل الفراغ العاطفي إلى مداه، ولم يعد من الممكن أن تستمر الحياة على النحو، إذا بنور الأمل يبدو جميلاً في الأفق، وبدأت مشاعر الفرحة والأمل على أبواب الفجر العاطفي الجديد، وبدأت قطرات الندى تتساقط على القلب المتوتر، لتتحول نبضاته الجنائزية الحزينة ـ التي سمعنا نغماتها الشاكية في القصائد المشار إليها ـ إلى موسيقا هادئة مُنعشة، استجابة لهذا الإحساس الجديد، الإحساس بأن هناك إشباعاً لهذا التوق الفطري إلى الاندماج في الآخر، والتداخل النفسي والعاطفي بين قطبي الحياة الموجب والسالب، وبدأت القيثارة تعزف ألحان السعادة؛ سعادة التعرف، والاحتكاك بالجمال، والعرفان، والأمل. هذه الألحان التي تبدو مسموعة في قصائد كثيرة من الديوان الأول "لن يجف البحر"، والتي مطلعها:
أتْـرعي كأسي بالحُبِّ وهاتي إنني حطّمْتُ كأْسَ الذِّكْرياتِ
وتعاليْ نزرع الزَّهْرَ على الدَّرْبِ فإنَّ الشَّوْكَ أَدْمى خُطواتي
وتعـاليْ نسمع الفجْرَ أغاريدَ المنى فالصَّمْتُ أبكى أُمسياتي
…
فتعاليْ أقرأ الأحلامَ في عيْنيْكِ ، أحلامي ، وأدري سرَّ ذاتي
وقصيدة "طيف الحب"، وقصيدة "لا تخجلي"، والتي قلتُ فيها:
مني أنا لا تخْجـــلي ألسْـتِ يا دُنْيايَ لي ؟
لن أقطـف الورد على خدَّيْكِ، بلْ سأجْتـلي
فقطْ أُريدُ لمْسَـــهُ بشفتي وانْمُــــلي
…
يا مُنْيتي هذا رجَــائي ونـدائي فاقْبـــلي
فالسِّوْسَنُ اليـانعُ قـدْ يشيـخُ إنْ لــمْ يذْبلِ
ويخْتــفي البـدْرُ ورا ءَ السحْـبِ إنْ لمْ يأْفلِ
والـحــبُّ نبْعٌ رائقٌ مُعطَّــرٌ فلننْهَـــلِ
ولنرتشــف كأس المنى قبْلَ انتــهـاءِ الأجلِ
وقصيدة "رسالة مع النسيم" التي مطلعها:
يا نسيــمَ الليلِ قبِّلْ يَدَها
وانْسَكِبْ يا طُهْرُ في معْبَدِها
وقصائد "كوم امبو حين تفرِّق الأحبة"، و"قالت لي"، و"لا أُصدق" التي مطلعها:
أتـرى أعيشُ حقيقةً أمْ تلكَ أوْهامُ الخيالْ؟
أنا لا أُصـدِّقُ أنَّ لي يا أعْـيني هذا الجمالْ
هـذي المحبّةُ والحنانْ
هذا الأمانُ من الزَّمانْ
أنا لا أُصــــدِّقُ
أحقيقةً هـذي العيونُ تـرى سعادتَها بقُرْبي؟
أحقـيقةً هـذا الفؤادُ يفيــضُ تحناناً بحبي؟
أحقيـقـةً آن الأوانْ
لأذوقَ شهدَكَ يا زمانْ
أنا لا أُصــــدِّقُ
ويُمكن ملاحظة أن جل هذه القصائد قد كتبت سنة 1962م، ثم توالت السنون التي ننظرها الآن من الزاوية العاطفية الأسرية فقط، وحلّت العشرة، ورقّت الألحان المعبرة عن هذه العشرة السعيدة التي أعتبرها مثالاً للسعادة المبنية على الحب والمشاركة في الحياة على وجوهها المختلفة، وهي حياة مبنية على الحب أساساً، والإيثار إطاراً. الحب الذي يهب الإنسان كل يوم عمراً جديداً، ذلك الإحساس الذي عبّرت عنه في مطلع إحدى قصائدي قائلاً:
طالَ عُمْري فجَـاوزَ الستِّينا كلُّ يوْمٍ قدْ عِشْتُ فيهِ سنينا
لوْ تُقاسُ الأيّامُ بالحبِّ كانتْ سنَــواتي تُقـاربُ الملْيونا
هذا الإحساس بالحب للشريكة الفاضلة، والذي عبّرت عنه في بعض قصائد ديواني الأول "لن يجف البحر"، مثل قصيدة "ثلاثون عاماً"، وقصيدة "أنت" وهي آخر هذا الديوان، والتي مطلعها:
لأنتِ أمسي وغـدي واليومُ بلْ والأبَدُ
وأنـــتِ أُمٌّ وأَبُ وطِفــلةٌ وَوَلَدُ
والتي أنهيْتُها بقوْلي:
أنتِ أنا روحاً ، ورو حي منكِ لا تبْتَعِدُ
فكْرٌ ونبْضٌ واحـدٌ واللهِ لـولا الجسَدُ
وتوالت مشاهد رحلة العمر، هذه الرحلة التي كانت في معظم صفحاتها سعيدة هانئة، وتوالت الأهازيج والأغنيات التي جاءت صدىً أميناً لهذه الصفحات الأسرية، فكانت تعبيراً صادقاً للهناءة التي عاشها غردان يعشقان الحياة، ويُدركان أنها أقصر من أن يُضيعا يوماً من أيّامها في نكد وخصام، فجاءت هذه القصائد التي بلغت عشر قصائد في الديوان الثاني "ألوان من الحب" بنسبة 25% من جملة قصائد الديوان، مثل قصيدة "لا تتأخر"، والتي جاء فيها:
إن كنتِ تأخّرت كثير عني قبلَ اللقيا الأولى
وأنا
كربيعٍ لم تبسمْ فيهِ الأزهارْ
كهشيمٍ شبّتْ فيهِ ألسنةُ النّارْ
كمساءٍ طال سنيناً يحلُمُ بنهارْ
كالنهر إذا ركد الريحُ ولمْ يمرحْ فيه التيّارْ
وأتيْتِ ..
فكنتِ ربيعي .. زهْري ..
صُبحي .. نهري المرحِ الدّافقِ
عمْري .. نغمي .. عودي والأوتارْ
ولذا لنْ أتأخَّرْ
وقصيدة "وداع من أجل اللقاء".
وحتى عندما تحدث جفوة عارضة ومؤقتة، وتعلو نغمة العتاب لا يلبث القلب أن يلين والثورة تهدأ، وتعلو من جديد نغمات السعادة والحب في القصيدة نفسها، وذلك في قصيدة "هل كان الجسد؟"، والتي كان مطلعها الغاضب:
ما بيْننا بالأمسِ هلْ كانَ الجسَدْ؟
أمْ كــان بُركاناً طغى ثمَّ خَمَدْ؟
ألــقى شواظ الرغبةِ الهوجاءِ في
مخْـدعِنا عمْـــراً مديداً وهَمَدْ
ولم تستمر هذه الموجة الغاضبة غير خمسة أبيات، ثم جاء البيت السادس وما بعده ـ وإلى نهاية القصيدة ـ شدواً للحب الكائن، المنتصر على كل طارئ.
وعندما تتعرّض الشريكة الحبيبة لمرض مهاجم، وفجائي، يصرخ القلم في ذعر، متخيلاً صورة الفراق التي قد تحدث وذلك في قصيدة "لا تذبلي"، والتي منها:
بدونكِ لا الشمسُ دفْءُ
ولا الظلُّ فيْءُ
ولا باقةُ الوردِ تغمرني بالعبيرْ
ولا بسمةُ البدرِ تهنئةٌ باقترابِ الأملْ
ولا همسةُ الماءِ أغنيةَ الخصبِ في الحقلِ
تسري بغضِّ الزهورِ
فلا تذبلي
أنتِ شمسي ودفئي
وزهْري وفيئي
وأحلامُ عمْري
وقيثارُ شعري
وفي الليْلِ نجْمي
وبدرُ البدورْ
وعلى المنوالِ نفسه ـ الخائف على الشريكة الفاضلة ـ جاءت قصيدة "لا تُسرعي" أي لا تسرعي إلى العالم الآخر، والتي كان مطلعها:
أرفيقتي لا تُسْـرعي واستمتعي
يا نشوةَ الكـأْسِ الشَّهِيِّ المُتْرَعِ
يا أجملَ اللَّوْحـاتِ في عيْني ويا
لحـناً بهيجَ الـوقْعِ حلوَ المطْلَعِ
وكان آخر أبياتها:
ما أجمـلَ الـدنيا ونحنُ بها معاً
ما أروع الأخرى وأنتِ بها معي
وحتى عندما تكون القصيدة تعبيراً وطنيا كانت الشريكة مطلة من بعض أبياتها باعتبارها أرق وأجمل ما في الوطن، با باعتبارها المعنى الحقيقي للوطن كما في قصيدة "المعوذة"، والتي كان من بين أبياتها:
أحبُّ مصرَ، وملءَ العينِ أعشقُها
زهْــراً ونهْراً وللأعداءِ سجِّيلاً
أحبُّهـــا لقمةً للأهلِ جامعةً
وحقلَ قمْــحٍ يُكيَّلُ منهُ تكييلا
أُحبُّها نسْـمةَ في الصبحِ مُنعشةً
وفي المسَــاءِ إذا يغْشى مواويلا
أحبُّها في صـلاةِ الفجْـرِ ساجدةً
أُحبُّـها في صــلاةِ العيدِ تهْليلا
…
أُحبُّها ضحْــكةً منْ قلْبِ ظالمتي
حفيـدتي ركبتْ ظـهريْ أنا فيلا
أحبها خصْــلةً منْ شعْرِ صاحبتي
أمِّ الوليـــدِ وفسـتاناً ومنديلا
وهكذا كان وجود الشريكة الفاضلة منبثا في كل خلجة، حاضراً في أكثر المواقف، كما كان هناك حضور لمن حولي من الأصدقاء، ومن الأهل والولد.
فهذه قصيدة للوالد الراحل "يا زارع الآه"، وأخرى للأم العابدة "أمي"، وغيرها لابنتي، وخامسة وسادسة وسابعة لصديق وصديق وصديق. قهل كنتُ بدعاً في ذلك؟ وهل الشاعر غير وحدة إنسانية في المجتمع ينفعل ويفعل، يحس ويعبِّر، رغم أن الغزل بالزوجة ليس موجة سائدة لا قديماً ولا حديثاً، رغم ذلك، ورغم أن نسبة القصائد الخاصة بالزوجة والأسرة تقترب من 25%، رغم ذلك فلست بدعاً في هذا لأنني عبرت عن إحساس أحسسته وأحداث عشتها بالعمق والعرض مشاركة مع الطرف الجميل، بل لست أعتبر وجود الزوجة في قصائدي وجوداً طاغياً، وإنما أعتبره تعبيراً حييا وضئيلاً عما هو موجود في داخلي من إحساس موّار أسمح لبعضه بالظهور، وأحجب أكثره خجلاً، فلست غير رجل شرقي عربي مسلم، يستحي ممّا يستحي منه الناس، غير أن الشذى قد يفوح رغم أنف الزهرة، والجمال قد يبدو رغم الحجاب، ونور القمر قد يبدو رغم كثافة السحاب.
وإذا كان الحديث عن الزوجة في شعرنا العربي قديماً وحديثاً قد اقتصر على رثاء الشعراء لزوجاتهم حيث رفع بعضهم عقيرته باكياً، شاكياً صدمة الفراق، عاجزاً عن منع نفسه من الحديث عن شريكته في هذا الموقف الطّاغي الغلاّب، حيث يقل الحرج وتغلب الدموع، فإني أدعو الله الرحمن أن يُجنِّبني هذا الموقف لأُعْرَف في تاريخ الشعر العربي بأنِّي من روّاد الغزل بالزوجة في حدود الحشمة والحلال، ولستُ ممّن شاركوا في موكب رثائها، ولا بكلمة واحدة.
*تأخرت كثيراً حتى نشرت ديوان شعرك الأول، فكيف قابلته الحياة الأدبية؟
-يضمُّ ديواني الأول قصائد كُتبت في سنة 1953م ـ أي قبل المرحلة الجامعية ـ وقصائد كُتبت في أوائل التسعينيّات، ومعنى هذا أن هذا الديوان كان تعبيراً عن فترة طويلة تقترب من أربعين عاماً، كما أنه لا يضم عدداً كبيراً من القصائد، فهي لا تتجاوز ستا وستين قصيدة ومنظومة، ويقع الديوان في حوالي مائة وستين صفحة، قدّم له الصديق الباحث الشاعر الدكتور حسين علي محمد، بدراسة سريعة بعنوان "من هموم الذات إلى هموم الوطن".
ومعنى هذا أني لستُ شاعراً محترفاً متفرغاً للشعر، وإنما أنا رجل هاوٍ يلجأ إلى الشعر مدفوعاً بدافع لا يُقاوم، كلما جدّ حدث عام أو خاص ليفرغ مشاعره على الورق، وليشعر براحة عظيمة عندما يفرغ منها، وأكثر من ذلك فقد كنت أكتفي بسعادة قراءة قصيدتي على بعض أصدقائي الذين يُقدِّرون الشعر ويتذوّقونه، دون أن أُراسل منابر النشر الأدبي من صحف ومجلات درءاً لخطر أن تُهمِل المجلة نشر القصيدة، فأحس بآلام نفسية من أجل ذلك، آلام نفسية أقل ما تُوصف به أنها رد فعل لإهانة متعمدة أو غير متعمدة لعمل إبداعي أعتبره قطعة من نفسي التي بين جنبيّ.
لذلك اكتفيت بوجودي في الظل وبين أصدقائي سعيداً بذلك، حتى بدأ احتكاكي بالصّديق الدكتور حسين علي محمد الذي ظل لفترة طويلة، استمرّت حتى الآن يدفع بي دفعاً إلى النشر، ويُلحُّ في ذلك إلحاحاً حتى بدأت نشر شعري على استحياء، وكان جمع الجانب الأول منه في ديوان صدر سنة 1993م حدثاً سارا له ولي، ثم كان الديوان الثاني سمة 1999م شاهداً له ـ أي لهذا الصديق النادر بالمثابرة على الدفع والتحريض والوفاء لصديق، أعتبره أنا تلميذاً له، ويعتبره هو بكل تواضع الكبار أستاذاً، فهل هناك نعمة في الحياة أجمل من ذلك؟
أما كيف قابلت الحياة الأدبية ديواني الأول، فقد كانت فرحة عند أصدقائي، وبعض الأخبار في هذه الجريدة أو تلك، وكتب عنه بعمق ودفء الدكتور عبده زايد في "المسائية" السعودية، وأذيعت سهرة عنه في "البرنامج الثاني الثقافي" بإذاعة جمهورية مصر العربية، حضرها الدكتور الشاعر الباحث صابر عبد الدايم، والدكتور القاص الأديب أحمد زلط، وصديقي النادر الدكتور حسين علي محمد، وكفى الله المؤمنين القتال، فلا اهتم به النقاد، ولا تناوله أحد بتحليل خلاف ما سبق، وهكذا كان الديوان الثاني، وهكذا سيكون الديوان الثالث (الذي سيكون بعنوان "ابتسامات باكية") والذي يضم عدداً كبيراً من الرباعيّات التي جمعت فيها خبرة السنين في شكل قصصي وكاريكاتيري، قد تُثير الواحدة منها على الشفاه بسمة، محركة في الوقت نفسه في الأعماق لسعة حسرة.
ورغم هذا التجاهل المُطبِق فعزائي أني أثق في قيمة ما أكتب، وأنا سعيد بهذا الشكل من أشكال التعبير الأدبي الذي حباني به الله القادر، فشدوت معبراً عن عمق إحساسي بالمسجد وبالبيت وبالوطن.
*ما الذي يشغلك الآن؟
-لديّ مشروع نشر ديواني الثالث "ابتسامات باكية"، ومجموعة قصصية، وأرجو أن أتمكّن من ذلك، إن لم يكن على نفقة وزارة الثقافة فعلى نفقتي الخاصة قبل الرحيل عن هذا العالم.
قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .
المرأة بتكوينها البدني والنفسي من أعظم مظاهر قدرة الخالق العظيم سبحانه، فهي حاضنة الحياة بين أحشائها وعلى صدرها، وراعيتها بالتربية في مراحلها الأولى على الأرض.
وعندما عبَّر القرآن الكريم عن آية الله العظيم في خلقه للمرأة، لم يكن بالصدفة قوله "من أنفسكم" فالنساء فعلاً شقائق الرجال، لا تكامل للرجل نفسياً إلا بشقيه معا، ولا سكن له ولا لأولاده إلا إليها. الزوجة الحانية، نبع الحنان، وحضن الأسرة كلها.
فتكوينها البدني يساعدها على استقبال بذرة الحياة البشرية، بما وهبها الخالق سبحانه من قوام لدن ومظهر جذاب للشق الآخر، وأجهزة داخلية مناسبة لاستقبال بذرة الحياة، واحتضانها حتى تنمو شيئاً فشيئاً داخل أحشائها، مع نظام دقيق لتغذية الجنين مع دمها مباشرة إلى شرايينه، بحيث يدق القلب الصغير ليوزع الدم على الجسد الصغير دون حاجة إلى طعام أو شراب، ويأخذ الجسد الصغير حاجته من الأوكسجين دون حاجة إلى تنفس أو إخراج، فتبارك الله أحسن الخالقين.
فهل هناك كائن أكثر جدارة بالحب والتقدير والبرّ والعطف الدائم من المرأة الأم والمرأة الزوجة والمرأة الابنة التي هي مشروع لزوجة قادمة وأم حانية؟
هل رأيت أخي القارئ مرة طفلة تلعب مع أخيها الأصغر؟ إن لم تكن مررت بهذه التجربة فحاول أن تراها، فهي خبرة تستحق أن تُرى.
سترى مشاغبة الولد الصغير ورغبته في التملك، وربما قسوته الصغيرة أو خشونته الفطرية، سترى ذلك وقد قابلته أخته التي تكبره بعامين أو ثلاثة أعوام بابتسامة ومحاولة لاحتوائه بالترضية والتسامح والإيثار والتنازل له عن اللعبة أو عن اللقمة، منظر جميل لأم صغيرة جداً تتدرب على دورها كأم منذ نعومة أظفارها، أو قل تمارس دورها كأم بالفطرة العجيبة التي خلقها الله عليها، تبارك الله أحسن الخالقين.
لقد رأيت كثيراً هذا المنظر، بل رأيت إحدى حفيداتي والتي في السادسة من عمرها تلعب مع أخيها الأصغر منها بعامين وابن خالها حفيدي الآخر لعبة تكوين الأسرة، فهي تلعب دور الأم للولدين، تقدم لهما الطعام الوهمي في علب صغيرة تعطي كل واحد حقه في طبق صغير من أغطية زجاجات المشروب، وتربت على كتف كل منهما طالبة منه أن يأكل حتى يكبر ويصير رجلاً، وتحدث المشاكسات بين الطفلين فتحل مشكلتهما بالعطف.. وهكذا، فما أعظم هذا المخلوق الجميل المسمى بالمرأة!! وما أحكم الخالق الذي أبدعها من أجل استمرار الحياة وتجميل الحياة وإسعادها!!
جئت لأعترف!
هذه فكرتي عن المرأة بشكل عام، سطرتها هنا لأعترف بأني صنيعتها بقدرة الله الخالق، وليس لأنَّ لها في حياتي أثراً، بل لأنها هي التي جعلت حياتي كلها أثراً من آثارها وبصمة من وجودها، بدنياً ونفسياً، أيضاً باعتبارها أماً وزوجة وابنة.
فدورها أما أكبر من أن أحصي آثاره في حياتي، لكنها محاولة لاسترجاع الماضي بما له وما عليه، في ظل هذه الدوحة المسماة بالأم، رحمها الله.
من الناحية البدنية فلي منها شكل رغم رجولتي وأنوثتها، فسبحان الله الخالق المبدع، ولكي أقرِّب هذا المعني أقول إنَّ فيَّ من ملامح خالي، ألم يفطن العرب الأوائل لهذه الحقيقة العلمية حين قالوا "الولد لخاله"، هذه الحقيقة التي تقول بوجود صلة وراثية بين الولد وأمه، أي بينه وبين خاله، وبين البنت وأبيها، أي عمتها! ذلك في الغالب الأعم من التأثيرات الوراثية، لكن هذا لا يمنع أن تكون الغلبة للصفات الوراثية لأحد الزوجين دون الآخر، فيغلب شكله على ذريته من بنين وبنات.
على كل حال، فقد شاء الله الخالق أن يكون شكلي مقبولاً، وجها متوسطاً طولاً ووزناً وعقلاً، وهي نعمة أشكره سبحانه عليها، فهو خالق الأسباب ومنظم الملك الذي شاء أن أرث صفاتي الجسدية من شجرة هذه الأم الطيبة، وأخلاقي من شجرة الأب الطيب رحمه الله، إلى جانب الأم المدرِّسة الأولى التي نحن بصدد الحديث عن آثارها في نفسي وفي حياتي بحكم طبيعة الموضوع..
كانت أمي ـ رحمها الله ـ تجيد قراءة القرآن الكريم، وتحفظ جانباً منه، أتقنت ترتيله في (كتَّاب القرية) في وقت كانت الأمية فيه تزيد على تسعين بالمئة في ذلك المجتمع، في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين إلى منتصفه، وكانت لحظات سعيدة تلك التي أجلس إلى الوالدين بعد صلاة الصبح وهما يقرآن معاً سورة الواقعة وسورة يس أو سورة تبارك، أستمع إلى ذلك الإيقاع الصوتي القرآني المؤمن، وأسعد بالانسجام بين الصوتين المستغرقين في القراءة، حيث يتمايل جسم الوالد الجالس على السجادة يميناً وشمالاً.
وكانت لحظات سعيدة تلك التي أراقبهما فيها بعد صلاة الضحى وهما يقرآن بعض الأوراد، حيث أصبحت أحفظ بعض الجمل وأرددها معهما، وكنت لم أزل في السادسة أو بعدها بقليل.
وكانت لحظات سعيدة تلك التي أشاهد وأستمع فيها للأم الطيبة وهي تدلل أحد أطفالها، منشدة بعض الكلمات المنظومة من تأليفها هي باللهجة العامية.
وربما كانت هذه اللحظات بذرة حب الكلمة المنظومة والتي نمت في نفسي بعد ذلك لأكون عاشقاً للشعر العربي ومنشئاً له عندما بدأت الفطرة تنضج في مرحلة الشباب.
تعلَّمت منها ـ رحمها الله ـ الحذر الشديد من أكل (الحرام) بطريقة عملية لا تلقينية، وأذكر في هذا المجال قصة طريفة حدثت لي معها، وكنت في السادسة أو بعدها بسنة، وقد تركت في نفسي أثراً سلوكياً لا يُنسى، ذلك أنني كنت أتجول في الحقل، فرأيت في الحقل المجاور لحقلنا زراعة للقرع (الكوسة) على بعض خطوط القطن، والثمر جاهز للجني، فاندفعت وقطفت بعض ثمار القرع التي ملأت بها حجري، وعدت به مسرعاً إلى دارنا القريبة من الحقل، متخيلاً فرحة أمي بهذه الصيدة الجميلة الطازجة التي ستعدها طعاماً للعشاء، وقدَّمت لها الثمار سعيداً وبريئاً براءة الطفولة.
وسألتني ـ رحمها الله ـ : "من أين جئت بهذا القرع يا حبيبي؟ إنَّ قرعنا لم يثمر بعد"؟ قلت: من غيط عمي فلان، وكان فلان هذا جارنا في البيت والغيط، فشهقت استنكاراً، ونادت على والدي الذي كان قريباً منا وقصَّت له حكايتي مستنكرة.
وإذا بالوالد يأمرني بحمل الثمار في حجري مرة أخرى ففعلت، ويأمرني بالذهاب إلى زوجة صاحب الحفل لأخبرها بأنني سرقت خضارهم، وأنَّ والدي حكم عليَّ أن أعيد لها هذا الخضار المسروق!
وهنا أفقت حزيناً على عظم الذنب الذي ارتكبته لأول مرة، ورجوت والدي حزيناً أن يرسل أحداً غيري لأداء هذه المهمة، لكنه أصرَّ أن أقوم بالمهمة بنفسي، وأن أنطق كلمة "سرقت" هذه لجارتنا، وإلا فسيكون عقابي شديداً، وبكيت بإخلاص فلم يرحم بكائي، وأصرَّ على موقفه، وبعد أن طال البكاء عدة دقائق لم أجد بداً من أن أبتعد عنه قليلاً بحملي المسروق، وفي ثانية واحدة ألقيته على الأرض، وطرت جارياً إلى الخلاء البعيد، ولم أعد إلى البيت إلا في ساعة متأخرة من الليل، واكتفى والدي بهذا العقاب النفسي دون أن يخبرني. ومن يومها إلى الآن لم أسرق شيئاً، ولا أظنني سأفعلها فيما بقي من العمر.
أمي والقرآن
كانت الوالدة ـ رحمها الله ـ من النساء النادرات في القرية، اللائي يقرأن القرآن الكريم، وكانت ـ رحمها الله ـ من القانتات العابدات الباكيات ليلاً أثناء التهجد الذي يستمر ساعات طويلة في بعض الليالي، وأذكر أني حضرت إلى القرية يوماً، وكنت وقتها مقيماً بالقاهرة أثناء دراستي الجامعية في كلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة العربية، وأدبها، ورحب الوالدان بمقدمي وصمما على أن أبيت معهما تلك الليلة في حجرة نومهما، ولم يقبلا لي عذراً.
ونمت على فراش جانبي في نفس الحجرة، وأثناء تقلبي في فراشي تيقظت فرأيتها ـ رحمها الله ـ ساجدة تصلي، وازدادت يقظتي وطال سجودها وتسبيحها ساجدة، واختلط صوت التسبيح بما يشبه البكاء، وبقيت متيقظاً فترة طويلة حتى غلبني النوم، ثم استيقظت مرة أخرى بعد مدة لا أستطيع تحديدها، فإذا بها لم تزل ساجدة، وراقبتها حتى غلبني النوم، واستيقظت في الصباح على صوت الوالد يصلي بها الصبح في جماعة، وبعد أن فرغت أنا من صلاتي الفردية سألتها عمَّا رأيته منها ليلة البارحة، فأخبرتني أنَّ لها كل ليلة ركعتين تقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة تبارك، وفي الأخرى الواقعة، وتسبح في كل ركوع أو سجود مئات المرات.
وكان لهذا المشهد أثره في محاولتي الانتظام في الصلاة، أعاننا الله عليها وتقبَّلها، ونفعنا بتقوى الوالدة العابدة والوالد التقي.
كانت الوالدة ـ رحمها الله ـ شديدة الحدب والحب لأبنائها، شديدة الخوف عليهم، تتمتَّع بشفافية عجيبة وحدس خارق للمألوف.
أذكر في هذا المجال حادثة لم أزل أذكرها؛ لأني شاهدتها بنفسي في مرحلة الطفولة المبكرة، التي لا تمحى حوادثها من الذاكرة رغم مرور السنين، فقد انتهينا نحن الوالدين والأولاد وزوجة الأخ الغائب من طعام العشاء، في مكان فسيح يقع أمام حجرات الدور الثاني من منزلنا الفلاحي، وقامت لتصلي خلف الوالد صلاة العشاء بنفس المكان، وفي الركعة الأخيرة فوجئنا بها تصيح قائلة: "الطف يا لطيف" مرتين، وبعد التسليم عاتبها الوالد بقوله: "سلامة عقلك، ماذا جرى لك"؟ فقالت بتأثر: "أحسست أنَّ مكروهاً حدث لواحد من أولادي في هذه اللحظة".
وبعد خمس دقائق سمعنا طرقاً على الباب الرئيسي للمنزل في الدور الأول، وإذا بها تقول لزوجة ابنها الغائب بالقاهرة حيث كان يؤدي الخدمة العسكرية، ولا يحضر إلى القرية إلا كل عدة أيام ليقضي يوماً مع أسرته وعروسه: "انزلي يا فلانة، افتحي الباب لزوجك".
وطارت الزوجة العروس لفتح الباب، وإذا بالابن الغائب هو القادم فعلاً، وبعد السلام سألته الوالدة: ماذا حدث لك يا حسن في الطريق؟ فأخبرنا بأنه تعثرت قدمه في مدخل البلد بحديدة مدقوقة في الأرض من تلك الحدائد التي تفرق بين حدود الحقول، ولولا رحمة الله ولطفه لمزقت الحديدة بطنه، حيث سقط إلى جوارها على الأرض بعد أن تمزق حذاؤه من الأمام.
وكانت المسافة بين هذه النقطة على الطريق وبين البيت هي خمس الدقائق التي مرت منذ صياح الأم في الصلاة إلى وصول ابنها من السفر. وأتساءل في ثقة: أليست هذه السيدة بخلقها وحسن عبادتها لله وحبها لأسرتها وشفافيتها، أليست جديرة بأن تزرع في عقلي ووجداني احترام المرأة بشكل عام، ألا يعطي هذا النموذج النسائي صورة مقدرة للمرأة في بلادي؟ ألا تستحق هذه الأم أن أهديها قصيدة حب في مطلع شبابي أبدؤها بقولي:
بالــروح بأيام العمر بشبابي بغرامي العذري
أحميك وأفديك وأرجو لك يا أمي طول العمر
الخاتمة الحسنة
لقد أدت هذه الأم رسالتها على أحسن وجه، ورعاية للزوج وطاعة له، وأداءً لحق الله في العبادة والبر بخلقه وتربية لأولادها، وبذلك استحقت هذه الخاتمة السعيدة لحياتها التي عمّقت بها إيماني بالله العظيم وبالجزاء الجزيل للطائعين السائرين على منهج الله في العبادة والمعاملات والعمل المتقن.
هذه الخاتمة التي لن أنساها ما دمت حياً، والتي أحرص على ذكرها لأولادي وأحفادي للعبرة والعظة، وذلك أنه حينما حضرتها الوفاة، وكنت معلماً بمعهد المعلمين بمدينة "فاقوس" محافظة الشرقية، وكنت حضرت لرؤيتها بقريتي، وكانت على سرير المرض، وحولها أولادها الأكبر مني والأصغر، وكنت أطعمها شيئاً من فاكهة الكمثرى، وبعد أن تناولت شيئاً من إحدى الثمار حمدت الله واكتفت، ثم قامت فتوضأت وصلَّت جالسة صلاة العصر على ما أذكر، ثم اضطجعت وشهقت مرتين كمن هو على وشك إسلام الروح، فصرخت ابنتها الكبرى وأسرع الأخ الأكبر فجلس خلفها وأسندها على صدره، فأفاقت لحظات بينما عيناها مغمضتان، وإذا بها تنادي بصوت سعيد ومسموع من جميع الحاضرين قائلة: "يا مرحباً يا مرحبا.. عقبى لكم يا أولادي" وفاضت روحها الطاهرة في الحال، وفي ثانية واحدة.
وعرفت بعد ذلك تفسير ما حدث، عندما سمعت أحد خطباء الجمعة يفسر معنى قول الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}.
ومفاد ذلك أنَّ الملائكة تتنزَّل ساعة خروج الروح على من ذكرتهم الآيات السابقة من المتقين لتريهم مكانتهم بالجنة، فما أشدّ اعتزازي بهذه الأم التي أوصى بها الله وجعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الجنَّة تحت قدميها!
كانت هذه هي الآثار التي تركتها المرأة أمَّا في حياتي، والتي امتدت منذ البدايات إلى النهايات، تعمل عملها البدني والنفسي في حياتي، وأعتبرها آثاراً إيجابية، ونعمة من الله سبحانه شاء أن يسبغها عليَّ طفلاً وشاباً وشيخاً أحمده عليها.
***
المرأة الأخرى في حياتي، لها صفحة أخرى وهامش آخر.. وكان من الممكن أن أتغاضى عن الهامش، لكن سببين يجعلاني لا أفعل، أولهما الصدق مع النفس، وثانيهما أنَّ هذا الهامش ذكرى طفولة وشباب، والطفولة والشباب مرحلتان عزيزتان على من يطرق أبواب العام السبعين من العمر، حتى ولو كانت هذه الذكريات غير سارة!
لقد بدأ الإحساس العاطفي بالأنثى ربما وبشكل غير محدد في المرحلة الابتدائية ـ وقتها ـ أي في سن الحادية عشرة تقريباً، وعلى قدر ما كان شعوراً عميقاً فقد كان غامضاً، فهو مجرَّد توق غير محدد الأهداف، وكأنَّه تفاعل كيميائي بين عناصر من الطبيعة، فلم يكن الشوق إلى تكوين أسرة طبع هذه العلاقة الأولى، وإنما كان مجرَّد إعجاب بوجه جميل به عينان واسعتان، ومن الغريب أنَّ هذا الإحساس العاطفي في هذه التجربة الأولى، وكذلك في التجربة الثانية بعد ذلك في المرحلة الجامعية، ليس من الصحيح أن يسمى علاقة؛ لأنَّها كانت من طرف واحد فقط، هو ذلك الطفل الذي صار شاباً حيياً، فقد كانت التربية الريفية المتدينة سبباً في تشكيلي على نحو منطو بالنسبة للأنثى فقط، فلم أجرؤ على مفاتحة الطرف الآخر بمشاعري في المرة الأولى في مرحلة الطفولة، ولا في الثانية في بداية المرحلة الجامعية، كما أني اكتشفت أنَّ الطرف الآخر مرتبطة بأحد أقربائها في الجامعة أيضاً، والذي فاتحني سائلاً عن سر اهتمامي بصاحبته نظراً بالعين فقط، والتي لم أفاتحها في الأمر، لكن نتج عن هذه التجربة الأخيرة بعض النفثات الشعرية، وكأنَّها كانت مجرَّد وسيلة اخترعها العقل الباطن لتكون سبباً دافعاً لكتابة بعض القصائد الرومانسية والتي سجلتها في ديواني الأول "لن يجف البحر" مثل قصيدة "لستِ لي" التي جاء في مطلعها قولي:
لا لستِ لي لا لستِ لي يا زهرة القرنفل
يا ومضَـــة في أعيني وعبر دربي المقفل
وقصيدة "زورق الأمل" التي جاء في مطلعها قولي:
رحماك بالطائر الظمآن في صدري يا رب رحماك بي رحماك بالشعر
بكل قلْـــبٍ حزينٍ شفّهُ ألمٌ بالليل بالصمت بالأحلام بالبدر
وقصيدة "القلب المذاب" التي جاء في مطلعها:
ذوّب القلب في دموع الحنين واهجر الناي واستمع للأنين
في السكون العميق والليل يحنو في هدوءٍ على الفؤاد الحزين
لقد كانت التجربة العاطفية في الجامعة أكثر تحديداً من التجربة الطفولية الأولى، فقد كانت هناك أمنيات وأحلام أُجهضت عندما اكتشفت أنَّ المحبوبة على صلة خطبة بقريبها، فانسحبت، لكنها كانت فترة حزينة، وحباً من طرف واحد استمر فترة قصيرة حتى تقابلت مع التجربة الأخيرة الدائمة الناجحة، فولدت قصائد جديدة كلها تعبير عن السعادة الهناء.
وفي هذا المجال أزعم أنَّ نسيان الحب الأول شيء وارد ومؤكد، معترضاً على المثل البراق الذي صاغه صاحبه شعراً فقال:
نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
لأنَّ هذا الزعم يتنافى مع الواقع، ومع حكمة الخالق جلَّ شأنه الذي خلق الحياة وهيأ النفوس لممارستها واستمرارها إلى ما شاء سبحانه.
ولو أنَّ حياة الأفراد ارتبطت بالتجربة العاطفية الأولى الفاشلة بسبب انقطاع الصلة بالهجر أو الموت لأحد الطرفين، ما انتظمت الحياة على الأرض بالنسبة للبشر.
وإذا كان الإنسان قادراً على تجاوز التجارب العاطفية الفاشلة، وما تضمنته من مشاعر السعادة أو الشقاء، فإنَّ تجربتي هذه كانت في نسيانها أسهل؛ لأني ذقت مرارتها ولم أذق حلاوتها، فقد كانت العلاقة أحادية من ناحيتي فقط.
صحيح أنني لم أنس التجربتين المبتورتين السابقتين نسياناً كاملاً، بدليل أني أكتب عنهما الآن بعد عشرات السنين، وإنما بقيتا في الذاكرة نقطتين غير مشعتين فاقدتي التأثير وجدانياً، وما بقي منها مجرَّد خبرة حياتية انضمت إلى ملايين الخبرات التي يحتفظ بها الوعي واللاوعي ليستفيد منها الإنسان عند دراسة المواقف واتخاذ القرارات.
أقول: إنَّ هاتين النقطتين فقدتا التأثير وجدانياً، بمعنى أنه لا يصحب تذكرهما أي نوع من أنواع الألم أو الحسرة أو المعاناة التي كان يشعر بها الإنسان وقت ممارسة التجربة، إنهما نقطتان باردتان برودة الموت، فسبحان الخالق العظيم الذي أراد للإنسان أن تستمر حياته إلى أجل يعرفه سبحانه، فجعله كائناً قابلاً للتأقلم بحسب ظروف حياته، وهو في كل حالاته يبحث عن السعادة والسلوى حتى لو فقد كل شيء عدا نبض القلب فإنه يرغب ويقدر على ممارسة الحياة بشكل آخر.
هذا بالنسبة لكل الناس، أمَّا بالنسبة لي فلم تكن هناك صعوبة تذكر في نسيان هاتين التجربتين اللتين لم أذق حلاوتهما قط حتى تبقى هذه الحلاوة في نفسي فترة ما، اللهم إلا حلاوة الوهم!
وعندما صادفت المرأة المثال، التقية النقية المسؤولة المثقفة، كان للسعادة طعم أشهى، وللحياة مذاق حقيقي، وللشعر آفاق أدفأ وأرق، وذلك واضح في قصائدي في هذا المجال في ديواني الأول "لن يجف البحر" والثاني "ألوان من الحب" مثل قصيدة "تعاليْ" والتي كان مطلعها:
أتْــرعي كأسي بالحب وهاتي إنني حطمت كأس الذكريات
وتعاليْ نزرع الزهر على الدرب فإنَّ الشوك أدمى خطــواتي
وتعالي أقرأ الأحلام في عينيْـك أحلامــي، وأدري سر ذاتي
وكنت وقت كتابة هذه القصيدة بعيداً عن هذه النقية التقية/ الخطيبة، في بلاد النوبة القديمة، حيث أعمل مدرساً في أول حياتي العملية.
وبدأت مرحلة جديدة بعد جمع الشتيتين، مرحلة من السعادة التي لم يرق خيالي إليها من قبل، لدرجة أنني لم أكن أصدق أنني أحيا كل هذه الهناءة مع الرفيقة الطيبة، وكانت قصيدتي التي عنوانها "لا أصدق" تعبيراً عن هذا النصيب السعيد الذي كان الله قد ادخره لي إلى وقته:
أترى أعيش حقيقة أم تلك أوهام الخيال
أنا لا أصدق أن لي يا أعيني هذا الجمال
هذي المحبة والحنان هذا الأمان من الزمان
أنا لا أصدق
وتمر السنون سريعة، ونحن ننهل من مواردها الصافية كؤوس السعادة الحلال، ونفسر ـ هي وأنا ـ معنى قول الله الحكيم العليم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فسَّرنا الآية الكريمة بطريقة عملية حياتية يعطي كل طرف ما عنده للآخر سعيداً بلذة العطاء.
أجمل الأوقات ما أقضيها في بيتي مع الشريكة والأولاد، وقد ضننت بها أن تقبل وظيفة خارج البيت، وكانت مؤهلة ومرشحة لذلك، واكتفينا برزقنا الحلال الذي أحصل عليه من عملي، والذي باركه الله، فكان كافياً لحاجاتنا، فإذا خرجت صباحاً إلى عملي كانت الجملة الأخيرة بيننا قولها "لا إله إلا الله"، وردي "محمد رسول الله" ثمَّ وصيتها لي بألا أتأخر، تلك الوصية التي صارت عنواناً لقصيدة قلت في مطلعها:
في كل صباح ترجوني "لا تتأخر"
يا ساحرتي
هل يملك موج في بحر يزخر أن يتأخر
أو يتوانى يوماً عن حضن الشطآن؟
أو يملك جفن أن يتأخر في الإطباق من العينين على الإنسان؟
أو تملك هذي الكرة الأرضية
أن تتأخَّر في الدوران؟
أو يملك نسرٌ أن يمتنع عن الطيران؟
يا شاطئ موجي
يا إنسان العين
ويا سر الجذب لأرضي
يا نبض القلب العاشق
لن أتأخر
ونتعرض في حياتنا لبعض المشكلات كما يتعرَّض الناس جميعاً، فينتاب الرفيقة مرض طارئ لكنه شديد، وأشعر بالخطر الداهم الذي يهدد أغلى وأعزّ ما في حياتي، وتنتهي الأزمة بلطف الله بعد أن يملي القلب على قلمي قصيدة بعنوان "لا تذبلي"، كانت من بين كلماتها قولي:
بدونك لا الشمس دفء
ولا الظل فيء
ولا باقة الورد تغمرني بالعبير
ولا بسمة البدر في الليل تهنئة باقتراب الأمل
ولا همسة الماء أغنية الخصب في الحقل
تسري بغصن الزهور
فلا تذبلي
أنتِ شمسي ودفئي
وزهري وفيئي
وأحلام عمري
وقيثار شعري
وفي الليل نجمي
وبدرُ البدور
وقصيدة أخرى بعنوان (لا تسرعي) حيث كنت أخاف أن تسبقني إلى نهاية درب الحياة، جاء فيها:
لا تسرعي قبلي الخطا نحو الجنان
فلن تطيب قطوفها إلا معي
يا جنَّة الدنيا وأنسي في الروح الأخرى
وعيني فيهما ومسامعي
ما زال في قلبي غصونٌ حولها
يا بلبلي رفرف وغرد واسجع
ما زال في قلبي لكي أحتضن
الكون وإياك ألوف الأذرع
وقد تحدث جفوة مؤقتة كما يحدث بين الناس جميعاً، ويكون العتاب حاراً، وبعد ساعات قليلة يتدفق نهر الحنان والهناءة كما هو واضح من أبيات القصيدة التي بدأت بالتساؤل العاتب:
ما بيننا بالأمس هل كان الجسد؟ أم كان بركاناً طَـغى ثمَّ خمدْ؟
ألقَـى شواظ الرغبة الهوجاء في مخْـدعنا عمْـراً مديداً وهمدْ؟
وا حسرتا فلم يعد نهْـر الحنانِ دافِـــقاً في جنتـينا لم يعد
ولم نعد نخطُــــر في شطآنهِ وفَـوق مائِـه اللعوب نبترد
ولم تلبث اللهجة أن تلين وترق ويعود الصفاء، فأقول في نفس القصيدة:
حبيبـــــتي ولم أزل أقولها ففي لظَــاها شبَّ قلبي واتَّقد
حبيبتي وعندمَـــــا أقولها في عـرض نهر حبنا ينْـهار سدْ
وتجرف الأمواه في طريقِــها كل الذي بالأمس قد كان ركدْ
إلى آخر بيت بالقصيدة:
فلم يكن ما بيننا أمْــس ولا اليوم ولا غداً تراباً أو جسد
وإذا كان "حافظ إبراهيم" شاعر النيل يقول في إحدى قصائده:
الناس هذا حظه مَــال وذا علـمٌ وذاك مكارم الأخلاق
فإذا رزقت خليقة محمــودة فقد اصطفاك مقسم الأرزاق
فأنا أعتبر أنَّ الرزاق الحكيم قد أجزل لي عطاءه حين وهبني هذه الحياة الهانئة المستقرة بفضل هذه الشريكة التي ينقسم وقتها بين رعاية زوجها وأسرتها وقراءة القرآن ليلاً ونهاراً وأداء العبادات وصلة أرحام زوجها قبل أرحامها هي.
وبعد:
إذا كنت من الشعراء القلائل الذين أشادوا وأثنوا على زوجاتهم بشجاعة لم يعرفها القدماء من الشعراء الذين كانوا يتحرجون من ذلك بحكم التقاليد والعصر، واكتفوا فيما يتعلق بزوجاتهم بالرثاء لهن عند الموت، فإني أدعو الله ألا يكون لي في رثاء شريكتي وأمي بعد أمي بيتاً واحداً من رثاء.
"لا تتأخر"
فى كل صباح ترجونى " لا تتأخر "
يا ساحرتى
هل يمللك موجٌ فى بحرٍ يزخرْ
أن يتأخرْ ؟؟
أو يتوانى يوماً عن حضن الشطآنْ ؟؟
أو يملك جفنٌ أن يتأخر فى الإطباق من العينِين
على الإنسانْ
أو تملك هذى الكرةُ الأرضية
أن تتأخر فى الدورانْ ؟؟
أو يملك قلب العاشق
أن يرتاح من الخفقانْ ؟؟
أو يملك نسرٌ أن يمتنع عن الطيرانْ ؟؟
يا شاطئ موجى
يا إنسان العين
ويا سر الجذب لأرضى
يا نبضَ القلب العاشق
لن أتأخرْ
******
إنْ كنتِ تأخرتِ كثيراً عنى
قبل اللقيا الأولى
وأنا
كربيعٍ لم تبسم فيه الأزهارْ
كهشيمٍ شبّتْ فيه ألسنة النارْ
كمساءٍ طالَ سنيناً يحلمُ بنهارْ
كالنهر إذا ركد الريحُ
ولم يمرح فيه التيارْ
وأتيتِ
فكنتِ ربيعى
زهرى
صبْحى
نهرى المرحَ الدافقَ ...
عمرى ...
نغمى ... عودى
والأوتارْ
ولذا لن أتاخرْ
****
المستقبل يزخرْ
بصنوفٍ من عسل النحل
وأوقاتٍ كالزهر
وكالخمر الطاهر شهدِ سكرْ
سنحلق فى أجواء السحر معا
سنحقق آمالا مازالت فى قلبينا تكبر
وسنبنى عشاً فى أغصان الدوحة
نمرح فيه أصيلاً
وأطير قريباً منه ... بعيداً عنه
ولكنى عند العودة لن أتأخرْ
*****
حتى إن حان الحينُ
وآن البيْنُ
وحُملتْ هذى الروح الوالهة إلى وادٍ أخضرْ
وردتْ فيه أنهاراً من عسلٍ
صفّتْه يد القدرةْ
ورأت أنهاراً من لبنٍ لم يتغيرْ طعمه
ورأت أنهاراً جاريةً من خمرٍ طاهرةٍ اللذةْ
ورأت شطآناً تتزين بالزهر
ومن كل الألوانْ
ورأت ما لا رأتْ الأعين
وشدا فى موكبها طيرٌ أنغاماً
لم تسمعْ من قبل
ولا خطرت فى قلب بشرْ
ورأت أفقاً يرتسم أمام العين
حُسْناً وجمالاً ليس يقاربه منظرْ
والحور العين ( النظرة فى أعينها تُسكرْ )
فستسجدُ روحى من حول العرش
وترجو الله الوهابَ الحنّانَ المنان الأكبرْ
أن يأتيها بكِ
أو يحملها لمقامٍ أعلى
أنتِ به
حتى لا تخلف وعداً
فى الدنيا كانت قطعتْه
بأن لا تتأخرْ
للشاعر / محمد سليم الدسوقى
......................................
ألقاها فى حفل تكريم بدر بدير بمناسبة بلوغه الستين وتقاعده...
سأخاصم القلمَ الذى خطَّ القصيدةَ بالدموع
وودعكْ
وأبث كلَّ دفاتر الميلادِ من قلبى
مداداً دافئاً يرجو الوثيقةَ
علَّها تبقى عليك
ولو نهاراً بيننا
أو بعض يومٍ
نستفىء .... ونستضىءُ
ونستهلُّ لألف ليلٍ مطلعكْ
*****
ستون ...... لا
خمسون ...... لا
لو أننى دكتور حبٍّ
نصف هذا العد أضفيه عليك
ونصفه الثانى
يوشوش من جديد
أمنيات الحب
أبدؤها معكْ
وتعيرنى قطر الندى
قنديل حبٍّ
غارقاً فى النور
عين تميمتى الزرقاء
روح الند و الحناء
تحرس من عيون الناس
تحمى من عيونى طالعكْ
****
بنت الأميرة يا أميرُ
تعوذتْ بالشعر
قالتْ : لن يجفّ البحر
لن تلد المجرة آخر العنقود
لن ......
ومضتْ تربتْ قطها
وترد خصلة شعرها
وتهدهد الليل الذى ضم " العروسة و الجمل "
كبرت عروس الأمس واختلجتْ
تردد يا أميرُ على الزمان روائعكْ
خذنى معكْ
*****
ما أروع البدر الذى بسط الضياء مهفهفاً
حلواً ... شفيفاً للدُنا
يصبو إليك و أروعكْ
خذنى معكْ
****
أنا لا أطيق هناك
أن يثب الصباح إلى سناك
يدف أحضان المحبة .... يرتجيك
يزف حلو الشهد
و العبق الشهى .... ويستدير
فلا يقارب موقعكْ
خذنى معكْ
****
فلمن أصيخ السمع
أهفو للنشيد العذب
تنشده
فينفتح الفؤاد لأسمعكْ
خذنى معكْ
****
سيحوم الورد الذى
نبهته فى مهده
وتدور نرجسةٌ
و تهفو نحلةٌ
عرس الربيع يروقها
و شذا يعانق موضعكْ
خذنى معكْ
****
كنا نصافح بسمةً
تتلوا ترانيم الصباح
فنغتدى
والحبّ ملء الكون
و الدنيا تحاكى حبنا عند الرواح
فقدْ ثملنا كلنا
خذنى معكْ
1/12/1994
***
ما أروعك!
وكانت هذه القصيدة لبدر بدير رداً على تحية الأستاذ الزميل محمد سليم الدسوقي
يا صاحبى ما أروعكْ
لما وقفت إلى الجموع
مغرداً بالحب ألحاناً
رسمتَ بها أزاهير الوفاء
ملكتَ فى قلب الأحبة موضعكْ
لما هتفت لمن يحث خطاه
أنْ خذنى معكْ
لما وقفت على طريق الحب
عوداً من رياحين الرُّبا
ويضوعُ مسكُكَ فى الحضورِ
فقمتُ من فورى
وجهزتُ الفؤادَ لأزرعكْ
لما تمايلتِ الرؤوس مع النشيد
وجنّ كفى
وانتشى الجمع السعيد
ليستعيد اللحنَ و النغم الجديد
فقاطعكْ
ما أروعكْ
****
سبحان من أوحى إلى القلم الحصيف
برقة النغم اللطيف
فرقق الإيقاع ... غنى
ثم رقّص أصبعكْ
أقنعتنى ... أطربتنى
أوقعتنى فى سحر شدوك
بينما قد كنت أحسب أن شدوى أوقعكْ
****
غرد كثيراً أيُّها الشادى
فإنّى أرهف الأذن المتيمةَ
الخبيرةَ باللحون لأسمعكْ
غرد إذا شط المزار
لكى يجمعنى إليك الشدو
بعد شتات نفسى فى الدروب التائهات
ويجمعكْ
****
يا صاحبى
أنا فى طريق الحبّ أسعى
عاشقاً للناس كلّ الناس
أستبقُ الخطى كى أتبعكْ
و الدرب منطفئٌ
وقلبك يرسل الأنوار للسارين
فى عطفٍ ألا ما أنصعكْ
****
أنت اللصيق
بحبة القلب ... الصديق
أنت الرفيق ... على الطريق
منذ انبثاق النور فى فجر الشروق
وتقول لى عند الضحى " خذنى معكْ "
من ذا الذى قد ودعك ؟؟
قد خاب من يوماً بحمقٍ ضيعكْ
يا صاحبى ... ما أروعكْ
النص الكامل لمجموعة «قطعة سكر» لبدر بدير
...............................................
تضم المجموعة تسع قصص قصيرة، هي:
1-ركن في عربة.
2-عقب سيجارة.
3-خروفان.
4-فرصة سعيدة.
5- قطعة سكر.
6- شق في الشباك.
7- حبان.
8-رسالة
9-قلوب بيضاء.
وقد صدرت في سلسلة « أصوات معاصرة » ـ العدد (62) أغسطس 2002م.
.................................................. .
*ركن في عربة*
......................
الساعة الثالثة ظهرا. تحركت العربة بحملها الثقيل ، وأخذت تشق طريقها في شوارع المدينة الصغيرة ، متجهة إلى الطريق الزراعي المرصوف المؤدى إلى مدينة الزقازيق ، وراح الكمساري يسعى بصعوبة بين الواقفين بالطرقة في زحام شديد القلم بيده اليمنى يؤشر به في سرعة وثقه على الأوراق التي يقطعها ويسلمها للركاب بعد أن يقبض منهم الثمن، وهو لا يكاد ينتهي من راكب حتى يبدأ مع راكب آخر ،وهو بين فتره وأخرى يضرب بنهاية القلم سقف العربة أو على اللوح الخشب المثبتة فوقه رزم التذاكر مناديا بصوته المرح ( ورق ..ورق يا أفنديه .. ورق) ويبتسم بعض الرجال الذين انتهوا من إجراءات الدفع ،بينما يهم آخرون بإخراج نقودهم من جيوبهم استعدادا للدفع وتحاشيا لقفشات الكمساري اللاذع اللسان.
_( و الباقي يا أخ ) يعلو بها صوت أحد ثلاثة شبان وقفوا متجاورين بالطرقة بعد أن تسلم تذكرته وقدم للكمساري ورقة مالية من فئة الجنيه.
_ بعدين لما تفرج بالفكة.
_ اكتب الباقي على ظهر التذكرة أحسن أنا عارفك من زمان تحب تنسى.
وتعلو ضحكة الشبان الثلاثة معلنة النصر على الكمساري الذي لا يفلت أحد من قفشاته اللاذعة، ويغيب الكمساري بين الزحام، لكن صوته المرح وصفارته الحادة، ونقرات قلمه الفجائية على سقف العربة أو على لوحته الخشبية لا يغيب وسط الأصوات المختلطة في زحام العربة المسرعة، وهو كلما انتقل من ركن إلى ركن في العربة أحدث ضحكا ومرحا تتجاوب له الأركان الأخرى بابتسامات على الوجوه التي يبدو بعضها راضيا وبعضها ساخرا، وبعضها مشاركا بلا معنى أو هدف إلا ذلك الوجه الذي لا يظهر للناس ما يرتسم عليه من اختلاجات وانفعالات لأن صاحبه قد تهالك في مقعده وثنى ساعديه وثبتهما على مسند المقعد الذي أمامه وانحنى بظهره ملقيا رأسه فوق ساعدي وقد بدا وكأنه يغط في نوم عميق، بحيث لا يرى الآخرون منه إلا حلته العسكرية ، التي تغطى جسده المرهق.
وتوقفت العربة في إحدى المحطات ، ولم ينزل احد، وصعد عدد آخر من الرجال وسيدتان أنيقتان يبدو أنهما عائدتان إلى المدينة بعد انتهاء اليوم الدراسي ، واشتد الزحام ، وانحشرت السيدتان بين الركاب ،ولم تمر فترة طويلة حتى جرفهما التيار إلى وسط العربة حيث يقف الشبان الثلاثة بجوار المقعد الذي يحتله رجلان احدهم شيخ معمم تبدو عليه إمارات التحذلق وخفة الروح معا، والآخر هو ذلك الجندي الذي يلقى رأسه على مسند الكرسي الأمامي بينما يستند بكتفه الأيسر على جانب النافذة الزجاجي المغلق ، دون أن يلقى بالا إلى ما حوله من ضجة متضاربة الأصوات .
وتوقفت العربة مره أخرى ، وانحشر عدد آخر من الركاب، وكان من الضروري لتأمين الركاب من إغلاق باب العربة ، ولكي تتم هذه العملية لابد أن يزداد تداخل الأجسام المرصوصة والتصاقها بحيث تنعدم المسافات بين الواقفين ، ويزداد ضغطهم على الجالسين على الجانب الخارجي من صفى المقاعد يمينا وشمالا.
وتمكن بعضهم من إغلاق الباب ، وتلاشت المسافات وأصبح الشبان الثلاثة في بنطلوناتهم الضيقة وقمصانهم الناعمة ، وشعورهم اللامعة والسيدتان الأنيقتان وبقية الركاب كتلة واحدة متصلة الأجزاء وبدلا من جو المرح الذي كان شائعا في أنحاء العربة ، بدأت العصبية تغلب على تصرفات الركاب فيما عدا ذلك الركن الذي كان أكثر الأركان ازدحاما والتصاقا وتداخلا و الذي يضم السيدتين والشبان الثلاثة والمقعد المشغول براكبين اثنين احدهما الشيخ المعمم والآخر الجندي النائم فقد زادت به نسبة العبارات المرحة والتعليقات المتخففة من القيود إلى حد ما ، وبدا المنظر عناقا غير إرادي وغير منتظم سيدتين وثلاثة شبان ترك كل منهم لنفسه حرية الحركة والسكون حسب قوانين وعلاقات الشد والجذب داخل العربة وكأن لسان حالهم يقول (ما باليد حيله).
ـ رجلك شوية من فضلك .
ـ أروح فين يا عم .
ـ لا مؤاخذه.
ـ يا سلام يا ناس .!!
وهكذا كانت التعليقات والهمسات تعلن عن الجو الذي أصبح يسود العربة المندفعة في طريقها بسرعة لا تلوى على شيء.
يا ساتر يا رب ... مش معقول كده .
ونظر الشيخ إلى مصدر الصوت الناعم فإذا السيدتان وقد دفعتهما عوامل الدفع إلى جواره ، بحيث أصبح كتفه الأيمن منغرسا بشده في الجزء الأسفل من بطن صاحبة الصوت الناعم المحتج .
_لا حول ولا قوة إلا بالله مفيش فايدة... هذا قدري .. تفضلي يا هانم وقام الشيخ مستخدما كل قدرته العضلية ليفسح لنفسه مكانا بين الوقوف وليمكن السيدة المجاورة صاحبة الصوت الناعم المحتج من الجلوس بدلا منه .
ـ هكذا النخوة يا مولانا .
ـ بارك الله فيك يا سيدنا .
وهكذا كانت تعليقات الشبان الثلاثة على الموقف في عبارات يفهم منها الشيخ ثناءً على شهامته بينما يبتسم المعلقون ابتسامات ذات معنى آخر ، استقرت إحدى السيدتين بجوار الجندى الذي لم تبد منه أية حركه متجاوبة مع الموقف الجديد خاصة بعد أن لاذت السيدة الثانية بزميلتها وأصبح ضغطها عليها شديدا وبلا حرج مما جعل السيدة الجالسة تزداد التصاقا بجارها الجندي والذي حرك يده اليمنى دون أن يرفع رأسه ، وجذب ( البريه ) من على رأسه إلى الجانب الأيمن أكثر مما كان بحيث أصبح يغطى الجزء الأيمن كله من الوجه والجبهة ثم عاد الى وضعه القديم ، وأصبح هذا السلوك الصامت أمرا شاذا وسط ضجيج الركاب الأمر الذي لفت إليه أنظار الواقفين من حوله .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. لا فائدة .. حاولت حل المشكلة فتعقدت أكثر من ذي قبل .
قالها الشيخ وهو يحوقل ويستعيذ ويلملم ملابسه ويحاول مستميتا ومخلصا أن يدفع الواقفين خلفه بظهره ليبتعدوا عن جسد السيدة الأخرى و التي وضعها القدر بحكم علاقات الشد والجذب أيضا أمامه .
_ ولا يهمك يا سيدنا .
_ الظروف بتحكم ...تعمل إيه ؟
_ أنت عملت اللي عليك .
وعادت التعليقات والابتسامات ذوات المعاني مره والخالية من كل معنى مره أخرى وفى حركه مسرحيه غير منتظره نظر الشيخ إلى الشبان الثلاثة من حوله وهو يمط شفتيه في اشمئزاز ويشير بإصبعه إلى الجندي النائم تارة والى السيدة الواقفة أمامه تارة أخرى إشاره تعلن عن الاحتجاج والتقزز وتدعو الواقفين الى مشاركته نفس الشعور.
ـ فاكر كل الناس زيك يا سيدنا الشيخ ؟
ـ يا خسارة يا رجالة
ـ (معلهش) أصل الإجازة كانت أربعة وعشرين ساعة فقط .
ـ تلاقيه أخدها كلها خدمه .
ـ يحق له ينام على طول
ـ سهران طول الليل على الجبهة الداخلية.
وهكذا أصبحت الهمسات أكثر صراحة ، وأحس الشيخ انه فجر زوبعة، وان الجندي قد تململ في جلسته ، وحرك يمناه ، واخرج منديله الكاكى من جيبه بصعوبة ، ومسح به فمه وانفه من أسفل دون أن يرفع رأسه ، وأشار الشيخ الى مجموعة المعلقين المتحفزين واضعا سبابته على فمه لعله يقطع هذه السخريات التي قد ينتج عنها احتكاك يزيد نظام العربة سوءا على سوء .
ولكن تحذير الشيخ كان أكثر إغراءا للمجموعة الساخرة فمضى كل منهم يتفنن في ابتكار تعليق جديد ، وتزداد درجة حرارة المرح والسخرية كلما ازداد الزحام وازدادت سرعة العربة ، وأحيانا يقترب الكمساري من الركن الضاحك فيشترك في الحلبة ويدلى بدلوه في النكات .
_آه آه فرمت صابعي يا سي الشيخ .
_لا مؤاخذه يابنى ..هانت دقيقتان وكل واحد يروح لحاله .
وكان لهذه الجملة الأخيرة مفعول السحر في ذلك الركن من العربة المسرعة فانتهت التعليقات ، وهدأت الأصوات ، و تطلعت العيون الى الأرفف التي تكدست عليها الأشياء ، وارتفع صوت :
- الباقي يا كمساري .. ونادى آخر
الموقف الأولاني من فضلك.. وهمس أحدهم لجاره - والنبي تبقى تناولني الشنطه دي من الشباك ، وقال الشيخ لجيرانه حمد الله على السلامة يا جماعة.
_ أهلا هو أنت يا أخي .. مش تبين وشك .. ألف سلامة
قالها الشيخ مرة أخرى للجندي الذي كان قد رفع رأسه لأول مره وراح يلقى على من حوله نظرة سريعة جامدة ليس لها معنى محدد ، واخرج منديله الكاكي ومسح به هذه المرة آثارا جفت على وجهه لدمعتين يبدو انه ذرفهما منذ فتره دون أن يحس به احد .
ـ أهلا يا شيخ سيد ..!!
قالها الجندي في اقتضاب، وبصوت ليس به أي أثر للحزن أو العتاب وتلعثم الشيخ سيد وهو يرد عليه ..
الله يعمر بيتك يا بني وينصرك ويصبرك على ما بلاك .
وهز احد الشبان رأسه يمينا وشمالا وهو ينظر للشيخ مستفسرا وقد اكتسى وجهه بالجد ، وأشار الشيخ بسبابته إلى الجندي هذه المرة وبكل ما يمكن أن تحمل نغمات الصوت البشرى من حزن ممتزج بالفخر والاعتزاز قائلا احمد مخيمر .. الجندي احمد مخيمر اخو الملازم الشهيد محمد مخيمر الذي استشهد الأسبوع الماضي في عملية العبور الناجحة للقتال ، و التي تم فيها قتل عشرين فردا للعدو وتدمير ثلاث دبابات إسرائيلية.
وساد السكون التام هذا الركن الهائج من العربة لأول مره ، وراح كل من الشبان ينظر لصاحبه ، وابتسم شاب آخر كان يراقب الأحداث عن بعد ، وتمتمت السيدة الواقفة أمام الشيخ في خشوع . وهدأت العربة من سرعتها ، واخذ بعضهم ما كان لدى الكمساري من نقود . وفى المحطة تدافع الركاب إلى الباب من كل أنحاء العربة ، عدا ذلك الركن الهادئ .
_ تفضل يا سيد .. ويشير المتكلم إلى الشيخ ويقول آخر .
تفضل يا سيدنا الشيخ
تفضلي يا هانم ، وتتحرك السيدتان نحو الباب ، ويمضى كل في طريقه لكن الشيخ يقسم يمينا مغلظا ألا يمضى فى طريقه إلا بعد أن يصطحب ابن قريته الجندي أحمد مخيمر حتى محطة السكة الحديد ليودعه قبل أن يركب القطار الحربي الذي يقله إلى الجبهة.
كنت أتنفس السعادة في النسيم الرقيق الذي يمر عبر النهر فيما نعد الأمواج فيعانق الراقصة ثم ينساب إلى وجهي نديا فأملأ رئتي منه في ارتياح .
كنت أسمع لخطواتي وقعا موسيقيا وأنا سائر ببطء على الكورنيش آخذ النفس بعمق من سيجارة وأنفثه في الهواء وقد رفعت رأسي قليلا وأنا انظر عامود الدخان الرفيع الذي يندفع من فمي ثم يضيع مع النسمات الرقيقة .
كنت مستغرقا في إحساسي بالسعادة حتى لم أعد ألحظ شيئا حولي اللهم إلا صفا به بعض شجيرات الزهور التي تتمايل في كسل مع هبات الرياح الهادئة، وطرق سمعي صوت خفيف لحذاء يدب صاحبه خلفي وكأنه يبذل مجهودا كبيرا ليتمكن من جذبه على الأرض دون أن ينخلع من قدميه لاتساعه، ونظرت خلفي لأرى رجلا نحيلا يتبعني عن قرب، واستأنفت سيرى لأصل في ميعادي وسرح فكرى مره أخرى وتصورتها في ثوبها الجميل الذي أهديته لها عندما قابلتها في المرة الأخيرة، منذ ذلك اليوم لم أرها، ولم اقرأ أحلامي الحلوة في عينيها الزرقاوين الجميلتين، وأخذت صور الليالي الماضية تتوالى على مخيلتي: الغرفة التي أسكنها مع زميلي على سطح إحدى العمارات الأنيقة في شارع النيل، والمكتب الذي أجلس إليه لأستذكر محاضرات اليوم المنقضي على ضوء المصباح الكهربائي المدلى من السقف والذي تعلوه ورقة مستديرة صنعها له زميلي فخري الذي يستلقى دائما على سريره المقابل لسريري وقد اسند ظهره إلى المخدة ويروح يلقى على مسامعي أنواعا من الفكاهات اللاذعة .
وأخذت نفسا من سيجارتي وتلفت حولي .. لم يزل الرجل يسير على بعد خطوات قليلة من خلفي، إنى المح هذه المرة عصا طويلة في يده، إنه ينظر إليَّ في فضول ولكنه أشاح بوجهه عنى عندما التقت عيناي بعينيه اللتين تلمعان في ضوء الشارع الشاحب كما تلمع سيجارتي هذه التي وصلت النار إلى قرب منتصفها لماذا يتبعني هكذا في هذا الشارع الخالي إلا من رجل يقابلني بين فتره وأخرى؟ لماذا لا يسرع فيسبقني أو يبطئ الخطو فيبعد عني؟ إنني لا أرتاح لهذه العصا الغليظة التي يحملها في يده أتراه يعلم أن حافظة نقودي تضم بعض جنيهات أرسلها الوالد من البلد لتكون ذخيرة وعتادا طوال الشهر؟ وتحسست جيبي فإذا بالحافظة ترقد به في أمان.
لكن هل من الرجولة أن يخشى شاب مثلي سطو هذا الشبح الهزيل الذي أستطيع أن أصرعه في ثوان إذا بدرت منه بادرة شر رغم أنني لست على قدر كبير من القوة البدنية ؟
وابتسمت في سخرية من نفسي بعد أن أعرت هذا المسكين من اهتمامي أكثر مما ينبغي فحرمت نفسي متعة التخيل للمقابلة القريبة مع فتاة أحلامي الجميلة ومضيت في طريقي وعادت الصور إلى خيالي: سوف أقبلها الليلة مهما كانت الظروف .. نعم سأقبلها وأضمها إلى صدري في لهفة وشوق، فلا يمكن أن انتظر أسبوعا بين أكداس الكتب وإرهاق الامتحان دون قبل، إنها زادي وقمة سعادتي. ولن تضيع الفرصة بين ترحاب الوالد . وثرثرة الوالدة سأختطف قبلتي كما تعودنا هي وأنا على باب الشقة فهي تعرف الطريقة التي أدق بها الجرس مره طويلة تتبعها مره قصيرة بعدها تندفع إلى الباب لتفتحه قبل أى إنسان ثم تقف أمامي وقد تشبثت عيناها الجميلتان بعيني فأضمها لنغيب في قبلة حذرة قصيرة صامتة.
وأحسست بطعم القبلة على شفتي فتحسستهما بلساني ورفعت السيجارة وضغطتُ على طرفها الأحمر بشفتي برفق وتؤدة وسحبت نفساً عميقاً.
ومرت عربة أنيقة فارهة يميل سائقها المترف على حسناء جميلة في قبلة خاطفة وتألقت المصابيح فانعكس نورها على صفحة الماء فكان المنظر رائعاً. ما أسعدني هذه الليلة!! دعوت الله أن تكون هناك .. وأن تفتح هي الباب لأحظى بحلاوة اللقاء، ترى ماذا سيكون شعورها عندما تسمع رنة الجرس التي تعرفني بها؟!
ماذا سيكون مصيري لو كانت سافرت لزيارة أخيها في الإسكندرية؟ وأحسست في هذه اللحظة بضيق وشعرت بالحرارة تتسرب إلى أصابعي بقوة . . إذاً فليكن النفس الأخير .. إن هذا الملعون لم يزل يتبعني ولكنه يزداد اقترابا منى ويزداد صوت جر حذائه على الأرض هل يمكن أن يسير كل هذه المسافة خلفي مصادفةً، لابد أن يكون في الأمر شيء! سأكلمه بعنف وأسأله عن وجهته ولماذا يتبعني لكن بعد هذا النفس الأخير!
وأخذت نفسا طويلاً ووقفت فوقف الرجل، واستدرت له وأخذت ما تبقى من السيجارة في نفس آخر وعيناي تقدحان بالشرر، وحرقة الدم أحس بها في وجهي ثم ألقيت بالعقب في الماء اللامع بين الأمواج الراقصة، وإذا بي أسمع من الرجل شهقة مكتومة كمن وخزته إبرة وهو ينظر في الاتجاه الذي استقر فيه العقب على صفحة الماء، وقبل أن أفيق من دهشتي كان الرجل قد تمتم بكلمات لا أفهمها وقفل راجعاً.
كان الأستاذ أحمد عبد المنعم مستلقيا على مقعده الوثير فى احد دواوين الدرجة الثانية بالقطار المتجه من أسوان إلى القاهرة والهواء يندفع من النافذة المفتوحة فيلطف قليلا من حرارة الجو فى ظهيرة أحد أيام شهر يونيه القاسية.
لم يكن الأستاذ أحمد قد رأى القاهرة منذ تركها للمرة الأخيرة حين عين مدرسا للمواد الاجتماعية فى إحدى مدارس أسوان الإعدادية، وهو اليوم راجع إلى القاهرة بعد بضعة شهور من الحنين لأهله وبيته، إلا أنه لم يكن منشرح الصدر إلى الدرجة المنتظرة فى مثل ظروفه، ولم السرور والمرح؟ وماذا ينتظره بالبيت بعد اللقاء الحار الذي ينتظره بالبيت وإخوته الصغار؟ ثم تعود الحياة فى عمره رتيبة فارغة قلقة؟
وانتبه الأستاذ احمد على وقع خطوات فى الطرقة التي أمام الديوان الذي يشغل أحد مقاعده، وارتفع صوت عامل البوفيه يعلن عن الشاي والكوكاكولا المثلجة. وابتعد الصوت وعاد أحمد إلى الملل الذي ينشر جناحيه الأسودين فى صدره، مع ضجيج عجلات القطار وهى تحتك بحديد القضبان .. ثم بدأت هذه الأصوات المختلطة تغيب عن سمعه شيئاً فشيئاً حتى أحس هذه اللحظة بالوحدة التي لم يحس بمثلها منذ ركب القطار من أسوان، إنه دائما وحيدُ ُ حتى فى القطار ليس له رفيق!!
إن الذين يعرفهم جميعا لم يكن من بينهم الإنسان الذي يستحق المكانة الصادقة من قلبه. إنه رجل كل عيبه أنه يهتم باللباب فى كل شيء، لا يميل إلى المظاهر الفارغة التي تجذب إليها معظم من يعرفهم من شبان! حتى الحفلات الترفيهية التي كانت تقام فى الكلية أثناء الدراسة لم تكن تستولي على مشاعره بما فيها من مظاهر الترف!
كان يطرب طربا لا حد له لسماع قصيدة عاطفية يلقيها زميل فى إحدى الندوات، أو قطعة موسيقية، أو أغنية عميقة المعنى .. ولذلك كان يحس بحجاب غير رقيق يفصله عن معظم الناس، ومن هنا كان إحساسه بالوحدة والحرمان، وحاجته إلى من يملأ عليه هذا الفراغ، ولكن أين هذا الإنسان المنشود، أين الفتاة التي تفهم فيه هذا العمق، ويرى فيها ما لم يره فى الكثير من الزميلات؟ إنه يخشى أن تمر الأيام دون أن يلقى هذه الفتاه التي تستطيع أن تملأ حياته.
وأحس فى هذه اللحظة بالجو يضيق ويتلوى ف صدره كالنصل الحاد، وشعر برغبة شديدة في أن يبرح مكانه، وقام فى كسل ونظر من النافذة، وأخذ من الهواء اللطيف نفسا ملأ رئتيه، وأحس بارتياح لمنظر الشريط الأخضر من النباتات التي يجرى فى وسطها القطار.
وارتفع صفير القاطرة فجأة، وبدأت سرعة القطار تخف، واقتربت إحدى المحطات .. إنها محطة الأقصر الجميلة، وبين زحمة الركاب، وضجيج الباعة والمودعين نسي الأستاذ أحمد نفسه.
وتحرك القطار، ولأول مره منذ زمن بعيد يحس الأستاذ أحمد بارتياح لقد رأى شيئا من العمق فى تعبيرات وجوه الناس وهم يودعون بعضهم بعضا، إنه دائما يحب هذه المواقف التي يلمس فيها الصدق والإخلاص فى تصرفات الناس.
لقد ازدحم القطار فليجلس على مقعده حتى لا يستولي عليه أحد الركاب الذين يعلو ضجيجهم فى الطرقة، وأدار ظهره إلى النافذة ليجلس فى صمت عميق.
رد الأستاذ أحمد (مساء الخير) وهو ينظر فى أدب إلى فتاة رقيقة تحمل حقيبة كبيرة تحاول فى جهد أن تضعها فوق الرف، وبدون أن يدرى خفض عينيه اللتين التقتا بعينيها فجأة، وحمل عنها الحقيبة ووضعها فى مكانها بجوار حقيبته، وأحس بارتياح، وهو يجعل الحقيبتين تلتصقان، وتحسسهما للمرة الأخيرة، وتوقفت يداه لحظه فوق حقيبتها وراح يحدق فى وجهها دون أن يدري أن عينيها عميقتان وهذه الابتسامة تحمل من الأمل أكثر مما تحمل من الرقة، لقد رأى فيها شيئاً جديداً، صحيح أنه لم يستطع أن يحدد ذلك الجديد فى هذه اللحظة الخاطفة، ولكنه متأكد أنه لم ير ذلك الشيء فى فتاة أخرى .. ورفع يديه بسرعة عن الحقيبة والتفت إليها، فقد سمع صوتها تشكره ..
ـ العفو يافندم هذا أقل ما يجب.
وجلست على المقعد المقابل، وأخرجت من حقيبة اليد الكبيرة كتاباً، وراحت تقرأ فى سكون، إنها تقتل الوقت بالقراءة، إنها لا تقطعه فى النظر إلى مرآة أو مجله هزلية مصورة.
ألم أر فيها شيئا جديدا من أول لحظة؟
وابتسم الأستاذ أحمد وهو يقول:
ـ إلى أين إن شاء الله؟
ورفعت رأسها عن الكتاب، بابتسامة خجلة أجابت:
ـ مصر ..
وغرق الأستاذ أحمد في عينيها لحظة، وأحس بقلبه يدق فى عنف ..
ـ فرصة سعيدة .. أنا أيضاً مسافر إلى مصر.
وقبل أن يكمل عبارته سمع صوتا رقيقا كصوت الأطفال.
ـ السلام عليكم .
التفت أحمد إلى مصدر الصوت وهو يرد التحية، ثم حول عينيه فجأة تجاهها فوجد على شفتيها نفس الابتسامة التي كانت على شفتيه لمنظر الرجل الضخم صاحب الصوت الرفيع الذي لم يتناسب مع جسمه الكبير وكرشه البارز، ثم ابتسم مرة أخرى عندما تلاقت عيونهما على وجه الرجل الضخم الذي كان يغط فى نومه بعد مدة لا تتجاوز الدقائق من استقراره على مقعده.
ـ حضرتك من مصر؟
- نعم .. ومدرسة بالأقصر.
- مدرسة؟! .. أهلاً وسهلاً، وأنا أيضاً مدرس بأسوان.
ومضى الوقت فى حديث لطيف، إنه لم يعد يحس بالملل الذي كان يحاصره منذ وقت قصير! كم هو سعيد بهذه الفرصة، لقد أحس نحوها إحساساً لم يتعوده من قبل، ونظر إليها بعطف وقد أسندت رأسها إلى الوراء وغابت فى النوم، وتمنى لو كانت تسند رأسها على صدره، ولو أن هذا الليل الساكن كان ينشر جناحيه عليهما فى عش سعيد!
نعم إنها العصفور الذي يسعد العش الذي طالما حلم به منذ زمن بعيد، لكن ترى ماذا يكون موقفها منه؟ هل أحست به؟ وهل من الممكن أن تربط الظروف قلبه بقلبها هكذا بدون ترتيب وإلى الأبد؟ تراها تحلم الآن به أم بفارس آخر تسافر على أمل أن تلقاه هناك، فيطفئ كل منهما بين أحضان الآخر نار الشوق التي أشعلتها هذه الشهور من العمل المرهق؟
وأحس فى هذه اللحظة بضيق يخنق أنفاسه، ولكنه أبعد عن نفسه هذا الخاطر المزعج .. لقد رآها تسترق النظر إليه فى حنان، إن قلبه يحدثه أنها تكن له من المشاعر مثل ما يكن لها. إنه يثق فى قلبه، إنه لم يكذبه مرة واحدة فى حياته، إنه يذكر الآن صوت أمه وهى تحثه على أن يختار بنت الحلال لتكتمل فرحتها به
وأغلق أحد الركاب إحدى النوافذ بقوة فأحدثت فجأة صوتا عاليا فانتبهت رجاء من غفوتها وتقابلت عيناها بعيني أحمد الذي قرأ فيهما مرة أخرى ما كان يتمنى وأغمضت عينيها لكنها لم تكن نائمة هذه المرة، كانت تفكر وأعصابها فى شبه خدر لذيذ، أن نظراته تنطق لغةً أخرى لم تتعودها فى عيون الآخرين.
تُرى هل تعلق بها؟ ماذا سيكون مصيرهما بعد دقائق عندما يقف القطار فى محطة القاهرة ويمضى كل واحد فى طريقه؟!!
وهدأ القطار من سرعته واستيقظ المسافر الضخم وقال بصوته الرفيع الحاد (الحمد لله على السلامة) ونزل المسافرون، وعلى رصيف المحطة وقف أحمد ورجاء معا ينتظران حاملاً لنقل الحقائب، وفجأة ارتسمت على ثغريهما دهشة وحيره رائعة الجمال وترقرق شيء لامع فى عينيها الصامتتين عندما رأت سيده رائعة الجمال تجرى نحو أحمد وتعانقه فى حرارة وطفل صغير يتعلق بظهره من الخلف صائحاً (بابا .. بابا ) فضحك أحمد من قلبه حين رأى هذه التعبيرات الحزينة تتلاشى من على وجه رجاء بعد أن قدم لها أخته الكبرى سعاد وأخاه الصغير سامي الذي يدعوه ببابا لأنه ولد بعد وفاة أبيهم بشهور، وشد أحمد على يد رجاء فى حرارة وهو يودعها قائلاً:
ـ سأراك غدا إن شاء الله فى بيتكم.
ـ لن تكون وحدك.
ـ معي أمي وأخي بالطبع.
قام عبد المقصود إلى الترعة المجاورة فغسل يديه وفمه بعد أن تناول عشاءه ولم باقي الجبن وكسر الخبز الجاف فى الطبق الصغير المصنوع من خوص النخيل وعلقه فى غصن شجرة التوت التي تغطى أغصانها وظلالها المكان. وفى إناء صغير من الفخار أشعل بعض الأغصان الجافة وعلى ألسنة النار المتصاعدة أعد لنفسه كوباً من الشاي، وصعد سلمتين وأصبح فى حجرته الصغيرة التي بناها بنفسه وبمساعدة زوجته سميحة من طين الترعة فوق حظيرة الماشية على رأس حقله الذي يبعد عن القرية أكثر من نصف ساعة مشياً على الأقدام.
واستقر عبد المقصود فوق الحصير الذي يفرش أرض المكان وراح يرشف الشاي فى ملل وتنهد بين لحظة وأخرى.
كانت الدنيا ليلاً وأغصان شجرة التوت تهتز مع نسمات هادئة تتشابك فوق رأسه فتكون بمثابة سقف أخضر للحجرة البسيطة، ورغم ذلك فقد أحس بالحر يضايقه، فخلع جلبابه وأسند ظهره إلى الحائط فى كسل، وعيناه تسرحان عبر حقول القطن الناضجة التي بدت لوزاته المتفتحة البيضاء الكثيرة كنجوم السماء.
لم تكن هذه هي الليلة الأولى التي يبيتها عبد المقصود فى هذا المكان بحجة حراسة محصول القطن فقد تعود منذ أكثر من أسبوعين أن يبيت هنا وحده ، فيقضى أكثر الليل ساهرا تسيطر عليه الهموم التي لم يكن يحب أن يعلنها أبدا لمخلوق حتى ولو كان هذا المخلوق زوجته العزيزة سميحة. ومد يده فتناول (قلة) الماء فشرب جرعات قليلة لم ترو ظمأه، لقد كانت آخر شربة فى القلة، لقد نسيت البنت أن تملأها من البلد.
ـ لا يهم إنها لم تزل صغيرة، لا لوم عليها .. إن عمرها لا يزيد عن عشر سنوات ومع ذلك فهي تحمل له كل يوم الغداء والعشاء من البيت إلى الغيط، وتنهّد عبد المقصود فى حيرة .. نعم عشر سنوات عمر ابنته فكيهة أولى بناته من زوجته العزيزة سميحة.
وتحرك عبد المقصود من مكانه، ومد يده فانتزع حصاة صغيرة من تحت الحصير كانت تخزه، فرماها وعاد إلى أفكاره التي اعتاد أن يغرق فيها كل ليلة فى هذا المكان.
(إحدى عشرة سنة قضيتها مع سميحة كانت مليئة بألوان من الأفراح والهموم، كنت أحلم بها قبل الزواج فحقق الله لي الحلم لكن الحلم الآخر لم يتحقق، كنت أتمنى أن تلد سميحة لي ولدا جميلا أسميه عنتر أقبله من شعر رأسه إلى قدميه الصغيرتين كل صباح، وأرعاه حتى يكبر ويصبح شابا قويا يشاركني أعمال الغيط أو أربيه فى المدرسة كأبناء الأعيان حتى يصير ضابطا تهتز له البلد عندما ينزلها زائرا بملابسه الحكومية، لكنها ولدت بنتاً، كانت صدمةً لي، لم أكن انتظرها.
فى الحقيقة كانت صدمةً له، وليس ذلك لكونه رجلا جاهلا ساخطا على قضاء الله، وإنما لأنه كان قد خلق بخياله المشتاق صورةً لابنه المنتظر طوال شهور الحمل وراح يحركها ويجسمها ويعيش معها وقت فراغه وعمله، حتى أصبحت جزءا من حياته.
وتذكر عبد المقصود صوت أمه العجوز وهى تقبل عليه فى فتور بعد أن خرجت من عند زوجته بعد الوضع الأول وهى تقول بصوت منكسر (تتربى فى عزك يا ابني).
وبعد جهد روض عبد المقصود نفسه على تقبل الوضع الجديد وأصبح راضيا بحظه! .. وكلما مرت الأيام ازدادت محبته لطفلته الصغيرة، وكبر أمله فى ان يكون المولود الثاني ولداً، وفى العمر متسع لتحقيق الآمال.
ومرت سنة وثانية وثالثة ولم تحمل زوجته، وكان عبد المقصود يحس كلما مرت الأيام دون أن يتحقق أمله أنه يسير وحده فى طريق موحش كئيب، وازداد قلقه فكاشف امرأته بقلقه عليها وبرغبته فى مولود جديد.
ـ يجب أن نعرضك على طبيب يا سميحة.
ـ لا مانع عندي ..
ـ إلى متى سننتظر؟
ـ ربنا يعمل الطيب.
ويذكر عبد المقصود كيف سافر مع زوجته إلى المركز وكيف كشف عليها الطبيب وأوصى بالحقن وغير الحقن من ألوان الدواء .
وكم كانت فرحته عندما أخبرته سميحة ذات يوم أنها حامل. لقد عاش فتره من أسعد فترات حياته مع الأمل الحلو مع صورة ابنه القوي الجميل عنتر!
ومرت شهور الحمل الثاني المتثاقلة بطيئة، وبلع عبد المقصود ريقه عندما وصل إلى هذه الدرجة من التفكير فقد تذكر للمرة الثانية صورة أمه وهى تقبل عليه خارجه من حجرة زوجته بعد الولادة الثانية وهى تكرر هذه العبارة الثقيلة:
(تتربى فى عزك يا ابني).
وابتسم عبد المقصود فى مرارة وهو ينزل الدرجتين اللتين توصلانه إلى الأرض، وراح يمشى صوب حقل القطن دون هدف اللهم إلا ليقطع على نفسه بقية ذلك الحمل الثقيل من التفكير الذي حفظ كل جزء فيه لكثرة التكرار.
ورغم ذلك فإنه لم يستطع، لقد ألحت بقية القصة عليه إلحاحاً شديداً، وأبت أن تفارق خياله وكأن صوتا ثقيلا يأتيه من بعيد من أعماق نفسه ( يجب أن تجد حلا يا عبد المقصود .. يجب أن يكون لك ولد، يحمل اسمك ويفتح بيتك من بعدك).
إنه نفس الصوت الذي سمعه من قبل، صوت أمه بعد أن قالت له عباراتها البغيضة للمرة الثالثة (تتربى فى عزك يا ابني) .. نعم .. أصبح الآن أباً لثلاث بنات، ورغم أنه يحب البنات الثلاثة من قلبه إلا أنه لم يزل شديد الشوق للصورة التي خلقها خياله للولد الذي يتمناه.
وراح عبد المقصود يسير ببطء بين خطوط القطن الناضج، ولم يثنه منظر اللوزات البيضاء المنثورة على أطراف شجيرات القطن عن التفكير، فتوقف عبد المقصود وقد ندت عنه ضحكه ساخرة قصيرة، وهمس لنفسه بعدها:
ما شاء الله المحصول يفرح، وتذكر زوجته سميحة وهى تمشى بجواره ذات يوم وهى تنظر إلى اللوزات المتفتحة فى سرور:
ـ إن شاء الله نكسو البنات هذا العام ذهبا وحريرا يا عبد المقصود.
ـ إن شاء الله ونعمل حسابنا على أربع بنات .. أليس كذلك؟
ونظرت إليه سميحة عاتبه باكية:
ـ أنت تسخر مني يا عبد المقصود؟ .. أتمنى هذه المرة أن يكون ما فى بطني الآن ولدا لكن الله وحده يعلم الأسرار.
وانسحبت من جانبه عائدة إلى الدار.
ومن يومها لم يرها وهو يعيش فى الغيط على نار بحجة أنه يحرس المحصول، وهو فى حقيقة الأمر يعلم أنه يهرب من الواقع .. إنه يعلم أن امرأته حامل للمرة الرابعة وقد أوشكت أن تضع بعد أيام .. إنه لا يطيق أن ينتظر فى الدار حتى تلد، وحتى تقبل عليه أمه وتكرر على سمعه للمرة الرابعة العبارة الكريهة (تتربى فى عزك يا ابني)!
ومع ذلك من يدري؟!، الله وحده يعلم الأسرار.
ورجع عبد المقصود أدراجه إلى حيث ينام، وسوى فراشه ونظر فى ساعته .. إنها الثانية عشرة، وقبل أن يضع رأسه على الجلباب التي كومها تحت رأسه فيما يشبه الوسادة سمع نداء طفلته من بعيد.
ـ يا بنت يا فكيهة.. تعالي يا بنت .. تعالي بسرعة.
هب عبد المقصود وجرى إلى ابنته التي كانت تثب بسرعة على الطريق تحت ضوء القمر الذي ظهر حديثا فى الأفق.
ـ ماذا جرى يا بنتي؟
ـ أمي.
ـ مالها؟
ـ تلد ..
ـ ماذا يا بنت؟
ـ إنها ستموت إذا لم يحضر الطبيب هكذا قالت خالتي أمينة المولدة.
- تموت؟ لا .. لا قدر الله ..لا قدر الله.
وأسرع عبد المقصود مع ابنته إلى البيت، لقد اكتشف فى نفسه شيئاً جديداً، لم يعد يفكر فى الولد، إنها فكرة واحدة تسيطر عليه، امرأته التي تقف أمام الموت وجها لوجه إنه يريدها هي .. هي فقط ولتذهب المولودة الجديدة إلى حيث لا رجعة.
وأسرع عبد المقصود إلى البندر، وقبل أن تدق الساعة الواحدة كان عائداً مع الطبيب فى عربته.
ـ أرجوك يا بك تنقذها ..
ـ ربنا يسهل ..
وراح عبد المقصود يسير فى وسط الدار ذهاباً وإياباً فى قلق زائد.
يا رب أنقذها من اجل البنات .. لله على نذر إن قامت وولدت بالسلامة لأذبحن خروفاً للمساكين.
وبعد ساعة كاملة من القلق فتح الباب وخرجت أمه مسرعةً وكأنها عادت شابة من جديد، واندفعت إليه وهى تصيح:
ـ مبروك يا عبد المقصود .. مبروك يا ابني .. سميحة ولدت بالسلامة .. ولدت يا بني.
ـ ولد؟
ـ ولدين يا عبد المقصود، ولدين اثنين!.
وجرى عبد المقصود إلى زوجته وركع إلى جوارها.
وتساقطت من عينيه دمعتان دافئتان، وهمست زوجته فى أذنيه:
ـ إن شاء الله نكسو البنات هذا العام ذهباً وحريراً يا عبد المقصود.
ـ ونذبح خروفين للمساكين يا سميحة ..
ـ خروفين اثنين؟!!
كان الوقت ظهرا والجو حارا خانقا قالت "سيدة" لنصف دسته النساء اللاتي يحطن بابنها المريض، وقد لبسن الثياب السود ورحن يتفنن فى ابتكار أساليب الدعاء للمريض بالشفاء ولأمه بعدم حرق كبدها على وحيدها العزيز صاحب العيال الثلاث الذين يلعبون حول الجمع الأسود الحزين فى غير مبالاة، بينما جلس بعض الرجال من أقارب المريض .. يصب أحدهم بين الحين والآخر قطرات الماء على جبين الرجل الراقد فى الوسط يعانى آلام المرض المزمن بالمثانة الذي اشتدت وطأته عليه فى الأيام الأخيرة.
الجو حار خانق قالت الأم لمن حولها بصوت متهدج (وسعوا شوية يا جماعة إلهي متشوفوهاش فى دوركم) ومسحت بطرف ثوبها الأسمر قطرات من العرق الذي تجمع على جبينها ورقبتها السمينة القصيرة مختلطا بقطرات من الدموع، وتنهدت تنهيدة طويلة ونادت زوجة ابنها، وأمرتها أن تبل قطعة السكر التي فى الصندوق الكبير ثم تعصر عليها ليمونه للعزيز المريض.
وسمع أكبر الأولاد ذو الخامسة من عمره هذا الحديث الذي دار بين جدته وأمه، وفى خفة ورشاقة نفض التراب الذي كان يعبئه فى حجره ليعمل منه غيطا صغيرا مع إخوته أمام الدار وتسرب خلف أمه التي لم تحس به إلا فجأة، وهي تكاد تضع قطعة السكر في العلبة الصفيح لتصنع لزوجها الشراب.
نظر الولد إلى أمه فى رجاء ولم يتكلم .. نظرت المرأة إلى الطفل ثم إلى خارج الحجرة .. تأكدت أن أحداً لا يراها، وبسرعة كسرت قطعة السكر ووضعت منها جزءا فى جيب ابنها الذي قفز فرحا وقبضت على أذنه بأصابعها الرفيعة وهمست (إياك أن يشوفك احد.. أنت سامع؟ .. على بره على طول).
وطار الولد إلى الشارع وفى جيبه قطعة السكر. وضع يده فوقها غير مصدق انه يملك الآن هذا الكنز الثمين .. وفي طريقه إلى الشارع قفز الولد بين أخويه الصغيرين كالعصفور متجها إلى مصطبة خالته ليأكل غنيمته فى أمان.
ورآه الصغيران وهو يجري لكن أحدا منهما لم يفهم سر الفرحة التي تبدو على وجهه غير مصطفى الذي يصغره بسنة واحدة .. ذلك الماكر الذي يجري في شوارع البلد طوال النهار حافى القدمين عاري الرأس بجلبابه الصفراء اللذيذة التي تحتاج إلى الغسل منذ ثلاثة أيام، وهو دائما فى شجار مستمر مع جوده ابن جارتهم وغيره من الأولاد فهم مصطفى الصغير ما يجرى حوله، وبمكر همس فى أذن أخيه الأصغر الذي كان يشاركه اللعب ( ولد .. ولد.. أمك معاها سكر).
وما كاد يتم الكلمة الأخيرة حتى جرى الصغير إلى أمه حتى كان مصطفى الشقي قد لحق بأخيه الكبير هناك عند مصطبة خالته، وفى الوقت الذي كانت فيه جرعات الشراب تحل محل روح المريض شيئا فشيئا كان مصطفى يقف فى تذلل مصطنع أمام أخيه القابض بيده على قطعة السكر بعد أن أخرجها من جيبه وهو يقول (هات حتة عشان لما أمي تديني سكر أبقى أديك) ورد الولد الشره (خلاص يا سيدي السكر خلص وأبوك ربنا حيشفيه).
وتهدج صوت مصطفى الماكر بإخلاص هذه المرة وهو يقول (لما يمرض مرة تانية أبقى آخد منها وأديك).
وفى اللحظة التي صرخت فيها الجدة سيدة معلنةً وفاة ابنها صاحب العيال الثلاثة كان أحد هؤلاء الأطفال يصرخ ويتمرغ فى التراب لأن أخاه الشره لم يشأ أن يقتنع بحجته، والتهم قطعة السكر دفعةً واحدةً دون أن يعطيه منها ذرةً.
ما أسعدني بهذا الجمال الذي أفنى فيه فناء العابدِ المجتهدِ!، وما أعظم حقدي أيضاً على هذا الجمال!، كانت هذه العبارة التي دارت فى رأس كمال للمرة المائة بعد الألف وهو يسير بسرعة على الطريق الزراعي فى إحدى ليالي يناير الباردة وقد اطل القمر عن يمينه فى كسل، يحاول أن يرتفع عن الأرض وكأنه يبذل جهداً كبيراً لقطع حبال تشده إلى الأفق البعيد.
كان كمال يسرع الخطى فى نشاط، ولو راقبته عين خفيه فى ذلك الوقت لحسبته يستمتع بما حوله من منظر طبيعي جميل: الأشعة الساقطة على قطرات المطر التي تغطى حقول البرسيم على جانبي الطريق فتعطى بريقا اختلطت فيه الخضرة بالبياض، فتبدو الأرض وكأنها لجة زرقاء لبحر نائم وتغطيه غلالة نثرت عليها ملايين من القطع الماسية والخرز والترتر، لكن كمال لم يكن فى الحقيقة منصرفا تماماُ إلى هذا الجمال. بل إن رعشة البرد الخفيفة التي تتسرب من خلال ملابسه فتلسع بدنه برفق لم تكن بقادرة على أن تصرفه عن التفكير فى أشياء أخرى.
كان كمال خارجا من المحلة الكبرى كعادته فى بداية كل شهر منذ حصل على عمل فى أحد مصانع النسيج متجها نحو قريته الصغيرة وزوجته الصغيرة وطفلته الصغيرة. وكان عليه أن يحمل السلة التي تحوي بعض الفاكهة (والسميط) وكيسا به بعض الحلوى التي لم يكن أحد يعرف اسمها فى الكفر عموماً، ولفة أخرى بها (منديلان بأوية) وحذاء لطفلة صغيرة و(بلغة) بيضاء جديدة، كان عليه أن يحمل هذه السلة على كتفيه مسافة لا تقل عن ثلاثة كيلو مترات على الطريق الزراعي الذي يصل بين المحطة وبين الكفر.
وعبرت شبه ابتسامه سريعة على شفتيه الدقيقتين، إنه سيرى بعد دقائق أباه الشيخ وأمه الطيبة، وسيدق الباب، وكم سيسود الفرح الدار عندما تفتح أمه الباب، وتأخذه بين أحضانها وهى تصيح ( يا حبيبي يا بني حمد الله على السلامة) عندها ستأتي بسيمة زوجته لتأخذ السلة وتدخلها قاعة حماتها، وبعد السهرة تسبقه إلى قاعتها وتنتظر فى دلال وحياء.
كان القمر قد بدأ يرتفع في السماء بجرأة، وكأنه تخلص من الجهد الذي كان يبذله للصعود فبدا أكثر بياضا وأحس كمال وهو يمشى بحرارة تسرى فى جسده، ربما لأنه يمشى مسافة طويلة تحت وطأة السلة الثقيلة، أو لأن خيال زوجته وعيونها التي بدت تنظر إليه فى سحر وإغراء عبر الأفق الضيق المفروش بعيدان البرسيم. وكأن هاتين العينين تحولتا فجأة إلى فجوتين عميقتين من جهنم اندفق منهما على رأسه حمم دافق من الأفكار السوداء.
زوجته بسيمة بنت الحاج مرزوق شيخ البلد، الحسناء التي اقتتل عليها شبان القرية: فؤاد ابن العمدة، وعبد الجواد أخو شيخ الخفراء وكان بسبب هذا التنافس ما كان بين العمدة وشيخ الخفراء، مما كان سببا فى تدبير العمدة لشيخ خفرائه مكيدة أطاحت به من سلك الحكومة، فأقسم الشيخ مرزوق ألا يزوجها من أحد الطرفين وكانت من نصيبه هو.
كم كان سعيدا يوم وافق أبوها فرضيه خطيبا لابنته الوحيدة الحسناء، إنه يذكر كيف كان يمشى مختالا بهذا النصر وهذا الحظ بين شبان القرية وقد مشط شعره اللامع (وزرر البالطو) الأنيق فوق الجلباب الصوفي المكوي، وراح يؤرجح الخيزرانة يميناً وشمالاً وهو يوزع النظرات فى اعتزاز على النساء الجالسات على أبواب الدور وفوق المصاطب وكأنه أحد أبطال قصة الزير سالم.
إنه يذكر هذه الفترة السعيدة من عمره، لكنه بدأ يحس بشيء من المرارة عندما أخذت بعض الشائعات الطائشة تأخذ طريقها إلى أذنيه فى تعثر وحذر، مؤداها أن خطيبته حزينة لأن والدها حال بينها وبين فؤاد ابن العمدة الذي كانت تحبه. إنه يذكر كيف ذهب إلى والدها وقد صمم على فسخ الخطبة إن كان هذا الكلام صحيحاً، ويذكر كيف مال الرجل على ابنته سائلاً (صحيح انتى بتحبي فؤاد وزعلانة عليه يا سميحة؟)، ويذكر كيف شهقت البنت استنكاراً لهذا الاتهام وقد خفضت رأسها وهى تقول بصوت مرتعش (عيب يابا)، ولم يدر كمال السبب الذي جعله يقتنع بدفاعها الذي كان يبدو له أحياناً دليلاً على ثبوت الاتهام. إلا أنه يحبها، ويحس بالفخر والكبرياء لمجرد أنه الفارس الذي نالها دون الآخرين!
مهما كان السبب الذي دفعه إلى تصديقها فقد واتته لحظات ندم فيها على تهوره، وأحس فيها أنه مغفل وأنه أصبح حدوتة فى أفواه الناس .. لكنه حين يكون بجوارها يحس بسيل من الحرارة يُزيل كل شكوكه وآلامه.
كم قاسى طوال هذا الشهر من الشك والغيرة الأمر الذي جعله يصمم على الخلاص، نعم الخلاص من عذابه .. إنه سيقتلها، سيحطمها إن رأى عليها ما يشين. إن دارهم تقابل دوار العمدة، وعلى بعد خطوات منه. تُرى ماذا يمنعها من أن تتسلل ليلاً من الدار لتلتقي بالحبيب القديم تحت جناح الليل الأسود الشرير؟ .. إنها تستطيع أن تتفق معه على الموعد بالإشارة! .. ما أتفه عقول النساء اللائي يفتتن بالمظاهر الكاذبة، بالشعر المموج على رأس فتى مثل فؤاد والقوام الفارع، والدم الذي يكاد ينط من وجنتيه. ترى ماذا سيفعل لو وجد الليلة غريمه المخنث فى فراش زوجه؟ إنها تستطيع أن تُدخله الدار دون أن يراه أحد، والطفلة لن تدرك مما يدور حولها شيئاً.
وأحس عندما تصور منظر الطفلة وابتسامتها البريئة بالهواء يمر باردا على وجهه ليخفف من وطأة الحرارة والعرق، لكنه تعثر بحجر فى الأرض عثرةً كادت تسقطه على وجهه، وسرح بعينيه عبر حقول البرسيم التي بدت الآن أكثر لمعاناً تحت أشعة القمر المتعثر بين دروب السحاب، واستقر بهما فوق سطحه لحظةً ثم مد بصره نحو القرية التي بدت من بعيد بقعةً مظلمةً تنبعث من خلال سوادها أشعة مصباح حمراء تبدو على ارتفاعها كعين جني ساهر.
ولمعت فى رأسه فكرة. كم تمنى وهو بعيد عنها لو أن له جناحين سحريين ينطلق بهما فى لحظه من الليل ليقف تحت شباكها مستترا بالظلام لينظر من شق هناك فى المصراع الأيمن للنافذة ليراها ويتأكد أنها وحدها وليس معها رجل، وكم مرة تصور فى يده مطواته الكبيرة قرن الغزال وقد انهال بها طعنا فى جسد زوجته الجميلة التي تخيلها تعانق عاشقها المخنث.
كانت هذه الأوهام تراوده كثيرا، لماذا لا يجعل منها حقيقة؟، لن يدع أحداً يراه قرب الدار، ولن يقرع الباب، سيذهب توا إلى النافذة القريبة لحجرة زوجته التي تطل على الحقل، وسيمكث ساعةً أو أكثر من ساعة عله يضبطها، تلك الشريرة التي تلبس ثوب الملاك، سوف ينتقم لشرفه!
ونبح كلب على سطح احد المنازل فى أول الكفر عندما لمح شبح القادم على الطريق، وتبعته عاصفةٌ من النباح لم يحفل بها كمال، ومضى فى سبيله إلى الدار.
ومن خلال شق ضيق فى المصراع الأيمن للنافذة القريبة لحجرة زوجته رأى كمال وخفقات قلبه تصم أذنيه كأنها دقات مطرقة ثقيلة، رأى زوجته شبه عارية على السرير النحاسي الأصفر وعلى صدرها يركض جسم صغير لطفلة تضحك بصوت مرتفع، والأم تلقنها بين عبارات التدليل (كمال كمال جميل جمال يا رب تيجي بالسلامة يا كمال).
وبسرعة اتجه كمال إلى باب الدار وقرعه فى لهفة، واستقبلته أمه بالدعاء، وفرح أبوه (بالبلغة) الجديدة وعكفت الطفلة على قطع الحلوى تلتهمها.
وبعد السهرة وجد كمال زوجته بسيمة تسبقه إلى حجرتها وتنتظر فى حياء، وأغلق الباب وبين أحضانها أحس بدافق من الحرارة صهر كل شكوكه وآلامه.
بدت "فلة" بنظراتها الشاردة وجسمها الممتد على الأرض فى تراخ كالثوب القديم، وقد مدت ساقيها إلى الأمام ومالت على الجنب الأيمن قليلاً، لتبرز أثداءها المتورمة المليئة باللبن للصغار التي تزحف تحتها على غير هدى، وهى تصدر بعض أصواتٍ رفيعة متقطعة، وكأنها هي الأخرى غير راضيةٍ عن وضعها الجديد.
وألقت الأم رأسها بين ساقيها الأماميتين وراحت كمن يفكر فى الماضي والمستقبل؛ ماضيها الحافل بالمغامرات، ومستقبل الأطفال الذين يحبون حولها ولم تستطع عيونهم أن تستقبل النور فى وضوح بعد، تلك المغامرات الغرامية التي كانت سيدتها "وردة" تفسدها عليها، وتوقع عليها بسببها أشد أنواع العقاب البدني بين صيحات الاستنكار الخجلة الساخرة.
ومدت "فلة" رأسها فى رفق لجهة الشمال والتقطت أحد الصغار الذي كان قد انقلب على ظهره، وأخذ يحرك أرجله فى الهواء ليعود إلى وضعه الطبيعي دون جدوى، فعدلته على الأرض وأخذت تهدهده برأسها، وتمسح على جسمه بلسانها فى حنان، وأخذ الصغير فى الصراخ بصوت رفيع وهو يضرب الأرض فى محاوله يائسة للمشي وكأنه غير راض عن هذه الرقة وهذا الحنان الذي تقذفه عليه الأم، وكأن هذا النكران للجميل لم يرض الأم بدورها فانشغلت مع مولود آخر منصرفة ًعن هذا الصغير الشقي الذي يبدو وكأنه ذكرها بالماضي، أليس هذا الجلد الأحمر والطوق الأبيض من الشعر الذي يحيط برقبته ويغطى نصف صدره هو نفس لون "ركس" ونفس طوقه؟ ثم ما هذا النفور .. أليس هو من الشراسة والقوة الجسدية التي امتاز بها "ركس" على جميع الأقران؟
إنها تتذكر المرة الأولى التي عرفت فيها "ركس" منذ شهور،كانت تراه دائما يقبع هادئا طوال النهار أمام دار "أبو مسلم" أو سارحاً خلف البهائم التي يسحبها ابن "أبو مسلم". ومدت "فلة" رقبتها مرةً أخرى فأخذت بين أسنانها ذلك الصغير الشقي الذي ابتعد عنها أكثر مما يجب، ثم أعادت رأسها إلى مكانها وكأنها تستأنف النظر إلى شريط الذكريات!
لماذا كانت سيدتُها تحقد عليها وتعذبها كل هذا العذاب؟ إنها لولا العشرة الطويلة لتركت لها الدار. لماذا لا يعاقبها السيد الطيب أيضاً إن كان لا يرضى عن سلوكها مع "ركس"؟، كم تبدو الرحمةُ باديةً فى عينيه الطيبتين!، أليست هذه المرأةُ القاسيةُ تنعمُ مع زوجها بمثل العلاقة التي تنعم بها مع "ركس"؟ .. ليت لكلاب القرية مأذونا!!
كانت هذه الأسئلةُ تدور فى رأس "فلة" الصغير ذات يوم، أما فى هذه الساعة التي تقعي فيها بجوار أبنائها فلم يعد لهذه الأسئلة فى رأسها مكان! .. إنها تعرف الحقيقة، وترضى عن سلوك سيدتها نحوها، فهي لم تعد تقسو عليها كثيرا وتجوعها، ليس ذلك لأنها تشفق على صغارها العميان وإنما لأن هذه السيدة تبدو وكأنها تخشى أن يقرأ زوجها الطيب فى عينها الصامتتين الضيقتين سرا خطيراً، ذلك أنها ذات ليلةٍ قدْ مضت أمام "ركس" إلى الخرابة الموجودة خلف المسجد القديم، وفى ظلام الخرابة وقبل أن يمضى "ركس" وهى فى مجونها المشين ارتدت فجأةً على عقبيها بسرعة من حيث أتت، و"ركس" يتبعها فى غضب دون أن يدرى سبب انسحابها؛ إنها لمحت رجلا عريض الصدر طويل الهامة له شارب مبروم ينحني على جسم شبه عارٍ لسيدة مهذبة تخجل من سلوك كلبتها المشين!
ـ بوستة ... بوستة ...
قالها ساعي البريد بصوت مرتفع ونغمة روتينية وقد وقف فى بئر السلم رافعاً رأسه إلى أعلى ثم أردف بنفس النغمة:
ـ الآنسة عطيات سليم .. مسجل ..
وقبل أن ينتهي من عبارته الأخيرة كان رأس أشيب لسيدة فى الستين من عمرها يطل عليه من قمة السلم عند الدور الثالث، وقالت صاحبته فى لهفه صادقة وصوت متهدج:
ـ .. أيوه يا بني دقيقه واحدة .. الله يسترك ..
وراحت تسرع الهبوط على السلم وقد ثبتت يدها المعروقة ( بالدرابزين )الخشبي المتآكل تسند عليه حتى تضمن السلامة إذا خانتها قدماها.
ـ مسجل للآنسة عطيات .. يا ست أم عطيات.
ـ خير يا بني.
ـ خير.. إن شاء الله وهاتى إصبعك.
ـ خد .. لكن طمني الله يطمن قلبك .. افتحه يا بني واعرف لي فيه إيه؟
ـ مبروك يا ست مصنع السجاد طالب الست عطيات لاستلام العمل .. حسب طلبها، وتجهيز بقية مسوغات التعين.
- الحمد لله .. ألف حمد لك يا رب. وألف شكر.
قالتها ام عطيات بصوت عميق وهى تحملق فى أعلى الحائط المقابل ويدها تقبض على الخطاب بقوه ودقات سريعة تضج بين ضلوعها، ودماء جديدة تتدفق فى شرايينها صاعدة إلى رأسها، واستدارت فى خفة إلى السلم، وصعدت إلى حجرتها فوق السطح وهى لا تكاد تصدق أنها تمسك بيمينها الآن مفتاح حياة جديدة سعيدة.
وتنهدت أم عطيات وهى تلقى بنفسها فوق الكليم الذي يغطى نصف أرضية الحجرة والمصنوع من بقايا الملابس القديمة .. تنهدت فى راحة من يُلقى بحمل ثقيل ظل يحمله طوال هذه السنين الطويلة الحافلة ..
من يصدق أنني وصلت إلى هذه الدرجة؟ .. من يصدق أن أوان الراحة قد آن؟، وأني اقدر أن أغمض عيني فى هدوء وأنام إلى الأبد سعيدة مطمئنة مرتاحة البال؟
وأخرجت الخطاب من بين طيات ملابسها لتلقى عليها نظرةً أخرى وقربته إلى فمها، وتنهدت مرةً أخرى فى راحةِ منْ وصل إلى بر الأمان بعد أن قطع رحلةً من العذاب .. وطافت بالرغم منها أمام عينيها المغمضتين أشباح مظلمة وصور قاتمة عاشتها سنين طويلة ..
ـ الله يرحمك يا سليم ويجعل مسكنك النعيم
ورفعت رأسها تتأمل صورة صغيرة معلقة على الحائط المقابل فى إطار متآكل غيرت لونه الأيام، صورة لسليم أفندي زوجها الموظف المحترم الذي أذاقها ألواناً من السعادة، وعاشرها عشر سنوات لم ينغص حياتهما فيها شيء إلا الحنين إلى الذرية وإلى الأطفال؛ ذلك الحنين الجارح الصامت الذي لم يكن يجرؤ أحدهما أن يعبر عنه حتى لا يجرح شريكه. آه كم كانت سعادته عندما أخبرته ذات مساء أنها حامل!، لقد كاد يطير فرحا.. لا تقومي من مكانك يا حبيبتي .. لا تعملي أي حاجة .. أنا أعمل بدلا منك كل شيء ..
وتنهدت .. لقد كانت أسعد الأيام .. ليتها دامت ..
لقد مات المسكين قبل أن يرى حلمه يتحقق.. قبل أن يرى عطيات تبتسم فى لفائفها ..
ودست أم عطيات الخطاب فى صدرها، وقامت فجلست على حافة السرير الحديدي المقابل للنافذة المطلة على الحارة تترقب مجيء عطيات من الخارج ومعها الخبز والفول اللذين ذهبت لشرائهما من الشارع القريب ..
ولمحت أم عطيات المعلم طلبة يتوكأ على عصاه فى الحارة بشاربه الأبيض الكث وهامته المحنية قليلاً، التي يحاول أن يقيمها فى عناد، ومسبحته التي لا تستقر حباتها لحظة بين أصابعه، وابتسمت فى مرارة وسخرية..
الله يجازيك يا معلم طلبه ويسامحك!
وعادت صور الماضي إلى رأسها .. المعلم طلبه يواسيها فى وفاة زوجها فقد كان أعز أصدقائه، ويتردد على البيت ويساعدها فى بيع قطع الأثاث لسد حاجات المعيشة، المعلم طلبة يبحث لها عن حجرة متواضعة على سطح البيت الذي يسكنه بدلا من الشقة التي تكلفها كثيرا دون داع .. المعلم طلبة يتبسط معها فى الحديث إلى حد المداعبات، ثم يبدأ الإغراء المكشوف صراحة عندما أعيته الحيل، وهي مضطرة إلى ملاينته لما له عليها من فضل .. كانت تحس أحيانا أنها مندفعة بكل شوق الأنثى وإحساسها بالفراغ والوحدة وبكل حاجتها إلى الحماية والمساعدة، لكنها لم تستسلم .. كانت تتماسك فى النهاية .. كانت صور زوجها ونظراته الطيبة تصب فى عنقها دافقاً من الهدوء والسكينة، وكان صوت عطيات وهى تطلب منها ثمن كراسه للحساب أو تُلقي رأسها الصغير على صدرها يطرد من نفسها كل وسوسات الشيطان. وكان المعلم طلبة رغم ذلك أضعف الأخطار التي صادفتها فى رحلتها الطويلة!
آه من قسوة الحاجة، وآه من الناس كل الناس الذين تعاملت معهم .. حتى صاحب البيت الذي سكنته مع زوجها أكثر من خمس عشرة سنة وأخذ من إيجار الشقة ما يوازي ثمنها أو يزيد ظل يحاول استغلال حاجتها وضعفها، لو كانت تملك المال لاستطاعت أن توقف كل واحد عند حده، لو كانت موظفة مثلا لما اضطرت إلى ملاينة أحد هؤلاء الذئاب .. لكن لا بأس!
وتذكر أم عطيات كيف هدتها الحيلة إلى الجلوس على رأس الحارة تبيع الخضروات، لقد كانت هذه إحدى حسنات المعلم طلبة الذي رضي أن يقرضها عدة جنيهات أخرى لتكون لها رأس مال، وتذكر كيف صممت على أن تكون عطيات موظفةً، امرأة حرة قوية، تلبس أجمل الملابس، وتكلم أكبر كبير بشجاعة، كلام الند للند، ولن يساومها إنسان على شرفها لأنها ليست محتاجة إليه فى شيء.
نعم، لن تسمح بتكرار المأساة، لن تسمح لأحد أن يسقي ابنتها نفس الكأس الذي ذاقت مرارته وحانت منها التفاتة إلى الحارة فإذا بعطيات قادمة إلى البيت في سرعة، فأشارت لها أمها بكلنا يديها في فرحة صائحة .. اجري يا عطيات اجري .. ورفعت عطيات رأسها إلى أمها مرسلةً إليها قبلةً عبر الهواء وهي تسرع إلى الداخل.
تضع عطيات ما بيدها وتندفع إلى أحضان أمها التي مدت ذراعيها من الفرحة.
- مبروك يا عطيات .. ألف مبروك يا حبيبتي.
- الله يبارك فيكى يا ماما ..
- النهاردة أسعد يوم فى حياتي .. خلاص يا حبيبتي أنا ارتحت وأقدر أموت وأنا مطمئنه عليكي.
- يا ماما ... لسة بدري.
- الله .. لكن من عرفك بالخبر يا بنتي؟ .. البوسطجى قابلك .
- بوسطجي؟ لا يا ماما .. دا محمود .. الأسطى محمود صاحب ورشة العربيات اللي في آخر الشارع ابن المعلم طلبة.
وسكتت عطيات في حياء وهى تسرق نظرة إلى وجه أمها ..
ـ ما له يا بنتي؟
ـ سيحضر بعد ساعة مع والده ليخطبني منك .. إنه يحبني .. وأنا ..
واندفعت عطيات مرة أخرى إلى أحضان أمها، وتعانقت المرأتان.
وسُمعت زغرودة حادة من مذياع في البيت المقابل، وسقطت دمعتان كبيرتان على ظهر كلتا المرأتين المتعانقتين لكل دمعة منهما معنى مختلف عن معنى الدمعة الأخرى!