رد: مع الروائي محمد جبريل
(2)
*ما لا نــــــــراه*
....................
لا أذكر كيف ، ولا متى ، تنبهنا إلى قدرة أمنا على رؤية ما لا نراه . تغمض عينيها ، أو تشرد بهما . تهمس بالمتوقع والمحتمل .
لم يعد يشغلنا حتى اختلاط أسمائنا على لسانها . الصحيح هو ما تتحدث به عن الصور التى تراها وحدها . تتوه عيناها ، ترحلان إلى نقطة بعيدة ، غير مرئية . تحك جبينها بأطراف أصابعها ، كأنها تستدعى الذاكرة ، أو تتثبت مما ترى . تتحدث عن الذين رحلوا ، والذين نرقب مجيئهم . تذكر أسماء لا نعرفها ، ولا سمعنا بها من قبل . ربما أقارب أو أصدقاء أو جيران ، أو متوارين فى الذاكرة من الأيام البعيدة . تتطلع إلى صورة أبى على الجدار ، تحكى له ما حدث فى يومها ، وما تتوقعه . تشكو متاعبها ، وتتحدث عن مخاوفها وقلقها . لا تعنى بتبين ما تقوله على وجوهنا ، وما إذا كنا نصدقه ، وإن صحت توقعاتها فى كل الأحيان ، وكانت تجيد قراءة أفكار الآخرين دون أن تأخذ منهم وتعطى . تشعر بالميل لمن تلتقى بهم ، أو يداخلها النفور ، بلا أسباب محددة .
كانت أمى تتلو أدعية والمعوذتين وآية الكرسى ، قبل أن تطأ عتبة البيت فى خروجها إلى مقام سيدى كظمان القريب . تجلس بين يديه . تلتمس النصيحة والمشورة والنصفة والمدد . وكانت تتردد على المنجمين وقارئى الكف والفنجان والطالع ومفسرى الأحلام ، تتعلم صنع وسائل درء خطر العين والجان وأعمال السحر ، وأسرار الحروف والتصريفات والطلاسم .
ربما أغلقت عليها حجرتها من الداخل . نرهف أسماعنا إلى الصمت السادر ، تقطعه لحظات من تلاوة القرآن والأدعية لطرد الأرواح الشريرة ، والابتهالات والأغنيات الحزينة كالتعديد .
كانت تخاطب الشمس والقمر والنجوم والبحر والعتمة والفضاء . تشفق على الثور الذى يحمل الدنيا على قرنيه ، وإن لم تفقد الثقة فى أن الملائكة لن يتركوا النجوم من أيديهم ، حتى لا تسقط على الأرض .
تتحدث عن قوة النوات وتأثيرها . تصدر حكمها على نزول المطر وغياب الشمس وارتفاع الأمواج وتكاثف السحب والمناطق الصالحة للصيد . تخرج إلى الساحات الخالية والخرابات والبيوت المهجورة . تخاطب من تلتقى بهم . تراهم ولا نراهم . أطياف وأشباح وكائنات مختفية . تهمس ، فى مواجهتهم ، تنفعل . تطيل الصلاة والتسابيح . تتجه بدعواتها فى اللحظات التى تأمل أن تكون فيها أبواب السماء مفتوحة . تلجأ إلى النوم لتجد توقعاتها فى الأحلام .
قالت إنها رأت ـ فيما يرى النائم ـ أخى باسم فى حضنها ، قبل أن يبلغ عامه الثانى . هبط طائر ضخم ، فانتزعه بمخالبه ، ومضى فى أفق السماء . شددت على باسم ، فلم يخرج من البيت ثلاثة أيام كاملة .
اعتادت الكوابيس التى تدهمها بما يخيفها .
تصحو ـ بتأثيرها ـ متلفتة ، تحوقل ، وتبسمل . أشباح وظلال وكائنات تملأ الحجرة بأجسامها الغزيرة الشعر ، وعيونها التى تصدر ما يشبه النار .
تعددت تحذيرات أمى من لدغات قناديل البحر ، والسباحة فى الغميق ، وجذب السمكة الرعاشة ، وأذى حيوان الطريق ، والحسد ، ومن العفاريت والمردة والغيلان ، ومن الأشكال التى تتخذها مخلوقات العالم السفلى ، كالثعابين والعقارب والكلاب والقطط . ولأن الماء طاهر ، فهى توصينا بالاغتسال فى ماء البحر . وكانت تتشاءم من العطس ، وتعتبر رفة رمش العين اليسرى نذير شؤم ، العكس يحدث من رفة العين اليمنى . وكانت تفسر الظواهر ، والأشياء الغامضة ، وما لا نستطيع فهمه ، أو إدراكه ، وتكشف عن المجهول ، وتخبر عن المغيبات . ترى ما يحدث فى الأماكن البعيدة . تجيد قراءة ما يترسب من بقايا القهوة فى قاع الفنجان ، وحوافه ، وبقايا الشاى فى الكوب ، والقواقع ، والأصداف ، والرمل .
أدركت أن أرواحاَ شريرة ستطبق على روح جارنا شيخ الصيادين حسن سليمان .
عنفها خالى أنور لأن الرجل صحته جيدة ، صوته يعلو بالزعيق من شرفته فى الطابق الثانى ، أسفل شقتنا .
رأت أمى نجماً مذنباً يتهاوى فى أفق الأنفوشى .
قالت كأنها تحدث نفسها :
ـ مسكين يا شيخ عبد الصمد .. نجم حياتك يسقط !
الشيخ عبد الصمد إمام جامع البوصيرى . نحبه ، ونتردد على دروسه بعد صلاة المغرب ، نسأله ، ويجيبنا , ونتعلم على يديه ، ونعقد حلقات الذكر من حوله .
نفضنا رءوسنا من السؤال ، إن كان أجل الشيخ عبد الصمد قد حان . اكتفينا بالصمت ، عندما قدم أخى حجازى قبل العصر ، يعتذر بتأخره لأنه سار فى جنازة الشيخ عبد الصمد .
لم نعد نملك التنبؤ بما يشغل أمى ، ولا التوقعات التى تراها .
تراقب تقلبات الجو ، والكسوف ، والخسوف ، وتهاوى الشهب والمذنبات ، وتحليق الطيور ، ووميض البرق والرعد وسقوط الأمطار .
ربما لجأت إلى عرائس البحر ، تراها ولا نراها ، تطلب عونها فى إنقاذ البلانسات التى تحدس أن الخطر يتهددها . تكتفى بالقول : صدقنى . وترفض القسم بالله ، أو بالرسول ..
تحرص ـ ليلة كل جمعة ـ على كنس كل حجرات البيت والصالة والساحة الترابية الصغيرة أمامه ، لطرد سكان العوالم السفلية . تنتقل ـ بأوعية تمازج البخور والعنبر واللبان والمر والجاوى ـ وهى تتلو آية الكرسى ، بين حجرات البيت ، توزع روائحها فى الزوايا والأركان . تخرج من البيت فى غير موعد . تدس جسدها فى الثوب الأسود ، الواسع ، وتسدل على رأسها وكتفيها شالاً من القطيفة السوداء .
لم تكن تطأ عتبة باب البيت إلا بعد أن تردد آيات القرآن والأدعية ، وتتوضأ . تسميه وضوء الطريق . يلى أداء الصلاة وما يسبقها من وضوء . تتردد على بيوت الجيران . تنصت إلى حكايات النساء عن أخبار النوات وأحوال البحر والصيد والزواج والطلاق والحمل والولادة .
تمضى فى شارع السيالة إلى نهايته .
تميل ناحية سيدى كظمان . تلمس المقصورة النحاسية ، والمقام ذا الثوب الأخضر . تقترب بشفتيها من المقام كأنها تهم بتقبيله . تهمس بما يصعب سماعه . تخص به الولى الثاوى داخل الضريح . تسكت ، وتصيخ سمعها .
نحدس أنها تأخذ من ولى الله وتعطى ، تسأله ويجيب ، تطلب منه العون فيما يشكل عليها . تتلو ـ من الذاكرة ـ أدعية وابتهالات وأوراد . تثق فى استجابة السماء لدعواتها .
تسلم نفسها ـ فى عودتها إلى البيت ـ لشرود ، نغيب ـ من خلاله ـ عن عينيها ، فى متابعتنا المشفقة .
حين سافر خالى عبد المنعم لأداء فريضة الحج ، طلبت منه أمى أن يشترى لها كفناً مغسولاً بماء زمزم ..
أبدى خالى انزعاجه :
ـ لماذا ؟
قالت أمى :
ـ ربما مات المعلم شتا جارنا فى الطابق الأرضى ..
ثانى يوم وضعت فيه أمى الكفن المغسول بماء زمزم فى دولاب حجرتها ، تعالى الصوات من شقة المعلم شتا ..
أظهر خالى أنور استغرابه لما أوصتنى أمى ـ وهى تعطينى الزجاجة البيضاء الصغيرة ، بداخلها تراب ـ أن أضع الزجاجة فى يد خالتى نفيسة صاحبة المسمط أول شارع المسافرخانة :
ـ لماذا فعلت ذلك ؟
قالت :
ـ لكى تتذكر أنها ستموت !
توقعت أن تموت خالتى نفيسة . صح التوقع فى صباح يوم شتوى .
عادت أمى بصدق حدسها إلى أولياء الله الذين يحيطون ببحرى ، ويعيشون فى قلبه ، بأضرحتهم ومقاماتهم ومساجدهم وزواياهم ومكاشفاتهم وبركاتهم التى لا تنتهى . قدمت النذور والهدايا ، كى يساعدها أولياء الله على ما تطلبه أو تتمناه .
اقتصرت كلماتها على الإيمان والطهر والنجاسة والإثم والقيامة والجنة والنار والتوبة والسقوط والندم والقضاء والقدر والمكتوب والحساب والثواب والعقاب . تقرأ عدية ياسين لتسهيل الأمور وتحقيق المراد . تعيد تلاوتها بما لا يحصى من المرات . كلما استزادت من التلاوة ، صارت التلبية أقرب . تغمض عينيها ، تروح فى عوالم لا نتبينها .
تحدث الجيران عن أعمال كأنها المكاشفات ، نسبوها إلى أمى . قالوا إن توازنها اختل وهى تنشر الغسيل فوق سطح البيت . سقطت على أرض الشارع الترابية . قامت دون أن يلحقها أذى . وقالوا إنها تتنبأ بالنوة من همس النخيل ، فى امتداد شارع رأس التين ، وقالوا إن لها قدرة ـ بمجرد لمس الطعام بإصبعها ـ على التأكد من طزاجته .
حين طال عقم فاتن زوجة الصياد إبراهيم الخولى ، أرقدتها أمى على ظهرها ، ومسحت على بطنها براحة يدها ، وهى تتمتم بأدعية ، فظهر الحمل على فاتن قبل أن ينتهى الشهر .
قيل إنها نادت على متولى الجرسون فى القهوة المقابلة للبيت . طالبته بأن يحذّر سكان البيت رقم ثلاثة فى شارع الكنانى ليخلوه قبل أن ينهد عليهم . أهمل السكان تحذير أمى ، حتى فاجأتهم قرقعة الأسقف الخشبية ، فجروا بالملابس وحدها .
روى أخى باسم أنه استمع إلى أمى تطل من النافذة المطلة على الساحة المقابلة لسيدى نصر الدين ، تخاطب أطيافاً غير مرئية ، تسأل وتجيب .
احتضنتها بنظرة إشفاق . حدست أن الصور والملامح تختلط فى ذهنها وتتشابك . تتشكل بما يخترعه خيالها ..
لم نصدق ما قاله الشيخ رمضان خادم سيدى ياقوت العرش إن روحاَ شريرة تقمصت جسد أمنا . لكثرة ما تحقق من نبوءات أمنا صرنا نصدقها . نثق فى حكاياتها وما ترويه . نتوقع أن ما رأته ـ فى الصحو ، أو فى المنام ـ لابد أن يحدث .
أطال خالى عبد المنعم التفكير فى قول أمى :
ـ لا تترك لحمك ملقى على أرض الحلقة .
قلب العبارة فى ذهنه ، يحاول أن يتوصل إلى المعنى الحقيقى لها ، وإن ظل على عادته فى الذهاب إلى حلقة السمك كل صباح ، يزاحم الصيادين والسماكين والطاولات والطبالى والقفف وألواح الثلج ورائحة الزفارة . يحصل على شروة ، يبيعها فى شوارع الرمل .
أدرك خالى ما قصدته أمى بقولها ، لما رسا المزاد ـ فى صباحات متوالية ـ على معلمين من خارج الإسكندرية . عرف الطريق إلى قهوة الزردونى بشارع السيالة ، يشرب الشاى ، ويفكر فيما ينبغى عمله .
اعتاد أخى حجازى أن يستكين إلى وضع رأسه ، على فخذ أمى ، فى جلستها المتربعة . تمسد رأسه ، وترقيه ، وترنو إلى فراغ الحجارة تتبين ما لا نراه .
حين اشتدت السخونة فى جسده ، طلبت ماء مالحاً ، وبصقت فيه . دعكت جبهته ، ومسحت جسده ، فهبطت الحرارة ، وتماثل للشفاء .
وعد حجازى أمى أن تصحبه إلى صخرة الأنفوشى . ولما نسى اصطحابها ، وركب الموج إلى الصخرة ، وجدها جالسة تنتظره .
صار حجازى يستأذن أمى ، حتى فى التصرفات الصغيرة . ما لا تعرفه من ظروف حياته . يكتفى بإيماءة ، أو عبارة مقتضبة ، أو هزة رأس . يفسرها بالموافقة أو الرفض . تعد ما تذكره له بأصابع مرتعشة .
غابت نوة قاسم ، فتصور الرجال أنها لن تجىء . ركبوا البحر فى البلانس " عواطف " . فاجأتهم النوة بعد أن جاوزوا البوغاز . غرق كل من فى البلانس ما عدا حجازى . عصمه الحجاب الذى دسته أمى بين ملابسه ، فعاد سالماً .
أنهى حجازى أوراقه للعمل فى البلانس " ثريا " . رحلاته بين الأنفوشى وطرابلس الغرب .
أدت أمى ـ فى حجرتها ـ صلاة استخارة ..
غادرت الحجرة بملامح خائفة :
ـ ابحث عن عمل آخر ..
نوة قاسم أغرقت البلانس خارج الإسكندرية .
احتفظت أمى بهدوئها وصمتها ، بين صيحات أخوتى وصراخهم ونحن حول طبلية الطعام . يتبادلون الاتهامات واللمز والشتائم ، ويتوعدون ..
تكررت الأسباب ، فلا أذكر السبب ..
علا صوتها بما لم نتوقعه . هزت يديها فى الفراغ تطلب الصمت . جالت فى ملامحنا الساكنة ، المتوترة ، بعينين حزينتين ..
تملكنا الذهول حين قالت :
ـ لا مستقبل لكم !
توقفت يد أخى باسم باللقمة قبل أن تصل إلى فمه . استغرقتنا المفاجأة والصمت ، فى جلستنا حول الطبلية ، لا نقرب الطعام ، ولا نحاول حتى النظر إليه ..
بدت العبارة كاللطمة القاسية . حل فى داخلى خوف : ماذا تعنى أمى ؟ لماذا لا تعيب على إخوتى أفعالهم ، وينتهى الأمر ؟
ظل صوت أمى فى إلحاحه . أخاف ما لا أستطيع فهمه ، ولا التعرف عليه ، ولا مواجهته ، أشبه بالمخلوقات التى تشفق أمى من أن تؤذينا بأفعالها . تراها وحدها ، وتكلمها ، وتدعوها ـ بالرقى والتعاويذ والبخور ـ إلى لزوم حياتها .
عمق من خوفى أنها تخلت عن إيمانها بالقوى الخارقة ، وبمكاشفات أولياء الله وبركاتهم .
اختلطت مشاعرى وتشابكت ، وإن تغطى الأفق بسواد قاتم ..
قاومت التردد فى وقفتى أمام حجرة الشيخ مبروك ، على يمين مدخل سيدى نصر الدين . أهمل ما بيده من قراءة ، واتجه ناحيتى بنظرة متسائلة ..
تكلمت عن أمى . ما تراه ولا نراه . ربما طرأ على صوتها تغير . وكان التلعثم يعرو نطقها ، فيصعب عليها التعبير ، تتداخل الكلمات فى غمغمات غير مترابطة .
لجأت إلى علم الشيخ مبروك . يحفظ الكثير من الحكم والأقوال المأثورة والمواعظ . يجيد التنجيم ، وقراءة الطالع ، وقراءة الأوراد . يكتب التمائم والأحجبة ، للشفاء من المرض ، والسلامة فى السفر ، والنجاة من التوقعات المخيفة .
أوصانى ـ وأنا أهبط درجات الجامع إلى شارع السيالة ـ بأمى ، وبأنفسنا .
طالت جلستى فى الصالة التحتية ، حتى لجأت إلى فراشها .
ظللت خارج الباب ، أصيخ السمع لتلاوتها آيات القرآن ، وترديد الأدعية , وقراءتها فى كتب توصى إخوتى بشرائها ، أو تشتريها بنفسها ، من باعة شارع النبى دانيال . وكانت تدس تحت وسادتها حجر صغير أسود ، يطرد الأشباح والأرواح الشريرة والحقد والغضب والتسويف والمماطلة .
حل الصمت فى العتمة ، وعلا صوت تنفسها . تسللت إلى موضع سريرها . أهتدى بالضوء الشاحب المنبعث من الطرقة .
وشى شخيرها المتقطع بما عانته فى أثناء النهار . ترددت على أولياء الله فى بحرى ، واستغرقت فى تلاوة القرآن وقراءة الأدعية والأذكار ، وأطالت الوقوف فوق سطح البيت ، ترقب السماء ، وتبدلات الجو ، والأصوات المترامية من خليج الأنفوشى .
كانت قد تمددت على جنبها ، وأسندت رأسها على راحتها المبسوطة .
أدنيت الحجاب المطوى فى ورقة صغيرة كسيجارة ملفوفة . غالبت الارتباك والخوف وأنا أتأمل رقدتها الساكنة . بدا نفاذ الورقة المطوية داخل الشعر صعباً من زيق الإيشارب الملتف حول رأسها . فتحة الأنف بعيدة عن الموضع الذى يهمنى أن تصل إليه الورقة . دفعت بورقة الحجاب الصغيرة داخل فتحة أذنها . أحاذر صحوها ، أو تحركها . كتب الشيخ مبروك فى الورقة ما يهمنا أن تتوقعه أمى . ما يخالف رؤاها وأحلامها فى العوالم الخفية ، والكائنات التى تراها ، ولا نراها ..
|