علي محمد علي الغريب
.................................
*كاتب مسرحي، ولد في قرية نشا محافظة الدقهلية بمصر عام 1969م، وهي نفس القرية التي ولد بها وزير الثقافة المصري السابق الدكتور بدر الدين أبو غازي، والمثال المشهور محمود مختار، خال الدكتور أبو غازي.
*حاصل على ليسانس الآداب في اللغة العربية، ويعمل صحفياً منذ منتصف التسعينيات، وهو الآن سكرتير التحرير بموقع المرأة (لها أون لاين) على الإنترنت.
*يجمع إلى اهتمامه بالأدب المسرحي الاهتمام بالدراما وكتابة السيناريو للتلفزيون، وكتابة القصة القصيرة.
* صار مجالا للبحث في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (علي محمد الغريب كاتبا مسرحيا)
*عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
*عضو مؤسس في سلسة (قصص قصيرة) التي صدرت 2001م
إنتاجه الأدبي:
1ـ المسرح المدرسي (مسرحيات بالاشتراك) مطبعة النرجس بالرياض 1999م
2ـ محروس طالع القمر(مسرحية في أربعة فصول) دار الوفاء لدينا الطباعة ـ الإسكندرية 2000م
3ـ حورية بني كنعان (مسرحيات) سلسلة أصوات معاصرة 2001
4ـ المضحكة (مسرحية في ثلاثة فصول) دار هبة النيل العربية ـ القاهرة 2004م
5ـ قصص الحروف (سلسة تعليمية للأطفال) دار الحضارة للنشر والتوزيع ـ الرياض 2004م
6ـ قصص الأرقام (سلسلة تعليمية للأطفال) دار الحضارة للنشر والتوزيع ـ الرياض 2004م
7ـ أمريكا 2055 (مسرحية في ثلاثة فصول) دار الإسلام للطباعة والنشر ـ المنصورة 2005م
8ـ حلاق بغداد الجديد(مسرحية في ثلاثة فصول) مخطوط
9ـ بنات حتشبسوت (مسرحية في ثلاثة فصول) تحت الطبع
دراسات:
*كتبت عن مسرحه دراسات بأقلام الأساتذة:
د. حسين علي محمد.
د. حلمي محمد القاعود.
د. خليل أبو ذياب.
خالد عبداللطيف.
بقلم: علي محمد الغريب
................................
ليس هناك ما هو أحب إلى الإنسان من مرابع الصبا، ففيها الحنين الدائم لأيام التفتح على الحياة، وفيها مستودع الذكريات والمشاعر الإنسانية بما تزخر به من لحظات الفرحة والألم!
وفي حياة المسلم تعد المدينة المنورة من مرابع الصبا المعنوي، حيث تتزامن نشأة الإنسان وطفولته في محيطه الصغير مع سماعه لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وهو ما يخلق شوقا موازيا وصورة ربما كانت أبهى من الصورة المباشرة أمامه، حيث يصنعها خيال كل إنسان على قدر ملكاته وقدراته وأشواقه أيضا. لذلك فإن الحديث عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحديث عن الذكريات الجميلة، التي تلقيناها في المسجد أو في المدارس وحلق التحفيظ ونحن أطفال صغار.
وفي صخب الحياة وضجيجها، واصطراع الأحداث من حولنا، نرتد إلى أنفسنا نفتش عن منطقة آمنة نلوذ بها، فلا يسعفنا إلا ترائي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ـ هذه الوجوه المنيرة التي حُفرت في الكيان وصاغت الوجدان ـ نستلهم من سيرتهم كل معاني الحياة في أدق تفاصيلها، فتهتف القلوب طربا، ولا تجد لها متنفسا إلا بين ربوع الروح وملاعبها، هناك في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث الأمان المطلق، والسعادة الغامرة، بل الانعتاق من الهموم فيما يشبه مغادرة هذه الحياة والخوض في حياة الأطهار السابقين. ففي أي مكان تتجه في المدينة تجد آثار الرجال الكبار أمامك تذكرك بماضيك وتربت على روحك وتذكرها بلحظات الشوق الجارف والحنين إلى رؤيتها قائلة لك ها آنا بين يديك وملء عينيك فاشبع، فتسرع في لهفة لتنهل وترتوي، لكنك تنهل وتنهل ولا تشبع أبدا!
*****
الهروب من صخب الحياة إلى نعيمها في المدينة كان قررا قديما ينتظر تهيؤ الفرصة التي تمكن الأصدقاء من الانطلاق نحو مرابع الروح، وفي أمسية من أمسيات الشتاء كنا في بيت صديقنا المذيع التلفزيوني أبكر الشريف، الذي راح يحدثنا بكثير من الشوق عن برنامجه "مدينيات" الذي يتناول المدينة المنورة من جميع الجوانب، ويحدثنا بسعادة واضحة عن المتعة الروحية التي عاشها أثناء إعداده لهذا البرنامج والسفر من وإلى المدينة، فينطلق زميله في المحطة الفضائية محمد الجبني قائلا ما رأيكم لو أننا رتبنا رحلة إلى المدينة نروى فيها الأشواق ويأخذنا أبكر إلى هذه العوالم التي لا نتمكن من الوصول إليها حين نزور المدينة ضمن حملة كبيرة نكون فيها مقيدين ملزمين بمواعيد ومرتبطين برحلة في ساعات محدودة؟
لمعت الفكرة في الأذهان واستحسنها الجميع، وداعب بعضنا الجبني قائلا أول مرة تأتي بفكرة تستحق الإشادة، فضحكنا وضحك ـ كعادته ـ ضحكة صافية تنم عن قلب أبيض محب لكل من حوله.
حددنا يوم الأربعاء 21 محرم 1429هـ موعدا للانطلاق، وبعد يومين أخبرنا صديقنا المفكر عصام الأحمر أنه حجز لنا سكنا في فندق قصر الأمل. كنت أنتظر هذا اليوم على شوق كبير. وحان وقت الرحيل إلى مرابع الروح، فانطلقنا من مدينة الرياض في سيارة زميلنا المخرج التلفزيوني هاني عبدالله، عقب صلاة العشاء، وأخذنا كل ما نستطيع من ملابس وأغطية تحسبا لبرودة الطقس. سرنا في الطريق على بركة الله بعد أن قلنا أذكار ركوب السيارة وبدأنا في برنامج الرحلة.
كلفني مشرف الرحلة إيهاب مختار بتولي الجانب الثقافي في الرحلة، وكان قد أخبرني بذلك قبل السفر بعدة أيام، كنت أفكر خلالها أن يكون برنامجنا فيه شيء مختلف هذه المرة بعيدا عن الأنماط السائدة في مثل هذه الرحلات التي تعتمد على كتاب جاهز في أسئلة المعلومات العامة والألغاز، وأحببت أن تكون رحلة مميزة في هذا الجانب، فهداني الله تعالى إلى فكرة لاقت استحسان الجميع فيما بعد.
كان برنامجي الذي أخبرت به رفاق الرحلة الأربعة أنه سيقوم على محور واحد فقط وهو أن كل شخص يعرفنا بنفسه تعريفا تفصيليا، من حيث النشأة والتكوين، ماذا يحب في هذه الحياة وماذا يكره، وأهم القرارات المصيرية في حياته، علاقاته بالناس، لحظات الانتصار ولحظات الانكسار..إلخ.
لم أتوقع أن تستقبل الفكرة بهذا الترحيب من قبل الأصدقاء، فانطلقنا في الحكي الطويل، بطول الطريق الذي يبلغ أكثر من 700 كيلو متر، والسيارة تشق الطريق كأنها في سباق مع الريح والليل ساكن من حولنا والأضواء تلوح لنا من الأفق كأنها حبات عقد كبير يعانق الصحراء.
أحدنا يحكي ونحن نسمع ونصغي ونتابع معه لحظات الفرح والتأزم، نفرح ونضحك ضحكات صاخبة حين يمر الرواي بموقف طريف، وتنقبض قلوبنا حين يلامس موقفا حرجا أو أمرا كدر عليه حياته.
انتهت الـ 700 كيلو متر ولم نتمكن جميعنا من الحديث والبوح، فقط تحدث أبكر الشريف ومحمد الجبني، وسرد هاني عبدالله جزءا يسيرا من حياته في المرحلة الابتدائية، قررنا على إثره إيقاف البرنامج الثقافي، والانتقال للبرنامج السياحي بإشراف أبكر الشريف ابن المدينة، على أن نعاود حديث الذكريات عند العودة إلى الرياض.
*****
الوقت قبيل الفجر بقليل وأضواء مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقترب منا ونقترب منها، وكلما انطلقت السيارة واقتربت الأنوار كنت أشعر بأن أمنا المدينة فتحت ذراعيها على قدر اتساعهما لتستقبلنا في أحضانها.
دخلنا مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسست بمشاعر دافئة أعرفها من نفسي حين أكون في المدينة فقط، رأيتني أفتح زجاج شباك السيارة وأخرج رأسي وأملأ رئتي في عطش لهواء المدينة ونسماتها. نزلنا إلى فندق "قصر الأمل" وضعنا أمتعتنا القليلة وتوضأنا وهرعنا إلى الشارع نتلمس طريقنا إلى الحرم الشريف. غبطة وفخر ومشاعر متداخلة أشعر بها حين لامست جبهتي مسجد رسول الله. انتهينا من صلاة فجر الخميس وتوجهنا إلى قبر رسول الله صلى عليه وسلم للسلام عليه وصاحبيه الكريمين أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي عنهما. أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تذكرت أول زيارة للمدينة قبل عدة سنوات وتذكرت شابا وقف أمام النبي ثم أجهش في صمت، لكن دموعه غلبته، وتزايدت شهقاته، فيما يشبه الشكوى والانطراح بين يديه صلى الله عليه وسلم ، وكأنه يقول هذه دموعي تخبر عن حالنا وشوقنا إليكم، والناس من حوله من جميع الأجناس والأعراق بربتون على كتفه ويهدئونه. استحضرت هذه الصورة ودمعت عيناي حين طافت بخيالي صور أحداث كثيرة وقعت في نفس المكان الذي أقف فيه.
خرجنا إلى البقيع فزرنا أصحابه وسلمنا عليهم، ثم عدنا إلى الفندق ونمنا إلى ما قبل ظهر الخميس، وانطلقنا للمسجد نستنشق الهواء الطري ونستمتع بشمس الطريق من الفندق إلى الحرم.
صلينا الظهر والعصر، ثم جلسنا نتحدث.. كان الحديث محصورا في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وقد أخذ الحديث منحى اجتماعيا وحضاريا، وتحدثنا حول حضارة الإسلام وكيف أن المسلمين لم يهدموا ما سبقهم من حضارات بل هذبوها وبنوا عليها ما يفيد البشرية، وهذا ما يؤكد أن الإسلام رسالته إصلاحية وهي تركز على ما ينفع الناس عموما بغض النظر عمن هو صاحب الإنجاز.
ثم تحدثنا في أمور شتى من أحوال الصحابة وأننا بحاجة إلى إعادة قراءة هذه السير من الوجهة الإنسانية والاجتماعية وأنهم بشر غير معصومين، حتى لا تكن نظرتنا إليهم نظرة مثالية محبطة تجعلنا نشعر بالعجز عن تمثلهم وتمثل أخلاقهم، ورحنا نعدد لحظات الضعف الإنساني التي تعرض لها الصحابة وموقف النبي منها وكيف عدل مسارها، فتحدثنا عن كعب بن مالك الذي تخلف عن النبي في إحدى غزاوته وهي قصة مشهورة، وتحدثنا عن صلابة كعب رضي الله عنه في الاستدراك على خطئه وموقف الصحابة منه وفرحهم حين نزلت فيه التوبة هو ومن معه، وكيف أنه لم يستسلم لخطئه ولا لمن حاولوا إغراءه بالبعد عن المسلمين، وتناولنا العديد من المواقف المشابهة، التي تحضر فيها لحظات الضعف الإنساني ويتبعها الاستدراك القوي لنؤكد لأنفسنا أننا من الممكن تمثل هذه الأخلاق وأننا مهما أخطأنا فعفو الله أوسع. المهم ألا نستسلم للخطأ وأن نعود من قريب.
أثناء حديثنا هتف أحدنا قائلا والله وددت أن أسجد شكرا لله على هذه المعاني الرائعة، وقال الآخر، أشعر برغبة قوية في الوقوف في ساحات الحرم وأن أصرخ بأعلى صوتي في فخر أنا مسلم أنا مسلم!!
*****
خرجنا من الحرم بعد أن أدينا صلاة العصر وتوجهنا ـ يقودنا مرشدنا السياحي أبكر الشريف ـ إلى معالم المدينة المختلفة، فزرنا المساجد السبعة التي كانت حول الخندق، وزرنا مسجد الفتح، ومحطة السكة الحديد التي أنشأها العثمانيون عام 1908، ثم توجهنا إلى جبل أحد وسلمنا على شهداء الصحابة، وصعدنا جبل الرماة، والتقطنا صورا لسوق صغيرة بالمكان تباع فيه التمور وهدايا الأطفال وما إلى ذلك. قبيل المغرب أخبرنا أبكر عن منطقة اسمها البيضاء وهي متنزه بري لأهالي المدينة وتكثر حولها الأحاديث من أنها منطقة مسكونة بالجن وأن السيارات تسير فيها بالدفع الذاتي دون حاجة إلى وقود أو محرك. ذهبنا إلى البيضاء قبيل المغرب، فوجدنا فيها بئرا قديمة، ولا أثر لجن أو ما يشاع عنها، لكننا كنا حريصين على زيارة أكثر أماكن المدينة من باب العلم بما فيها والإحاطة بجغرافيتها بشكل جيد.
خرجنا من البيضاء إلى منزل صديق لنا يقيم بالمدينة، زرناه في بيته وشربنا معه القهوة واستأنسنا بأطفاله الصغار، بعدها توجهنا للحرم مرة أخرى فصلينا المغرب والعشاء، ثم خرجنا من الحرم وتناولنا عشاءنا وسمرنا قليلا ثم استسلمنا للنوم، ونحن نتبادل الاتهام بالشخير أثناء النوم، ونشدد على منعه أو التخفف منه، وكان صديقنا الجبني أكثر من يوزع الاتهامات علينا بالشخير أثناء النوم وحين أسلم رأسه للوسادة سمعنا معزوفة ناعمة تتصاعد في إصرار على تشنيف آذاننا، لكننا ما لبثنا أن استسلمنا للنوم ولم ندر هل وجد من يطرب لعزفه من بعدنا أم أنه سكت!
*****
استيقظنا قبل فجر الجمعة بساعتين، حسب توجيهات مشرف الرحلة إيهاب أبو حسن الذي كان يشدد علينا في النوم المبكر حتى نستيقظ للقيام والاعتكاف في المسجد قبل صلاة الفجر، وبالفعل نجحت في الاستيقاظ قبل المشرف وتوضأت وتجهزت للصلاة. وكذلك تجهز الباقون بعد مشاكسات الاستيقاظ المعروفة عند هاني والجبني الذي يتحدث وهو مغمض العينين ويصر أنه استيقظ قبلنا جميعا وأننا من نعطله عن الوضوء!
ذهبنا للحرم الشريف قبل الفجر بحوالي 45 دقيقة قضيناها جميعا في الروضة الشريفة ما بين قيام وذكر ودعاء، وقد كانت هذه اللحظات هي قمة الفائدة في هذه الرحلة، فالسكينة والطمأنينة تحوطنا وتغمرنا.. انقضى الوقت سريعا، وصلينا في الروضة بين منبر الرسول وقبره. ثم خرجنا للسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وعدنا إلى الفندق مرة أخرى للنوم حتى نكون نشيطين أثناء رحلة العودة خصوصا قائد السيارة، وفي الحقيقة لم يكن هناك فرق بين القائد والركاب فكلنا مستيقظون لمتابعة البرنامج الثقافي وهو ما يدفعنا جميعا لأخذ قسط واف من النوم.
نمنا واستيقظنا لصلاة الجمعة، وكالعادة أخذنا وقتا في الاستعداد والمشاكسات للفوز بخمس دقائق نوم خصوصا من أبكر الشريف الذي لم ينم معنا الليلة السابقة حيث كان يزور والده وواصل معه السهر إلى ما بعد الفجر. وهو ما جعله يقوم متثاقلا حيث لم يأخذ كفايته من النوم، ولم يزل يطلب خمس دقائق في خمس دقائق حتى عاقبه المشرف بغرامة 30 ريالا، فانتفض من فرشه وتوجه للوضوء والاستعداد للصلاة!
صلينا الجمعة، وصلينا العصر جمع تقديم ثم قرأنا سورة الكهف وانطلقنا إلى السيارة ولم نحتج العودة للفندق فقد وضعنا أغراضنا فيها قبل ذهابنا للمسجد.
تناولنا طعام الغداء في المدينة ثم انطلقنا باسم الله في اتجاه العودة للرياض، وقد خرجنا بأجسادنا وتركنا قلوبنا وأرواحنا هناك حيث بلد حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.
*****
أخذنا طريقنا للعودة وعاد الميكرفون إليّ حيث الإشراف الثقافي، فرحبت بالركاب الأعزاء وطلبت استئناف الحديث، وعدنا مرة أخرى إلى صديقنا هاني الذي كان قد توقف في سرد سيرته عند المرحلة الابتدائية ليكمل حديثة في تدفق وعذوبة.
لا أتردد في القول بأن كل الأحاديث التي دارت في هذه الرحلة جديرة بالسرد بأدق تفصيلاتها، فهي تحمل تجارب إنسانية وخفقات قلوب وقيما كثيرة. لكنني أتوقف في هذه المساحة حول تجربة واحدة من عشرات التجارب التي استمعنا إليها مفصلة على مدى أكثر من 14 ساعة من الحكي المتجرد الذي يشبه الاعتراف!
اكتفي هنا بالحديث عن تجربة هاني مع أخيه عثمان رحمه الله ذاك الفتى الأسمر الشجاع ابن الـ 25 ربيعا الذي داهمه "سرطان الأمعاء" وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وهو ما يزال طالبا جامعيا بالفلبين، يتردد بين الرياض والفلبين لتلقي العلاج في إرادة عجيبة وأمل قوي في الحياة ومواصلة الدراسة، لكن حالته تتدهور، ولا يملك أخوه الأكبر هاني غير روحه ووقته ودموعه ليقدمها لأخيه عثمان، كان هاني يتحدث عن عثمان كما يتحدث الأب عن أغلى وأحب أولاده إلى قلبه، يقول هاني إن عثمان كان متمسكا بوجوده إلى جواره بشكل دائم، وما يلبث أن يخرج من عنده من مستشفى التخصصي بالرياض ذهبا إلى عمله، حتى يستدعيه عثمان بالتليفون ويطلب عودته إليه في الحال.
بذل هاني وأسرته كل ما في وسعهم لاستنقاذ عثمان من براثن الموت، لكن القدر كان قد أحاط به وبدأت حالته تسوء، ومن أشق الموقف على نفس هاني كما يرويها هو يوم ذهب إلى المستشفى ووجد عثمان متغيرا ومعرضا عنه وعن الحياة وحين اقترب منه ليعرف السبب علم أن الطبيب الاستشاري زار عثمان وطلب منه أن يجهز وصيته لأن أيامه معدودة، حينها كان هاني يهدر في طرقات المستشفى متسائلا عن الذي أعطى هذا الطبيب الحق في تقرير آجال الناس، أو التحكم في أعمارهم، فضلا عن هذه الطريقة التي تخلو من معاني الرحمة والإنسانية!
لم ييأس هاني وراح يبحث عن كل أمل مهما كان ضعيفا أو شاقا وبعيدا، يبذله لأخيه ليستنقذه ويعيده إلى الحياة، وكان من بين الأسباب التي بذلها هو لجوؤه إلى الاستشفاء بقراءة القرآن الكريم من خلال أحد العلماء المشهورين، وبالفعل حمل أخاه دون علم أبويه إلى الشيخ، والخراطيم تتدلى منه، وقام الشيخ بالقراءة على عثمان وأكد لهم أن به عينا ويحتاج أن يجلب ماء توضأ فيه العائن ويشربه عثمان.
رجع هاني وعثمان إلى البيت وقد استراح بعد القراءة بشكل ملحوظ وكان ينام بعمق بعد أن كان النوم قد خاصم عيونه، وهو ما جعل هاني يتوقف عن طلب الماء من الشخص أو الأشخاص الذين يظنون أن العين جاءت منهم.
لم يستمر الحال طويلا وبدأت حالة عثمان تسوء، فذهب هاني إلى الشيخ مجددا وأخبره بالحالة، فقال له الشيخ ليس أمامك إلا أخذ ماء الضوء من الشخص العائن وإعطاؤه له.
كانت صحة عثمان تتراجع بشكل سريع وبدأ يدخل في غيبوبة، لكن أمل هاني في شفاء أخيه لم ينقطع لحظة واحدة، فسافر من الرياض إلى جدة لجلب الماء من هناك، وبعدما تحامل على نفسه وذهب للشخص المراد وطلب منه ماء الوضوء وأسرع الرجل في تنفيذ ما طلب هاني تعاونا منه وحرصا على شفاء عثمان، بعدما فعل هاني كل هذا جاءه اتصال من الرياض يخبره بأن عثمان أسلم الروح لبارئها، فينظر هاني لزجاجة الماء في يده، ويتوجه للمطار من فوره، ويعود بعد ساعات قليلة يفتش غرفة أخيه التي كان يرقد فيها في المستشفى فلا يجده، يذهب إليه في الغسل ويحاول وهو مسلوب الإرادة وبدافع قوى في استعادة أخيه أن يقتحم غرفة الغسل ليصب الماء على أخيه لعله يرجعه إليه، فيمنعه الحاضرون من ذلك، يتشبث هاني بالزجاجة بطريقة لا يفهمها ولا يعرف لها تفسيرا ويتوجه لمسجد عتيقة في الرياض حيث نقلت الجثة للصلاة عليها ويحاول نثر الماء على النعش، فيمنعه الناس، يصلي الجنازة ويذهب للمقبرة، ويرى عثمان وهو ينزل قبره فينخلع قلبه ويشعر بالعجز أمام نفسه، وبعد أن ينصرف المشيعون يخرج زجاجة الماء وينثرها على قبر أخيه ليبرر لنفسه أمام نفسه أنه بذل كل ما في وسعه وأنه قدم كل ما يملك!
كنا نستمع لهاني والسيارة منطلقة بسرعة هوجاء غاضبة، والظلام يخيم على المكان من حولنا ولا نرى إلا رؤوس الجبال السوداء أو أضواء تلوح من بعيد، وبكى هاني وبكينا.
بعدما سمعت سيرة هاني أدركت معنى الحزن العميق الذي يعانق عينيه حتى وهو في قمة لحظات الفرح، وأدركت كم يجمعني به وبمن معنا الكثير من السمات والملامح النفسية التي تجعلنا نأنس ببعضنا ونبث بعضنا هموم بعض..
يحاول الجبني أن يخرجنا من هذا الجو المتوتر فيصرخ في هاني أكمل لنا بقية قصة الحب التي عشتها في الجامعة فيرد عليه هاني محاولا مساعدته في تجاوز هذا الموقف: اسكت أنت يا أبو صلعة فيضحك ونضحك جميعا.
*****
انتهى الطريق ووصلنا الرياض لم ينته البوح، وحمدنا الله على هذه الرحلة المباركة التي اقتربنا فيها من بعضنا كثيرا وتوطدت أواصر علاقتنا بشكل لم نكن نتوقعه.. وكنا ونحن نودع مسؤول الرحلة نقول له: ها.. أين الرحلة القادمة يا ترى؟
«مقالات مختارة لأعلام البيان» كتاب جديد لعلي محمد الغريب
.................................................. .......................
«أوراق خضراء: مقالات مختارة لأعلام البيان» كتاب جديد لعلي محمد الغريب،
كتاب جديد يضم مقدمة وعشرين مقالة مختارة: لإبراهيم اليازجي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وأحمد حسن الزيات، وعلي الطنطاوي، وحسين علي محمد، وحلمي محمد القاعود ... وغيرهم.
صدر الكتاب في 160 ص عن دار هبة النيل العربية، بالقاهرة.
رئيس تحرير السلسلة علي الغريب، ومدير التحرير فرج مجاهد.
ومستشارا التحرير: د. حسين علي محمد، ود. عبد المقصود محمد عبد المقصود.
والكتاب الآن في المكتبات.
مسرحية "الدنيا فوضى"
تسخر من دعاة تحرير المرأة وتفضح أهواءهم
بقلم: علي محمد الغريب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتب الشاعر والمسرحي الكبير الأستاذ "علي أحمد باكثير" (1910 ــ1969م) ــ رحمه الله ــ مسرحية "الدنيا فوضى" في عام 1952م في وقت اشتدت فيه الحملات الضارية على نسائنا وبناتنا، تغرر بهن وتدعوهن للخروج على الدين والتحلل من قيمه بدعوى التحرر وممارسة الحقوق المشروعة، وحضهن على أن يستبدلن بالتستر العري، وبالخفر التبجح ، فزلت أقدام كثيرة، عاد بعضها، وأكثرها ذهب مع الريح!
وليس معنى هذا أنّ هذه الحملات توقفت الآن، فهم ما زالوا بيننا نراهم كل يوم يطالعوننا في كل وسائل الإعلام، الوجوه نفسها والعبارات نفسها، لكن الفرق بين أهل هذا الزمن والزمن الماضي على مستوى الطرفين، أن أصحاب هذه الدعاوى طوروا أنفسهم، ولغة خطابهم، أما الطرف الآخر وهم الفتيات والنساء فإنّ أكثرهن اكتشفن بطلان هذه الدعاوى بعد سقوط الكثير من أقنعتها، ولم يعد يتبع هذا اللغو الفارغ إلا اللواتي أردن السباحة في لجج آسنة، وهن على دراية بما يفعلن، لكن لا يخلو الأمر من بعض النماذج المهزومة التي تسير مع القطيع في كل زمان ومكان.
أ- قراءة في النص
المسرحية من "الكوميديا" الاجتماعية الراقية، وهي تقع في ثلاثة فصول، متقاربة الحجم، يبدأ الفصل الأول بدخول "أحمد مختار" ـ بطل النص ـ جمعية "لافام موديرن" أو: المرأة الحديثة، التي ترأسها خطيبته وابنة عمه "سونيا".. يتجول في المكتب فتقع عينه على صورة للملكة "حتشبسوت" وقد ركبت لها لحية فبدت مضحكة. يختبئ أحمد خلف إحدى الستائر على إثر سماعه وقع أقدام سونيا، ليراقب ما يحدث في هذا المكتب. تدخل سونيا والدكتورة "غندورة" العانس التي حصلت على الدكتوراة في العلوم من جامعة السوربون، وعادت حديثاً حاملة اختراعاً جديداً يحول الرجال إلى نساء والنساء إلى رجال، ما يجعل سونيا تحتفي بها وتتحمس لها، وتعرض عليها كل ثروتها من أجل إنفاذ هذا المشروع الضخم.
ورغبة سونيا لم تأت من فراغ، وإنما وراءها شذوذها وتمردها على طبيعتها الأنثوية، ورغبتها في التحول إلى رجل. يبدو ذلك من علاقتها بسكرتيرتها - الفتاة الرقيقة الحالمة "مهجة"- التي تبالغ في تدليلها ولا ترفض لها طلباً، أما مهجة فمندفعة وراءها عن جهل بما يدور في نفسها، وتسعى أيضاً لتحرير نفسها من تسلط أمها وأبيها؛ لذلك كانت من أوائل اللائي سجلن في الجمعية.
أمّا كاتب الحسابات الأستاذ "سوسو" فمثله مثل سونيا، كلاهما يرغبان التحول عن جنسهما إلى الجنس الآخر، فسونيا تقوم بعمل تمارين رياضية لتقوية العضلات، وسوسو يبالغ في اقتناء المناديل المضمخة بالعطر النسائي النفاذ، ويضحك في نعومة ويمشي في تكسّر!
أمَّا العضوات "زينب ونادية وعائدة"، فهن من المنتسبات إلى الجمعية لتحقيق رغبات متفاوتة، فهذه نادية أعلنت انتصارها على زوجها عندما استطاعت أن ترتدي "الجابونيز" ــ نوع من اللباس المتهتك ــ في حضرته، وأنه ما عاد يجرؤ أن ينطق بنصف كلمة، فيهنئونها على هذا الإنجاز، أمَّا زينب فما زالت تجاهد أخاها الرجعي المتسلط عليها، لكنها لم تذعن له برغم رجعيته، فخرجت بلباسها العادي وحملت الجابونيز معها إلى بيت خالتها وارتدته هناك!
أما عائدة فجاءت في فستان أقرب إلى الحشمة (بنصف كم!) وعندما رأينها غرقن في ضحك صاخب، شغلهن عن رد تحية المساء، فاستفسرت عائدة عن سبب ضحكهن:
عائدة: ماذا جرى يا جماعة؟
نادية: أين نسيت البرقع يا عائدة؟ كيف جئت هنا من غير برقع؟
مهجة: والمنديل أبو قوية.. ما الذي أطاره من رأسك؟
عائدة: هيه فهمت.. كل هذا من أجل الفستان الذي عليّ؟ (في غضب)
تباً لكن! أما تحسنّ غير السخرية والتندر على عباد الله؟ أو كفرت عندكن إذ لبست هذا الفستان؟
يحتدم النقاش بين عائدة وبينهن إلى الحد الذي جعل عائدة تنفر منهن فتلقي باستقالتها في وجه الرئيسة..
سونيا: (محتدة متحمسة) هذا جهل فاضح بتاريخ جهاد المرأة.. ألم تعلمي يا هذه أنّ الرجال كانوا يرغموننا على الحجاب ويمنعوننا حتى من كشف وجوهنا وأيدينا فأخذنا نجاهدهم.. فكلما كشفنا جزءاً من جسدنا.. كسرنا قيداً من قيودنا.. واستخلصنا حقاً من حقوقنا.. فلنمض في جهادنا هذا إلى النهاية!
عائدة: (ساخرة) يا خبر! إلى النهاية؟!
سونيا: (في حدة وإصرار) نعم إلى النهاية!
عائدة: يا ساتر يا رب! لا لا لا لا! أنا عندي زوج وأولاد. خذي استقالتي من اليوم! (تنطلق صوب الباب لتخرج).
سونيا: في ستين داهية أنت وزوجك وأولادك (تومئ للعضوات بأن يهتفن معها) في ستين داهية!
الفصل الثاني:
في الفصل الثاني تتطور الأحداث فيتظاهر أحمد بتفاعله مع الجمعية وحضوره اجتماعاتها، وهي محاولات جادة منه لإجهاض هذه الدعوة، ولكن بدهاء ولطف، فهو يخاطب في كل العضوات صوت الفطرة الأنثوية، ويعمل على تحويل أفكارهن بهدوء، فهذه مهجة قد أوقعها في حبه!!
ولاشك في أن هذه الخطوة غير مرضية - فالغاية لا تبرر الوسيلة - لكن بطل العمل وجميع شخوصه والبيئة التي تدور فيها الأحداث بعيدة عن الفهم الصحيح لمقتضى الإسلام، لذلك تركها المؤلف تتصرف على سجيتها، فنجد أحمد يسعى على قدر فهمه وبضاعته القليلة في هذا الجانب، وبما تمليه عليه ظروفه الخاصة، محاولاً انتشال مهجة وغيرها من مستنقع الشذوذ ومحاربة الفطرة.
يبدأ أحمد في إقامة علاقة جديدة مع إحدى رؤوس الجمعية وصاحبة الدواء الجديد الدكتورة غندورة التي هي في حقيقة أمرها غير مقتنعة بما تفعله، وإنما شبح العنوسة الذي أيأسها من العثور على زوج جعلها تحقد على الرجال الذين لم يقدروا علمها وأنوثتها، وانصرفوا عنها.
ينجح أحمد في النفاذ إلى قلبها والتأثير عليها، وها هي قد ضربت له موعداً في الجمعية قبل حضور العضوات ليتبادلا أحاديث الغرام، التي تكشف لنا عن حقيقة مشاعر أحمد تجاهها من خلال تعريضه في الحديث كما سنرى:
غندورة: أنت يا أحمد، أنت الرجل الوحيد الذي استطاع أن يفتح قلبي بعدما أغلقته عن الرجال طوال عشر سنين!
أحمد: وأنت يا غندورة! أتدرين ما مثلك حين غزوت قلبي بحبك؟
غندورة: هيه؟
أحمد: مثل القنبلة الذرية لما ألقيت على هيروشيما، فاستسلمت اليابان بعدها من غير قيد ولا شرط!
غندورة: ما هذا يا أحمد؟ ألم تجد إلا هذا التشبيه الفظيع؟
أحمد: إنه من حبك!
غندورة: (محتدة) من حبي؟!
أحمد: نعم.. أنت يا حبيبتي دكتورة في العلوم، والقنبلة الذرية من معجزات العلم.
غندورة: إن كان هذا مقصدك فلا بأس.
أحمد: ما قصدت غير هذا يا أجمل دكتورة في العالم.
غندورة: ثق يا حبيبي أنك أنت الرجل الأول والأخير الذي أحببته في حياتي!
ثم تبدي غندورة قلقها على هذا الحب من تلك الفتاة ـ مهجة ـ التي تقف بينهما، لكن أحمد يوهمها أنه يمثل عليها فقط، وأنه لا يحب غيرها، فتنخدع الدكتورة بكلامه أو تنخدع له، فهو تمكن من قلبها واستطاع أن يلامس أوتار الأنثى في فطرتها التي طالما عاندتها وادعت عكسها، ثم تخبره بأنها تخلت عن رغبتها في إنفاذ المشروع، بعدما اهتدت إليه حبيباً وزوجاً في المستقبل، ولا داعي لتجارب تجلب التعاسة للناس، لكن أحمد يتمسك بالمشروع إمعاناً في كشف نفسيتها التي تؤكد أنَّ المرأة مهما حاولت التمرد على فطرتها، فهي لن تكون غير ما أرادها الله تعالى، ولو حاربت نفسها بنفسها.
ولا يقنع أحمد بانقلاب السحر على الساحر مع غندورة وحدها، فيسعى إلى إذعان رئيسة الجمعية ــ سونيا ــ ومن معها كما أذعنت غندورة. توافق غندورة على مواصلة المشروع، لكنها تحذره من الوقوع في الفخ الذي نصبته له سونيا، إذ إنها قررت أن تجرب هذا الدواء عليه، وهنا يتبين لأحمد سر تودد سونيا إليه في الفترة الأخيرة. تنظر إليه غندورة ثمّ ينخرطان في أحلام اليقظة:
أحمد: هل تصورت يا حبيبتي كم تكون سعادتنا إذا تحوَّل الناس جميعاً من جنس إلى جنس، وبقينا أنا وأنت وحدنا على فطرتنا الأولى؟
غندورة: أجل.. سنكون الزوجين الطبيعيين الوحيدين في هذا العالم!
أحمد: يا لها من ميزة لم يحلم بها ملك في الأولين ولا في الآخرين، ولا كسرى ولا قيصر.
غندورة: أتدري يا أحمد ماذا ستنطوي عليه هذه الميزة بالنسبة لك؟
أحمد: هيه..
غندورة: إذا ما تحولت نساء العالم إلى رجال والرجال إلى نساء، فستنتقل السلطة كلها إلى أيدي أولئك الرجال الجدد!
أحمد: الذين كانوا نساء فيما سبق؟
غندورة: نعم.. وحيث إن هؤلاء رجال مصنوعون، فسوف تتغلب عليهم برجولتك الفطرية فتتزعمهم جميعاً..
أحمد: الله.. هذا صحيح يا غندورة.. سأكون إذن إمبراطوراً.
غندورة: وأنا؟
أحمد: ستكونين الإمبراطورة! الإمبراطورة غندورة.
من الحوار السابق يتضح لنا عدم قناعة غندورة بالرجال المصنوعين، وأنَّهم بحاجة إلى رجل فطري يقودهم! يمر الوقت بالحبيبين ويأتي باقي أفراد الجمعية للالتقاء بالدكتورة واختراعها الجديد الذي سيغير الحياة. تطلب سونيا من الدكتورة تقديم القارورتين فتضعهما أمامهم، ويترقب الأعضاء من يتشجع ويعقد لواء البطولة ويقدم نفسه فداء للجميع. تقطع سونيا الصمت وتطلع الحاضرين في وجوه بعضهم بعضاً معلنة أنها وأحمد سيجربان الدواء، فترتاع مهجة خائفة على أحمد وتبدي استعدادها للتضحية بنفسها مع سونيا، لكن سونيا التي تطمع في الزواج من مهجة بعد تحولها إلى رجل ترميها بنظرة قاسية كأنّها تحذرها.
يستقر الجميع على أنَّ أحمد وسونيا سيتناولان المشروب فتأخذ سونيا القارورة الخاصة بتحويل النساء إلى رجال وتشربها دفعة واحدة، ثم تطلب من أحمد أن يتشجع مثلها؛ فيمسك أحمد قارورته ويرفعها إلى فمه؛ فيهب في وقت واحد سوسو ومهجة والدكتورة غندورة ويقبضون على القارورة ويمنعون أحمد من شربها، وعندما تستنكر سونيا هذا الفعل، تتعلل الدكتورة بأنّ هناك إقراراً يجب كتابته قبل شرب الدواء.
تأمر سونيا مهجة بإحضار الأوراق لكتابة الإقرار، وبينما هم مشغولون بكتابة الأوراق يتلصص سوسو ويخطف القارورة ثم يدفعها إلى جوفه وهم ينظرون إليه في دهشة.
سوسو: (يرسل القارورة) خلاص .. شربتها! شربتها كلها .. خلاص .. خلاص!
الفصل الثالث
في الفصل الثالث تبدأ الأحداث في التحدر نحو الحل، فهذه غندورة التي أصبحت رئيسة الجمعية خلفاً لسونيا سابقاً وحسني حالياً، قد سئمت هذا الحب غير المعلن أمام الناس، وما يزيد مخاوفها وقلقها أنَّ الجميع يعرفون أنَّ مهجة تحب أحمد، وأحمد يحب مهجة، بالرغم من ملاحقة حسني ــ سونيا- لها ومحاولته الانفراد بها، وهو سيجن بها ولن يفرط فيها، فقد شرب أو شربت الدواء من أجلها! وهنا يحتدم الصراع بين أحمد وحسني على الفوز بمهجة التي تريد أحمد وتخاف من حسني!
ينشغل جميع الأعضاء بإعداد حفل نجاح عملية تحول سوسو إلى سوسن، وسونيا إلى حسني، لكن غندورة كانت ممتعضة مما نشرته صحافة الغرب عنها وعن اختراعها، فهذه صحيفة "نيويورك تايمز" تقول: "إذا ثبت في المستقبل أن المدعوة سونيا قد تحولت إلى رجل كامل الرجولة، والمدعو سوسو كان امرأة تامة الأنوثة، فإنّ ذلك يرجع لا محالة إلى أنّ سونيا كانت في الأصل رجلاً منحرفاً، وأنّ سوسو كان امرأة منحرفة، فساعد هذا الدواء الجديد على إعادتهما إلى وضعهما الأصلى، أما الادعاء بأن الدواء يمكن أن يحول أي رجل إلى امرأة وأية امرأة إلى رجل فهذا لغو باطل لا يقره العلم بأي حال، وإذا ادعت الدكتورة المصرية ذلك فهي قطعاً دجالة".
وبعدما شعرت سونيا بأنَّ رغبتها تحققت وأنَّها تخلصت من كابوس الأنوثة الذي كان يلاحقها تقرر تصفية الجمعية، وإهداء مقرها إلى إحدى الجمعيات النسائية المعتبرة، وعندما تفاتحها الدكتورة غندورة في أمر تمويل المشروع الذي وعدت به من قبل، تنصحها بطيه والتكتم عليه؛ لئلا يكون مصيرها السجن. في هذه الأثناء تفشل سونيا أو حسني في الوصول إلى مهجة، وتفشل سوسن أو سوسو في الوصول إلى أحمد، فيقرران (سوسن وحسني) أن يتزوجا.
تعود غندورة وتحاول - من جديد - إقناع حسني بالإبقاء على الجمعية وتمويل مشروعها، لكن حسني يرفض، فهو قد قرر الزواج من سوسن، ولا وقت لديه لهذا العبث، فتخاطب الدكتورة العضوات لتثيرهن:
غندورة: (يبدو في وجهها الغضب فتطل صائحة) يا حضرات العضوات.. إني أحتج على هذا القرار غير المشروع.. هذا انتصار للرجعية! هذا اندحار للتقدمية! هذه خيانة للمرأة.. هذه مؤامرة سافرة للرجوع بنا إلى عصر الحريم..! يا بنات القرن العشرين، أيرضيكن أن تعشن في القرون الوسطى؟
أصوات: كلا.. كلا..
غندورة: أيرضيكن أن تمنعن غداً من "الجابونيز والديكولتيه" وغيرهما من ثمار جهادكن الطويل، لترجعن إلى لبس البرقع والملس؟
أصوات: كلا.. كلا.. لن نرضى أبداً.
غندورة: ماذا تقول نساء العالم عنا؟ .. متوحشات؟ متبربرات؟ نسكن الخيام ونركب الجمال، وتجول بيننا التماسيح في الطرقات؟
أصوات: كلا لن نكون مضغة في أفواه نساء العالم! لن نكون عاراً على جبين مصر!
حسني: (يتقدم إلى الفرندة) يا بنات القرن العشرين.. اسمعن الآن مني كلمة واحدة مفيدة.. هيا ارجعن الآن إلى بيوتكن، إن كان لكن بيوت! واتركن النادي لأصحابه وإلا دعونا لكن البوليس!
عند هذا تحس غندورة أنَّها ستفقد كل شيء حتى أحمد، فتسرع إليه.
غندورة: أحمد.. راح المشروع يا أحمد.. وانهار كل ما بنيناه من الآمال.. لكن لا بأس يا أحمد.. أنت عندي بالدنيا وما فيها!.. لا داعي للتكتم الآن يا أحمد بعد ما انكشف كل شيء.. يجب أن نكشف سرنا ونعلنه للجميع!
أحمد: أي سر يا دكتورة؟
غندورة: الله! .. السر الذي بيننا.. سر الحب.
أحمد: حب؟ أي حب؟!
غندورة: (تنفجر غاضبة) يا خائن! يا غادر! يا فاجر! أهكذا أنت يا خداع تعبث بقلوب الفتيات؟!
تنهار الدكتورة غندورة وتصيح في تشنج عصبي، وتكاد تقع على الأرض لولا أن إحدى العضوات سندتها وأخذتها وخرجت.. أما أحمد فيقول لمهجة في النهاية:
أحمد: اسمعي يا بنت.. أنا طول عمري رجعي كما يزعمون.. فإذا كنت تريدين حقاً أن تتزوجيني فالتزمي الحشمة وتمسكي بالحياء.. أنا لا أطيق هذه المسخرة (يشير إلى فستانها الجابونيز).
مهجة: طيب يا أحمد.. طيب.
(يتبع)
(القسم الثاني من دراسة علي الغريب)
................................................
ب ــ الشخوص
يقول باكثير في كتابه "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية": "لكي يوفق الكاتب في رسم شخوصه ينبغي أن يتعرَّف إليهم واحداً واحداً، ويعيش معهم في ذهنه برهة كافية، حتى يقرر أو يكتشف لكل واحد منهم أبعاده الثلاثة: البعد الجسماني أو الشكلي والبعد الاجتماعي والبعد النفسي، فعلى معرفته الدقيقة بهذه الأبعاد الثلاثة يتوقف نجاحه في رسم شخوصه".
والقارئ لـ"الدنيا فوضى" يتضح له مدى معرفة باكثير الجيدة بشخوصه، فهو عرفهم عن قرب وتعايش معهم وقتاً كافياً سبر فيه أغوار كل شخصية على حدة.
وإذا أردنا تقسيم الشخصيات إلى رئيسية وثانوية، فإنَّ أحمد مختار، وسونيا، والدكتورة غندورة، هم الشخصيات الرئيسية، وهناك عدد من الشخصيات الثانوية، مثل سوسو ومهجة وعائدة.
أحمد مختار: هذه هي الشخصية المحورية في المسرحية، والتي تمسك بخيط العمل وتتحرك به وتنميه، فهو شاب يمتلئ بالفتوة والحيوية والرجولة، كان يحب ابنة عمه سونيا التي ما كانت تنسجم معه لاعتبارات في تركيبتها السيكولوجية وربما الفسيولوجية أيضاً، وهو رمز لإنسان لم تلوث فطرته ويعرف ماذا يريد.
الدكتورة غندورة:عانس دفعها حقدها على الرجال الذين رغبوا عنها إلى الرغبة في الانتقام منهم، وهذه الشخصية من الشخصيات الأكثر ثراء في هذا النص بما تحتويه من معاناة داخلية وصراع مع الذات؛ لأسباب كثيرة، منها أنَّها ــ وهي العالمة القديرة ــ لم تحظ بالحب مثل أية امرأة عادية. وهذه قاصمة الظهر عند أية امرأة ترى نفسها تقدمت وتفوقت على الكثيرين من الرجال في بعض الميادين المهمة، فيما أخفقت في أهم ميدان تسعى إليه كل امرأة بغض النظر عما بلغته من مرتبة علمية أو عملية.
ونموذج الدكتورة غندورة لا نستطيع إسقاطه على الواقع كما هو، إذ ليست كل عانس حاقدة على الرجال، ولم تكن العنوسة وحدها الدافع الرئيسي وراء حقد الدكتورة، فهي شخصية مهيأة للانتقام عانساً كانت أو لم تكن، ومما ساعد على اشتعال هذه الرغبة داخلها مركزها العلمي الذي لا ينطلق من خلفيات إيمانية متجذرة في شخصيتها، وهذا الكلام يمكن أن ينسحب على الآخذين بزمام العلوم من غير المؤمنين بالدين وقيمه وأخلاقه في هذا الزمن.
سونيا (حسني فيما بعد): شخصية مضطربة، شديدة التوتر، دائمة القلق، غير راضية عن جنسها كأنثى، فهي لا تفرح، ولا تهتم بخطيبها، ولا تحتفي بكلمات الغزل، وتتطلع لأن تكون رجلاً كامل الرجولة يحب النساء ويتزوجهن؛ فهي نموذج شاذ للمرأة أراد المؤلف أن تكون انعكاساً لما تعيشه الكثيرات من النساء الداعيات إلى التحرر والسفور.
سوسو (أو سوسن): شخصية مريضة، متشابهة إلى حد كبير مع سونيا.
مهجة: شخصية نلقاها كثيراً في مجتمعاتنا، فهذه النوعية من الشخصيات ستجدها أينما التفتّ، إنها نموذج الفتاة المغيبة، التي تنخدع بالشعارات، ولا تملك إرادة، لكنها تملك قلباً طيباً، وخيالاً نظيفاً، وتحتاج إلى من يقودها ويوجهها.
عائدة: هذه الشخصية موجودة بيننا أيضاً، وهي من نفس نوعية مهجة من حيث نقاء السريرة وطيبة القلب، إلا أنَّها تملك الإرادة وحرية في القرار، فها هي تخرج من الجمعية عندما اكتشفت أنها لا ترضي تطلعاتها، وأنَّها تريد أن تجرفها إلى منزلقات لا يرضاها الشرفاء.
والناظر إلى اختيار باكثير في أسماء شخوصه يجدها مختارة بعناية، فأحمد مختار وعائدة من الأسماء ذات الدلالات المتفائلة الراغبة في الخير والعاملة من أجله وكذلك مهجة. أما غندورة فهذا الاسم عند المصريين صفة تطلق على المرأة المدللة المتعالية التي تشعر بذاتها أكثر من اللازم إلى درجة تصل حد الغرور.
ج ــ الزمان والمكان
تمثل نقطة الهجوم التي انطلق منها الكاتب من حيث الزمان والمكان أهمية عند قراءة المسرحية، فالمسرحية تتعامل مع حقبة زمنية معينة تختلف عن عصرنا، وإن كان وجه الاختلاف ليس كبيراً، فزمان المسرحية في الخمسينيات من القرن الماضي، إبان اشتعال دعوات تحرير المرأة وخروجها على طبيعتها، ومكانها هو إحدى هذه الجمعيات التي تزعم القيام بدور تنوير النساء وتبصيرهن بحقوقهن.
وأثر الزمان يبرز في سلوك الشخصيات وعادتها، أكثر من بروزه في أفكارهم، إذ الفكرة واحدة، لكن السلوك والعادات كانت تجنح وقتها إلى صدام المجتمع المحافظ بالخروج عليه بالملابس التي تبدو فيها المرأة شبه عارية، وهذه كانت من علامات الاستهجان في ذاك الزمن، أمَّا الآن فإنَّها ــ مع بلادة الألفة ــ لم تعد تسترع الانتباه في كثير من البلدان الإسلامية.
د ــ الحوار
أول ما يلفت الانتباه في الحوار في هذا النص، سهولته وقربه من لغة الواقع، مع احتفاظه بسلامته اللغوية، وخلوه من المفردات العامية، كما أنَّه يتميَّز بالفكاهة والدعابة التي تجعلك تضحك من أعماقك، فهو مشحون بالعديد من المواقف الكوميدية غير المفتعلة والمقاطع الطريفة.
كما كان الحوار مناسباً لمستوى الشخصيات وأفكارها، وقد وظفه الكاتب بطريقة جيدة في نقل الحركة ودفع الحدث وتوضيح هوية الشخوص.
هـ ــ العقدة والحل
يقول الكاتب المسرحي الأمريكي "هوار دلندس": "إنَّك إذا أردت أن تكتب مسرحية للترويج لفكرة ما، فمن الخير ألا تدع أياً من شخصيات المسرحية يعرف ما هو موضوع الفكرة، وإن كان ثمة ما يُضاف إليها فهو أنَّ الأمور تسير سيراً أفضل إذا لم يعرف الكاتب هو الآخر ما هو موضوع الدعاية، فإن أقرب طريق لقتل المسرحية هو إكراهها على إثبات شيء ما؛ لأنَّها ستظل عندئذٍ مكرهة دائماً، فالحياة بما لها من قوة معقدة، لا تقدم نفسها لنا في صورة معادلة حسابية متساوية" (2).
وكاتب كباكثير لا يحتاج إلى التنبه لمثل هذا الأمر، فقد كان عموداً من أعمدة الكتابة المسرحية في بلادنا، وكان هذا نهجه في سائر مسرحياته، فهو لم يتدخل قط بين شخوصه، ويتركهم يتدرجون بالعقدة ومن ثم الوصول بها إلى الحل.
أبدع باكثير هذه المسرحية وكشف دواخل دعاة تحرير المرأة المريضة، في وقت كانت مثل هذه الكتابات من أكبر الكبائر عند كتاب اليسار.
ـــــــــــــــــــ
(1)علي أحمد باكثير ــ فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية.
(2)عيوب في التأليف المسرحي ــ وولتر كير.
(موقع لها أون لاين ـ 15/4/2002م)
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
...................................
(1)
أصدر علي محمد الغريب قبل هذه المسرحية مسرحية «محروس طالع القمر»، ومجموعة من مسرحيات الفصل الواحد، بعنوان «حورية بني كنعان»( )، ومجموعة مسرحيات للفتيان ـ مع آخر ـ بعنوان «المسرح المدرسي».
وتصور هذه المسرحية راهن إحدى القرى المصرية في عصر العولمة، حيث يعود «نديم» ابن عمدة «كفر أبو وزة» من بعثة في أمريكا، ومعه الأمريكي «مايكل وايزمان»، ويسعيان إلى إقامة مشروع جديد (للضحك!!) في مضيفة القرية (التي تُقام فيها المناسبات الاجتماعية المختلفة) ـ يجعل الناس يضحكون!
ويقف بجانب المشروع أنيس وهو مدرس وشاعر في الأربعين، وهو يُخاطب أهل قريته بأسلوب بائس ألفناه في الإعلام العربي في فترة المد الاشتراكي (ومن العجيب أن الاشتراكيين السابقين صاروا هم المبشرين بالغزو الأمريكي وهيمنة ثقافته!!).
يقول نديم:
«يا أهالي كفر أبو وزة الكرام.. بشركم بشراكم.. الضحك فوق رقابكم.. أهلي وعشيرتي، أبناء الكفر الكرام.. ها هو الفرح قد جاء.. هاهي الراحة والنعيم يطلان علينا.. ستعود البسمة، وتجلجل الضحكة، وتشعشع القلوب بعدما أطبق عليها الهم والغم.. سنقول وداعاً للبؤس»( ).
ومن ثم، فإن شخصيات "المضحكة" نبت طبيعي لهذه البيئة الزمانية والمكانية، وهم متأثرون بها حتى النخاع، ومع ذلك فهم يواصلون الحياة ويحلمون بالمستقبل، ويتطورون ويتعرضون للالتباس الذي تصنعه البيئة حيث اختلطت المفاهيم والرؤى، وازدهر المكر والخداع، ولكنهم في النهاية يستشعرون الخطر الذي يتهددهم ويحدق بهم.
وعمدة «كفر أبو وزة» الحاج "عبد الراضي وهدان" يرفض الفكرة في البداية رفضاً قاطعاً، ففي نفسه شيء منها ( ) كما يقول، ولكنه يتعرض لإغراءات تأخذ شكل الضغوط، حيثُ يلح عليه «وايزمان» بألفاظ مكررة فقدت معانيها من كثرة تكرارها:
مايكل: اقطع التردد يا عمدة وانطلق إلى التاريخ.. سيخلدك التاريخ.. وسيذكر الناس يوماً أن أول من أدخل هذه النوع من العلاج إلى مصر كان أنت.. سيقولون كانت البداية من هنا.. من كفر أبو وزة.
أنيس: استجب لهما يا عمدة.. ونحن من خلفك.. أنا من ناحيتي لن أتوانى عن مساندتك بقلمي ولساني.. لا تحرم أبناء كفرك من هذا الخير.
نديم: كيف سيكون موقفك يا أبي عندما تنفذ الفكرة في قرى أخرى قبل كفرنا ويسبقونا ثم نأتي من بعدهم مقلدين.. وأنا الوحيد المتخصص في هذا المجال.
مايكل: "سوري" عزيزي نديم.. أنت تعلم أن هدفي من إنشاء هذا النادي ليس ربحياً وإن واجهتنا عقبات هنا فنحن مضطرون لتنفيذه في مكان آخر.. أنا عندي ميزانية ومطالب برفع تقرير عنها في أقرب وقت.. كما أن ورائي أعداء يسعون لإحباطي وإثبات فشلي وأن منطقتكم غير مؤهلة لمثل هذه المشاريع التقدمية.
أنيس: من قال هذا يا دكتور مايكل؟ .. نحن لدينا كفاءات على استعداد تام للنهوض بهذه المهمة وأكبر منها( ).
وفي مقابل ذلك يتزعم (زارع) معارضة هذا المشروع الجديد (مشروع «المضحكة» )، ويقف معه إمام المسجد وخطيبه (الشيخ إمام)، و(مهدي) الطالب الذي يدرس الحقوق.
وأمام الإلحاح والخداع تُفتتح «المضحكة» في المضيفة، ويرى «زارع» أحد مُقاومي المشروع أن العمدة قد ارتكب أكبر خطيئة في حق نفسه أولاً وفي حق الكفر ثانياً.. حينما كتب مذكرة بخط يده يطالب فيها الحكومة بتحويل المضيفة إلى مضحكة( )..
ويقول في حسرة وحزن:
«إذا العمدة فعل هذا فماذا ننتظر من الخواجات؟ هل ننتظر منهم أن يبنوا لنا جوامع ويفتتحوا كتاتيب يا ناس؟!! (يبكي)» ( ).
ولكن المشروع يفشل في النهاية، ويقرر العمدة «إعادة المضيفة» وإغلاق «نادي الضحك».
نديم: بابا قرر إعادة المضيفة وإغلاق نادي الضحك.
مايكل: مستحيل.
نديم: القرار في هذه الورقة.
مايكل: أين الديموقراطية؟
مهدي: (ساخراً) في أمريكا.
مايكل: (متوتراً) أنتم ديكتاتوريون.. متوحشون!
إمام: نحن ديمقراطيون جداً.. نعود عن آرائنا إذا اكتشفنا خطأها ولا نتحرج.
مايكل: كيف تقررون مصادرة رأي أهل الكفر في إجماعهم على نادي الضحك؟!
زارع: أهل الكفر لم يجمعوا على حاجتهم للمضحكة.
مايكل: بل أجمعوا!
إمام: هاهم أمامك.. اسألهم.
مايكل: اسألهم أنت.
إمام: (للناس المسترخين على المقاعد في حالة من الخدر والضحك الهادئ) يا أهل الكفر.. لو أنكم عرفتم أن الألفي دولار عن كل رأس في الكفر ما هي إلا أكذوبة كبيرة، وأن نادي الضحك ما هو إلا ألهية لصرفكم عن أشغالكم وقوت عيالكم؛ أتوافقون على استمراره؟
الجميع: (يشيرون بالنفي بأصابعهم في هدوء وهم يبتسمون)
مايكل: يا أهل الكفر.. هل تفرطون في هذه اللحظات السعيدة من حياتكم بسهولة، كما يدعوكم هذا الرجل؟
الجميع: (يشيرون بالنفي وهم يبتسمون أيضاً) ( ).
ويضطر (وايزمان) و(نديم) إلى مغادرة القرية والعودة إلى أمريكا بعد أن أخفقا في تحقيق المشروع.
(يتبع)
(2)
تكاد تكون المُفارقة هي البنية الأساس لمسرحية «المضحكة» لعلي محمد الغريب، في الأحداث والشخصيات والصراع جميعاً.
فإذا انطلقنا من الأحداث ـ وهي البنيات الصغيرة المكونة لبناء المسرحية ـ فإننا نرى المفارقة مبثوثة في كل حدث، فـ«خضرة» الفلاحة هي التي تعلمت في محو الأمية وأصبحت تقرأ الصحيفة، بينما الرجال مازالوا يُعانون من شبح الأمية الجاثم بكلكله فوق صدور الريف المصري.
والدولة التي من المفترض أن تترك الفلاحين وشأنهم يزرعون المحاصيل التي يُحبون زراعتها ويقدرون على تسويقها ويجنون من ورائها الأموال التي تُساعدهم على مواصلة مسيرة الحياة .. هذه الدولة هي التي تطلب منهم زراعة «لب التسالي» .. وتنهاهم عن زراعة القطن!:
«سويسي: يعني أنت تخالف قرارات الوزارة وتمتنع عن أداء الحق العام؟
زارع: أنا لم أمتنع.. أنا أطالب بحقي.
سويسي: حقك في زراعة "لب التسالي" بدلاً من القطن.. المحصول القومي للبلد؟
زارع: عجبت منكم.. الوزارة هي التي تدفعنا إلى زراعة اللب والشمام، لتمتلئ دورنا باللب، فنتسلى ونبصق في وجوه بعضنا كالقرود. والوزارة هي التي منعتنا عن زراعة القطن، وهي التي تحاسبنا لأننا لا نزرعه!.. الوزارة تريد خسارتنا مرتين!» ( ).
والقرية التي ترسل أبناءها للخارج للحصول على الدرجات العلمية التي تدفع بقريتهم وبلدهم للأمام تراهم عائدين لافتتاح مشاريع وهمية، لا تدفع بنا خطوة واحدة للأمام( )، بل يأتي المبعوث مصحوباً بدجال هو « مايكل» الذي يحاول إقناع القرية بافتتاح دار للضحك:
«مايكل : ... نحن في جامعة "جورج تاون" تبنينا مشروع إسعاد العالم الثالث والشعوب العربية الصديقة تحديداً.. فكرنا في أهم ما يمكن أن نقدمه لهذه الشعوب لتقترب من المجتمع الأمريكي، فكان أن تبنينا فكرة دمج الثقافات وتوحيد الهموم والتكامل بين الحضارات، حتى نصبح قرية واحدة لا فرق فيها بين عربي وعربي أو عربي وآسيوي.
وأمريكا قررت رعاية كل هذه المشاريع التي تساعدكم وتسعدكم.. فقررنا إنشاء ناد للضحك عندكم هنا في كفر أبو وزة لعلاج المكتئبين والمرضى النفسيين بالضحك»( ).
وسويسي أفندي ـ صراف الجمعية الزراعية لا تهمه أمور الزراعة وأحوال الفلاحين بقدر ما تهمه المحافظة على أنف تمثال مُلقى في مدخل الجمعية:
خضرة: (تعدل خمارها وترفع نظرها من الجريدة وتنظر إلى مغاوري دون أن تتكلم، ثم تنادي ابنها ليجلس جنبها) تعال هنا يا شعبان لا تبتعد عني.. اقعد هنا (ابنها يتقافز ويلهو، وأثناء مروه من جنب تمثال الرئيس عبد الناصر يلفت انتباهه أنف التمثال المدلاة فينزعها ويلهو بها وهو متوجه إلى أمه)
الفلاحون: (يتصايحون) مناخير الرئيس.. مناخير الرئيس.
سويسي: (ينتفض ملتفتاً إلى التمثال فيجده بدون أنف) أين ذهبت؟ من أخذها؟
الفلاحون: (يشيرون إلى الطفل) هذا الولد.. مع هذا الولد.
سويسي: (يجري باتجاه الطفل) نهارك أسود يا ابن خضرة.. هات مناخير الرئيس يا ولد. (الولد يجري ويلقي بنفسه في حضن أمه خائفاً) النهار بان من أوله.. ليس عندنا شغل إلا أنت وأمك هذا اليوم.
خضرة: مالك يا سويسي أفندي؟
سويسي: مالك يا سويسي أفندي؟!.. أنت نائمة؟ (يشير باتجاه التمثال) ابنك أخذ مناخير الرئيس!
خضرة: (ببرود) رأيته.
سويسي: (يقلدها) رأيته.. ولماذا لم تكسري رقبته في الحال.
خضرة: الولد لم يرتكب جريمة
سويسي: إنها جريمة شنيعة.. أنف الرئيس.
خضرة: من غير شعارات فارغة يا سويسي أفندي (تأخذ الأنف من يد الصغير) خذ مناخير الرئيس.. اشبع بها.
سويسي: هكذا.. ببساطة؟!
خضرة: يعني أقطع لك مناخير الولد حتى تستريح؟!
سويسي: لست من يطلب الراحة يا ست خضرة، إنما الوزارة هي من ستطلب حقها.. إصلاح مناخير التمثال.
خضرة: إصلاح مناخير التمثال؟ التمثال مناخيره كانت واقفة على فتلة.. لماذا لم تصلحه الوزارة من قبل؟
سويسي: هل تعلمين الوزارة شغلها؟ ابنك من نزع أنف الرئيس ومن أتلف شيئاً فعليه إصلاحه.
خضرة: التمثال كله تالف من زمان.. اعملوا خيراً وارموه في الترعة لتغسل عليه النسوان المواعين (تضحك ويضحك الفلاحون)
سويسي: أنت تسخرين من رمز الإصلاح الزراعي في البلد.. انتبهي لنفسك يا خضرة.
خضرة: الإصلاح والزراعة شبعوا سخرية منك ومن أمثالك يا سويسي أفندي.. تكلم يا مغاوري.. لماذا سكت الآن؟
مغاوري: الشهادة لله يا سويسي أفندي مناخير التمثال كانت ستسقط وحدها.. حتى لو لم يلمسها الولد ابن زارع.
سويسي: مادام هو من أسقطها فعلى ولي أمره إصلاحها.
خضرة: وأنا مستعدة أرجعها أحسن مما كانت.
مغاوري: وبعدها نقول يا دار ما دخلك شر.
سويسي: أنت من ستصلحينها.. بأي صفة؟!
خضرة: بصفتي ولية أمر من أتلفها.
سويسي: (متهكماً) وكيف ستصحينها يا باشمهندسة خضرة
خضرة: حاجة بسيطة.. يوم الجمعة سأحضر طشت طين من الترعة.. أصلح به مناخير التمثال وحاجبه وكل ما يلزم.
(الفلاحون يضحكون)»( ).
ولقد بُنيت الشخصيات على مفارقة تتضح معالمها كلما أوغلت في النص؛ فشخصية «زارع» التي هي من أنضج الشخصيات في الرواية تنبني على مُفارقة أنه فلاح غير متعلم، ولكنه منتمٍ لمصر، ويقف في وجه محاولات التغريب التي يريد مايكل وتابعه نديم تحويلها إلى «مضحكة»، وكان من المفترض أن يقف هذا الموقف «أنيس» الشاعر المدرس! ولكن الشاعر الحداثي مشى في الزفة! وبشَّر بالمضحكة!
وشخصية «خضرة» "التي تبدو الأحداث، وكأنها ترشحها لتكون عنصر معارضة لمشروع "المضحكة" بحكم ثقافتها ووعيها، تقف في صف المشروع، أو تسعى بالنأي بزوجها عن معارضته بحجة البعد عن "وجع الدماغ"! مما يترتب عليه أن تقع في مشكل عويص مع زوجها حيث يصر على تطليقها لأنها ذهبت بحسن نية إلى عمها (العمدة) الذي كان يتدرب في "المضحكة"، لتستنجد به من أجل إطلاق سراح (زارع) المقبوض عليه في الشرطة، لمعارضته المشروع، ولكن (زارع) يظن أنها ذهبت لتنضم إلى المشروع ورضيت أن يراقصها رجل أجنبي!!" ( ).
وهذا حوار بين زارع ومهدي وإمام حول زوجة الأول «خضرة» التي أغضبها، وصمم على طلاقها:
زارع: لا حاجة لي فيها.
إمام: هل يمكن أن نعرف الأسباب؟
زارع: من غير أسباب.
مهدي: هذا الكلام غير مقبول.
زارع: أنا حر يا أستاذ مهدي.. لا أريدها.. لم أعد أرغب في رؤيتها!
إمام: هكذا؟
زارع: نعم.
إمام: استعذ بالله من الشيطان ولا تعاند نفسك.
زارع: أنا لا أعاند نفسي.. أنا أعرف أن هذا أصلح شيء لي ولها أيضاً.
خضرة: والله إنه الموت بالنسبة لي.
زارع: اذهبي إلى حال سبيلك ولا تقفي أمامي هكذا.
مهدي: خضرة لن تمشي من هنا يا زارع.
زارع: يعني بالقوة؟
مهدي: لا شيء بالقوة، ولكننا نريد تبريراً مقنعاً لقرارك هذا.
زارع: لا تبرير لدي.. هذا حقي الشرعي.
خضرة: أنا لا استغنى عنك يا أبا شعبان.
زارع: وأنا لم أعد أرغب في رؤيتك.
خضرة: لم تعد ترغب في رؤيتي؟
زارع: نعم.. وسأترك لك الكفر ليخلو لك الجو.. بل سأترك المحافظة كلها.
إمام: لا.. الأمر أكبر من مسألة ذهاب خضرة إلى المضحكة.
زارع: هذا أمر يخصني يا شيخ إمام ولا دخل لأحد فيه.
إمام: يخصك نعم. لكن لا تنس أن قرارك هذا يترتب عليه مستقبل شخصين.. ابنك وامرأتك، فإن كنت مازلت باقياً على ما بيننا من ود وجوار فاكشف لنا عما في نفسك، وإن اتبعت هواك فأذن لنا بالانصراف.
زارع: (يطرق ولا يتكلم)
إمام: تكلم يا زارع.. هات ما عندك من أسباب لطلاق امرأتك وهجر الكفر والمحافظة كلها.
زارع: (يشير إلى العمدة) هذا الرجل وابنه هما السبب.
العمدة: أنا يا زارع؟
زارع: نعم أنت.
إمام: وما ذنب امرأتك وابنك؟
زارع: ذنبهما أن هذا الرجل (يقصد العمدة) عم هذه المرأة. ( ).
والشاعر ـ الذي من المفترض أن يكون أكثر من الفلاحين وعياً ـ يتردى في وهدة السقوط، وهو يُبشِّر بدور «المضحكة» في إسعاد الناس، ومعالجة مشاكلهم النفسية. ويُغني شعراً بائساً على هذه الشاكلة:
«الضحك في المعامل
يدغدغ الأنامل
والبُرُ في التنور
قد صار "بيتي فور"
والبرص في الشقوق
يطالب بالحقوق
يا أمريكا شكراً»( ).
أما الصراع الذي يدور في فلكه النص فهو المفارقة بين ما نُريده نحن من تقدم وتنمية حقيقية وما يُراد لنا من قبل المعسكر المُعادي الذي يريد لنا أن نظل "محلك سر"، وأن ننشغل بسفاسف الأمور وهامشياتها.
(3)
في نهاية المسرحية يتصالح (زارع) و (خضرة)، وتنكشف ألاعيب (وايز مان) والمخدوع (نديم) ابن العمدة، وتظهر الحقائق التي جهد الفلاح (زارع) و خطيب المسجد (إمام) والطالب (مهدي) في الدفاع عنها، ويعدل العمدة عن تأييد المشروع ويتبعه الناس، وتعود المضيفة لأبناء القرية.
ولا يجد مايكل ونديم مفراً من العودة خائبين إلى أمريكا يتبعهما (أنيس) الشاعر البائس:
«مايكل: يا عمدة أنا كنت أؤمل فيك أن تكون كرئيس الوزراء الأمريكي.. ولو أنك استجبت لي وأتممت البرنامج ستكون مثله وربما تفوقت عليه.
العمدة: لا أريد أن أكون كرئيس الوزراء، ولا حتى وزير الحربية.. أريد أن أكون نفسي.. عبد الراضي وهدان عمدة كفر أبو وزة.
نديم-:-(حزيناً) بابا.. أنا مصدوم.
العمدة-:-ونحن كذلك مصدومون!
نديم-:-هل تحرجني أمام صديقي وأستاذي؟
العمدة-:-أفضل من إحراجك أمام أهلك.
نديم-:-(غاضباً) هؤلاء ليسوا أهلي.
العمدة-:-وأنت لست ابنهم!
نديم-:-(مستعطفاً) بابا..
العمدة-:-خذ صديقك وأوصله إلى المطار ثم اشكره؛ وعد إلينا في أمان الله يا ابني.
نديم-:-لا لن أعود إلى كفر يطارد العلماء!
إمام-:-أتظننا نكره النجاح لك ولزميلك.
نديم-:-هذا ما سعيتم إليه، وقد نجحتم يا للأسف!
إمام-:-إذا كان نجاحك وصديقك يقوم على إفساد حياتنا ومصالحنا فهو ليس نجاحاً حقيقياً!
مايكل-:-(ضائقاً) دكتر نديم.. أنا لا أستطيع البقاء في هذا الجو المتخلف.. يجب أن أعود إلى أمريكا في أقرب وقت يتاح.. هل تأتي معي؟
نديم-:-لا خيار أمامي غير الرحيل معك، بعدما تحطمت أحلامي هنا.. هيا يا دكتر (يهمان بالخروج)
أنيس-:-(يقوم من مقعده وهو يترنح) خذاني معكما.. لا صبر لي على المقام هنا»( ).
***
وهكذا أبرزت المُفارقة التصويرية ـ في هذه المسرحية السياسية التي تشتبك مع الواقع ـ قدرةَ القرية على الفهم، والمُقاومة، والرفض لمشروعات الهيمنة الأمريكية، التي تجيء تحت شعارات التحديث والتغيير الثقافي.
مسرحية "المَضْحَكَة".. لعلي محمد الغريب
مسرحية تحمل روح العصر ورؤية الإسلام
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
.....................................
مؤلف هذه المسرحية شاب واعد في مجال الكتابة المسرحية من منظور التصور الإسلامي الناضج، وسبق له أ ن كتب مجموعة من المسرحيات، منها: "محروس طالع القمر"، "حورية بني كنعان" (مجموعة ذات فصل واحد)، "حلاق بغداد الجديد"، كما ألف كتاباً حول المسرح المدرسي. وهو بعد ذلك وقبله قارئ جيد ومثابر، قرأ التراث المسرحي القديم والجديد، بالإضافة على قراءاته الأخرى في مجالات القصة والشعر والفكر بوجه عام.
وفي هذه المسرحية "المَضْحَكَة" رؤية ترصد المفارقة بين واقع الناس في إحدى القرى المصرية وأفكار ابن العمدة الذي ذهب في بعثة إلى أميركا، وعاد وبرفقته صديق أمريكي، ويسعيان إلى تنفيذ مشروع غريب يجعل الناس يضحكون، ومن أجل الضحك يستولي الابن (الذي أخفق في بعثته) مع الأميركي الذي يبدو يهودياً صهيونياً، على مضيفة القرية الموقوفة للمناسبات الاجتماعية المختلفة..
في السياق نتعرف على الخداع أو المكر الذي يمارسه الأميركي، وهو يحول الناس عن عادتهم وأخلاقهم، ويسلبهم ممتلكاتهم، في الوقت الذي يعدهم بوعود جوفاء كاذبة عن "الدولارات" التي ستتدفق عليهم، حين يوافقون على أفكاره وتصوراته، ويكتشفون في النهاية أنه لا توجد دولارات "ولا يحزنون"، فضلاً عن تفاهة المشروع الذي اخترعه ودعا إليه وزعم أنه سيطور القرية وأهلها، فلم يحدث لهم تطور ولم يكسبوا شيئاً، بل خسروا مضيفتهم وكرامتهم معاً!
وفق الكاتب "علي الغريب" في عرض مسرحيته على أرض القرية المصرية، فالبيئة القروية تظهر فيها الأحداث أو الأفكار غير المألوفة بوضوح، وتنعكس على أفراد المجتمع الريفي بطريقة ساطعة وسريعة، وبصورة مغايرة لما يحدث في مجتمع المدينة الذي يبدو متخماً بالتغيرات والزحام، فلا تتكشف فيه المستحدثات تكشفاً دقيقاً.
والقرية التي نراها في مسرحية "المضحكة" تعيش في أيامنا، حيث تفرض الولايات المتحدة وجودها الاستعماري المدجج بقوة السلاح والخديعة والتقنية على العالم العربي والإسلامي خاصة؛ فضلاً عن العالم بأسره. بمعنى آخر فالقرية هنا عصرية قريبة مما يجري ومتأثرة به، وهي في الوقت ذاته مظلومة، تقع تحت تأثير القوانين الظالمة والسلوك البيروقراطي، والفلاح كاهله مثقل بالديون والفوائد، وموظف الجمعية الزراعية لا يعنيه ما يجري للفلاح بقدر ما يهمه تنفيذ اللوائح والتعليمات ولو كانت ظالمة صريحة الظلم.
ومن ثم، فإن شخصيات "المضحكة" نبت طبيعي لهذه البيئة الزمانية والمكانية، متأثرون بها حتى النخاع، ومع ذلك فهم يواصلون الحياة ويحلمون بالمستقبل، ويتطورون ويتعرضون للالتباس الذي تصنعه البيئة حيث اختلطت المفاهيم والرؤى، وازدهر المكر والخداع، ولكنهم في النهاية يستشعرون الخطر الذي يتهددهم ويحدق بهم.
قرية "كفر أبو وزة" إحدى القرى المصرية لها عمده اسمه الحاج "عبد الراضي وهدان" في الخامسة والستين، يبدو رجلاً طيباً، ويهتم بشئون القرية في حدود طاقته، ويحل مشكلاتها بطريقته الريفية، أرسل ابنه "نديم" إلى أميركا ليدرس ويتعلم ويحصل على الدكتوراه في الطب، ولكنه خيب ظن أبيه، ولم ينجز شيئاً، وعاد إلى قريته بصحبة الدكتور "مايكل وايز مان" الذي يخدع العمدة والقرية بإقامة مشروع "المضحكة" في القرية، حيث يتعلم الناس الضحك كي تتحقق لهم الصحة النفسية السليمة، نظير أن يغيروا عادتهم وطبائعهم (ثقافتهم) وتسليم المضيفة الموقوفة للأهالي لاستخدامها في مناسبتهم، مع وعد بتدفق الدولارات عليهم!
هناك فلاح شاب، اسمه (زارع) وزوجه (خضرة) ابنة شقيق العمدة التي تتعلم القراءة والكتابة في محو الأمية، وتقرأ الجريدة اليومية، وتتفوق على الفلاح (مغاوري) الذي يبدو رافضاً للعلم والثقافة، ويسعى على المال، ولا يفكر بصورة واعية؛ و(أنيس) المدرس اليساري الانتهازي الذي يقرض شعراً غامضاً، ويؤيد المشروع!
يتزعم (زارع) معارضة المشروع الذي يتبناه ابن العمدة (نديم) والأميركي (وايز مان)، يؤيده إمام المسجد وخطيبه الشيخ (إمام) الأزهري الذي يبلغ من العمر الخامسة والأربعين، والطالب (مهدي) الذي يدرس الحقوق.
المفارقة أن الزوجة (خضرة) التي تبدو الأحداث، وكأنها ترشحها لتكون عنصر معارضة لمشروع "المضحكة" بحكم ثقافتها ووعيها، تقف في صف المشروع، أو تسعى بالنأي بزوجها عن معارضته بحجة البعد عن "وجع الدماغ"! مما يترتب عليه أن تقع في مشكل عويص مع زوجها حيث يصر على تطليقها لأنها ذهبت بحسن نية إلى عمها (العمدة) الذي كان يتدرب في "المضحكة"، لتستنجد به من أجل إطلاق سراح (زارع) المقبوض عليه في الشرطة، لمعارضته المشروع، ولكن (زارع) يظن أنها ذهبت لتنضم إلى المشروع ورضيت أن يراقصها رجل أجنبي!!
الألاعيب والحيل التي صنعها (وايز مان) بمساعدة (نديم) تكشف شخصيتهما الخادعة الماكرة، وبفضل (زارع) و (الإمام) والطالب (مهدي) تتغير الأحداث وتظهر الحقيقة، فيعدل العمدة عن تأييد المشروع ويتبعه الناس، وتعود المضيفة للأهالي، ويضطر (وايز مان) وبالتالي (نديم) إلى مغادرة القرية والعودة إلى أمريكا بعد أن أخفقا في تحقيق المشروع.. ويتصالح (زارع) و (خضرة) بعد استيعاب التجربة والدرس.
لا ريب أن الشخصيات التي نراها في "المضحكة" تتمتع بالحيوية والثراء، وتنبئ عن طبيعية ريفية تجمع تناقضات متعددة، ولكنها في النهاية أسيرة لواقع ظالم ومعقد وبعيد عن الإنصاف، وهو واقع يستغله الأجانب من أجل الاستلاب الروحي والثقافي والاقتصادي تحت دعاوى كاذبة ومزيفة.
يعتمد الكاتب في مسرحيته على الفصحى المبسطة التي يمكن تداولها على لسان الفلاحين البسطاء، كما يمكنهم فهمها واستيعابها بسهولة. ولا شك أن الكاتب يطمح إلى إخراج المسرحية بهذه اللغة، انطلاقاً من اعتماد الفصحى أساساً للبناء الفني بما يتكامل مع رؤيته الفكرية التي تهدف إلى تأسيس مسرح إسلامي يخاطب جميع الناطقين بالعربية أو الذين يفهمونها ويتكلمون بها في شتى أنحاء الأرض، وهو ما يميزه عن بعض كتاب المسرح الذين كتبوا بالفصحى الراقية أو السهلة وقبلوا في نهاية الأمر أن تتحول مسرحياتهم من الفصحى إلى العامية.
إن "علي الغريب" بمسرحيته "المضحكة" ومسرحياته الأخرى يسد فراغاً في مجال المسرح الإسلامي، أو المسرح المكتوب بتصور إسلامي، حيث يندر أن نجد أدباء إسلاميين يهتمون بالكتابة للمسرح، بل يندر أن نجد منهم من يهتمون بالفنون السردية بصفة عامة، وهو ما يوجب علينا الحفاوة بهذا الكاتب الموهوب وما يكتبه.
بقلم: علي محمد الغريب
...............................
(مسرحية من فصل واحد)
- 1-
المنظر:" غرفة نوم رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئيل شارون"
الوقت:"في الثلث الأخير من الليل.. شارون نائم وحده في فراشه يتقلب يميناً وشمالاً. الجو ساكن سكوناً موحشاً.. يدفع شخص ما نافذة الغرفة فتصفق مصارعها بقوة.. شارون يهب من فراشه مفزوعاً ويطلق أعيرة نارية من مسدسه في عشوائية".
شارون: (مرعوباً) من؟! من؟!.. يا حراس.. يا حراس (يتجول في الغرفة بحذر.. يتوجه نحو النافذة ويجذب الستارة بيد والأخرى متحفزة لإطلاق الرصاص) لا أحد!! (يلتفت فجأة ثم يجذب ستارة أخرى، فينتفض في وجهه شاب في العشرين من عمره .. شارون يلقي بنفسه على السرير ويطلق الرصاص في ذعر) من أنت؟! من أنت؟!
الشابفي طريقة آلية) أنا الموووت.
شارون:الموت لا يرى ولا يتمثل بالبشر!
الشاب: سترونه في أرضنا.. في كل مكان وتحت كل حجر.
شارونيضحك في عصبية ليبدد خوفه) آه .. عرفتك أيها الموت.. أنت منهم (يطلق الرصاص على الشاب) خذ أيها الموت.. خذ.. خذ (يستمر في ضحكه وعصبيته).
الشاب يمشي بظهره باتجاه النافذة التي دخل منها، والدماء تسيل من كل مكان في جسده.. يصل إلى النافذة فيلقي بنفسه إلى الخارج).
شارونيصيح كالمجنون) أيها الجنود.. يا حراس.. أيها النائمون.. أيها الخونة (يدخل جماعة من الحراس بمسدساتهم).
حارس1:أوامرك يا سيدي القائد.
شارونيصوب مسدسه تجاههم ويهم بإطلاق الرصاص، لكنه يتراجع) لولا حاجتي إليكم لقضيت عليكم من فوري (في ثورة) ما فائدة وجودكم هنا؟.. تأكلون وتمرحون وتقبضون الرواتب نهاية كل شهر!! ألم تسمعوا طلقات الرصاص منذ قليل؟!
حارس2: سمعنا يا سيدي.. سمعناك وأنت تهدر في غضب!
شارون: يالك من وقح متبجح! تقولها هكذا؟! إذن أنت معترف بتقصيرك وهؤلاء الخونة في أداء واجبكم؟
حارس3: سيدي الرئيس، أنت تعلم أننا من أخلص حراسك ومن العاملين لمجد إسرائيل.
شارون: دعك من هذه الشعارات..أنا أعرفكم وأعرف أغراضكم.. لو أنكم تعملون لمجد إسرائيل لما توانيتم لحظة فور سماعكم إياي وأنا أستغيث وأطلق الرصاص!
حارس1: نحن تعودنا سماع صوت الرصاص والصياح، وكم مرة هرعنا إليك، فوبختنا واتهمتنا بالتجسس عليك وزوجتك.
شارون : أيها الخبيث.. صياحي على زوجتي لم يعدُ العتب البسيط، ولم أطلق عليها الرصاص، وإن فعلت فتهويشاً..أما هذه الليلة فالوضع مختلف.. لقد اقتحم أحد العرب غرفتي وهم بقتلي، لكنني عالجته بمسدسي.
حارس2: وكيف نستطيع أن نميز بين الرصاص الحقيقي ورصاص التهويش؟!
شارون: ألا تفهمون؟ ألم تسمعوا تتابع الطلقات.
حارس3: حسبناك تتعاتب وزوجتك!
شارون: لا تستغفلني أيها الروسي، وأخلص لإسرائيل واعمل لمجدها كما تدعي، بدلاً أن تبحث عن مبررات فارغة!
حارس3: سيدي.. سبق وأن دخلت غرفتك على إثر طلقات سمعتها، فوجدتك وزوجك... (ينظر لرفاقه ثم يبتسم في خبث) فنهرتني وحذرتني من تكرارها.
شارون: لكنك تعلم أني أنام لوحدي منذ تصاعد الأحداث، تحسباً لما حدث الليلة.
حارس1: لم نتلق أية تعليمات جديدة بالاقتحام.
شارون: إليكم تعليماتي من الآن.. لا تترددوا في الدخول عليّ إذا سمعتم ما يريبكم .. أريدكم إلى جواري دائماً.
حارس2: نحن رهن إشارتك سيدي القائد.
حارس3: أين جثة هذا المجرم، لنعرف هويته ومن أي الفصائل هو؟
شارون: ابحثوا عنه في الحديقة ستجدونه ميتاً.. ألقى بنفسه من النافذة بعد أن أفرغت مسدسي في صدره.
حارس1: طاب مساؤك سيدي الرئيس.. نعدك بأننا سننكل بكل الذين يثبت تورطهم في هذا الجرم الآثم، فالذي حدث الليلة نعتبره اعتداء على أمن إسرائيل واليهود في كل مكان (يشير لرفاقه بالانصراف، وينحني محيياً شارون.. يخرجون).
- 2-
"نافورة في وسط حديقة منزل شارون..الوقت في الصباح الباكر..الحراس الثلاثة يبحثون ما حدث للرئيس قبل ساعات قليلة"
حارس3: قلت لكم من قبل إن هذا الرجل يرى أشياءً غير حقيقية.. لم يعد لدي صبر على البقاء هنا.. سأعود من حيث أتيت.
حارس1: لكننا سمعنا صياحه وطلقات مسدسه!
حارس3: أين من قتله؟.. لقد فتشنا الحديقة شبراً شبراً ولم نجد له أثراً .. الرجل يتوهم أنه يضرب ويقتل، وهذا غير صحيح .. شارون يخرف!
حارس2: خفض صوتك!
حارس3: ليس لدي ما أخاف عليه (يزفر في غيظ) عندما كنت في روسيا كان يعمل تحت إمرتي لواء حربي من ستمئة ضابط وجندي.. كنت مرشحاً لقيادة وزارة الدفاع هناك؛ فتركت كل هذا وأتيت إلى هنا لأحرس رجلاً حياته كلها خيالات وأشباح!
حارس1: لكنك أتيت إلى هنا باختيارك.
حارس3: هذا صحيح؛ فلم أكن أعلم أنني سأعاني هذا التوتر والاضطراب .. الرجل يخرف يا جماعة، فهو يصيح كل ليلة ويطلق الرصاص في الهواء!
حارس2: الوضع الليلة مختلف.
حارس3: (يضحك في سخرية) صدقت.. ففي الليالي السابقة كنا نسمع الصياح وصوت الرصاص فقط، أما هذه الليلة فقد استدعانا ووبخنا واتهمنا بالتقصير والخيانة!
حارس1: الرئيس يقول إنه قتل أحد الفلسطينيين.
حارس3: (في حدة) أين هذا القتيل؟
حارس2: ربما هرب؛ فالعرب كالقطط بسبعة أرواح.
حارس3: لو كان له أرواح قطط العرب مجتمعة، وأفرغ صاحبكم مسدسه في صدره كما يزعم لعثرنا على آثار دمائه على الأقل!
حارس1: ماذا تقصد بالضبط؟
حارس3: أقصد أن الرجل يعاني حالة نفسية سيئة، بعد أن قادنا جميعاً إلى لجج لن نخرج منها، فهو يخيل إليه أنه ملاحق دائماً، وأن المؤامرات لا تهدأ من حوله، برغم وجوده في حراسة ثلاثة من أكفأ الضباط في إسرائيل.
حارس1: (يتمطى فارداً ذراعيه إلى الوراء) دعنا الآن من الكفاءة، وادع لنا إحدى جندياتك لتعد لنا الإفطار، فقد أرهقنا هذه الليلة.
(يتبع)
-3-
"غرفة نوم شارون بعد شهرين من أحداث المشهد الأول.. شارون نائم في فراشه.. الوقت في الثلث الأخير من الليل.. النافذة تصفق في قوة ثم يدخل منها شاب قريب الشبه بالشاب السابق وشبحان لرجلين في أزياء ليست من عصرنا".
الشاب: (يقفز إلى فراش شارون واضعاً مسدسه فوق أنفه بينما انتحى الشبحان ركناً في الغرفة) تأخرت عليك؟
شارون: (يحُبس صوته من هول المفاجأة ولا يستطيع الصراخ فيتكلم بصوت مخنوق) من أنت؟ من هذان؟ ماذا تريدون؟!!
الشاب: سرعان ما نسيتني.. أنا الموووت.. وعدتك بالزيارة ووفيت.
شارون: (عيناه مثبتتان على المسدس الذي أثر في أنفه) كيف استطعت أن تخترق الحراس؟
الشاب: كما اخترقتهم في المرة السابقة.
شارون: هل أتيت إلى هنا من قبل؟!
الشاب: أنسيت الشاب الذي أفرغت مسدسك في صدره؟
شارون: لست هو.. الآخر أنحف منك وأقصر.
الشاب : أنا نفس الشاب الذي توهمت أنك قتلته في المرة السابقة.. سآتيك في صور كثيرة.. رجل، شاب، شيخ وامرأة وطفل.. أنا الموووت.
شارون: (يشير برأسه في صعوبة تجاه الرجلين) وهذان؟
الشاب: ألم تعرفهما؟ يا لك من بليد الفهم ضعيف الذاكرة (يشير للأول) هذا سيدي السلطان صلاح الدين الأيوبي، والآخر الملك ريتشارد قلب الأسد.. عرفتهما؟
شارون: (مبهوتاً) ما هذا الكابوس الثقيل (ينادي) يا حرا....(يعاجله الشاب بلكمة في صدغه)..
شارون: دعني أشد شعر رأسي من العجب.. كيف يجتمع ريتشارد وصلاح الدين؛ العدوان اللدودان؟!
الشاب: ريتشارد أتى معاتباً مولانا السلطان لتفريطه في القدس وتسليمها لكم. فصحبه السلطان وقدما ينكران علينا هذا العار!!
شارون: أتريد أن تقنعني أن هذين ريتشارد وصلاح الدين، وأنك نفس الشاب الذي قتلته من قبل!! محال.. محال.. يبدو أنني محموم.. نعم أنا محموم.. أنا أخرف!
الشاب: (يجذبه من قفاه ويلقيه في أرض الغرفة) انهض وارفع يديك لأعلى.. لأعلى.
شارون: (يرفع يديه لأعلى) أيها العربي الطيب.. دعني وسترى مني كل الخير.
الشاب: ها.. هل عاد إليك صوابك؟ صدقت أن هذين مولانا السلطان والملك ريتشارد (يصوب مسدسه تجاه شارون ويهم بإطلاق الرصاص عليه).
شارون: (يبكي في ذلة) أيها العربي الطيب لا تقتلني.. أرجوك. سنجلو عن أرضكم.. دعني وسأسلمها للسلطة في الصباح.. سيكون قرار الجلاء عن أرضكم أول ورقة أوقعها في يومي.
الشاب: (ساخراً) أحقاً ستجلون عن أرضنا؟
شارون: أقسم لك بشرفي.
الشاب: أقسم بشيء آخر.
شارون: أعاهدك أمام هذين.. سآمر قواتي بالانسحاب فوراً.
الشاب: إلى أين؟
شارون: إلى أرضنا.. أرض 48.
الشاب: (يضحك ويقهقه غير عابئ بالليل والحراس ثم يقول في سخرية) كل هذا الكرم؟ ستعودون إلى أرض 48.. أرض48؟!!
شارون: ألا يرضيك هذا؟
الشاب: لا.
شارون : ماذا تريد إذاً؟ أتريد تشريدنا؟
الشاب: ولا هذا أيضاً.. سنمنحكم مساحة في أرض 48 كما تريد.. لكن في باطنها!
شارون: كيف؟
الشاب: سأقول لك كيف.. في الزيارة القادمة (يهم بالانصراف) يديك لأعلى .. لأعلى (يخرج من النافذة ومعه صلاح الدين وريتشارد).
شارون: (ينادي بصوت خفيض لا يسمعه إلا هو ويداه مرفوعتان لأعلى كالممسوس) يا حراااس.. أنقذوووني.. صلاح الدين وريتشارد والعربي الوقح يتآمرون عليّ.. يا حراااس(لا أحد يجيبه.. يتلفت يميناً وشمالا ليتأكد من خلو المكان.. يتوجه ناحية فراشه ويديه لأعلى.. يسحب مسدسه ثم يطلق الرصاص في غزارة وهو يصرخ وينادي الحراس في هيستيريا) يا حرااس.. يا خونة (يدخل الحراس على إثر صوت الأعيرة النارية) يا خونة.. أيها النائمون.. هكذا أنتم لا تأتون إلا بعد فرار القتلة. أتدرون من كان عندي الليلة؟ (يخفض صوته ويوسع عينيه) كان عندي صلاح الدين الأيوبي وريتشارد قلب الأسد والعربي الذي قتلته!!
الحراس: (ينظر بعضهم إلى بعض)
شارون: لستم مصدقي؟ يا للأسف.. أغبياء!!
الحارس1يخرج هاتفه الجوال ثم يطلب رقماً) آلو.. مرحباً.. مستشفى الصحة النفسية؟ نعم.. أحدثكم من منزل رئيس الوزراء.. سيدي الرئيس يعاني اضطراباً نفسياً وهياجاً شديداً.. أنقذونا.
شارون: (يطلق الرصاص في عشوائية)
الحراس: (يكتفونه لئلا يؤذي نفسه ويؤذيهم)
شارون: لست مجنوناً.. أنتم المجانين.. لست مجنوناً.. لست مجنوناً.
بقلم: علي محمد الغريب
...............................
عزيز أباظة (1898 - 1973م)، هو شاعر مصري من أصول شركسية يعد رائد الحركة المسرحية الشعرية بعد أحمد شوقي. بالإضافة إلى كونه المدير السابق لعدة أقاليم مصرية منها القليوبية والمنيا وبورسعيد وأسيوط.
نشأته وحياته
ولد في منيا القمح في محافظة الشرقية عام 1898 وتلقى تعليمه الابتدائي في المدرسة الناصرية الابتدائية، وأكمل دراسته في كلية فيكتوريا في الإسكندرية ثم المدرسة التوفيقية بشبرا ثم المدرسة السعيدية.
درس القانون وتخرج من كلية الحقوق بالقاهرة عام 1923. تمرن على المحاماة في مكتب وهيب دوس بك المحامي لمدة عامين، ثم التحق بالحكومة وشغل عدة مناصب فيها فعمل مساعداً للنيابة فوكيلاً للنيابة في مديرية الغربية.
وفاز بعضوية مجلس النواب عام 1929، عاد بعدها ليتولى عدة مناصب إدارية منها وكيلاً لمديرية البحيرة عام 1935، ومديراً للقليوبية عام 1938 ثم مديراً للفيوم ثم مديراً للبحــيرة، ثم عين محافظاً لبورسعيد وحاكماً عسكرياً عام 1942، ومنها مديراً لأسيوط.
نال رتبة باشا أثناء خدمته في أسيوط، ثم عين عضواً في مجلس الشيوخ عام 1947. اختير عضواً بمجمع اللغة العربية في القاهرة سنة 1959 ورئيساً للجنةالشعر بالمجـلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب كما عين عضواً بالمجمع العلمي العراقي. حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1965.
أعماله الأدبية
اتسم أسلوبه بالجزالة والقوة والفخامة، له ديوان شعر بعنوان "أنات حائرة" نشره عام 1943 وألف تسع مسـرحيات شـعرية هي:
قيس ولبنى - نشر عام 1943.
العباسة - نشر عام 1947.
الناصر- نشر عام 1949.
شجرة الدر - نشر عام 1950.
غروب الأندلس - نشر عام 1952.
شهريار - نشر عام 1955.
أوراق الخريف - نشر عام 1957.
قيصر - نشر عام 1963.
زهرة - نشر عام 1968.
ديوان عزيز أباظة ، وأصدر بعد وفاته، وضم أربعة دواوين في العاطفة والقومية والرثاء وقصائد أخرى
كتاب(أشعار لم تنشر لعزيز أباظة) ، أصدرته أبنته (عفاف أباظة) بعد وفاته ويضم أشعار لم تنشر في أي الدواوين والمسرحيات السابقة
.........................................
*عن موقع: مسرح أون لاين.
الكاتب المسرحي علي محمد الغريب في حوار مع مجلة "المجتمع" الكويتية
حوار: محمد شلال الحناحنة
.....................................
الكاتب المسرحي علي محمد الغريب من كتاب المسرح الإسلامي القلائل الذين يرون في رسالة عظيمة تعزز من قيم المجتمع وفكره، وانتمائه لتراثنا وحضارتنا العريقة، وثقافتنا الأصيلة، وقد أصدر أكثر من مجموعة مسرحية، وهو الآن يعمل سكرتيراً للتحرير بموقع المرأة "لها أون لاين" على الإنترنت، وقد حاورته المجتمع مؤخراً في العاصمة السعودية الرياض فكان هذا اللقاء:
*على الغريب صوت مسرحي يمتلك حساً مرهفاً في صوغ المسرحية .. ألا تحدثنا عن البدايات الأولى؟
ـ بداياتي المسرحية كانت منذ الطفولة، عندما شاركت في التمثيل وأنا بالصف الأول من المرحلة الإعدادية عام 1983م في مدرسة "نشا" الإعدادية، وأذكر أنني حصلت يومها على جائزة وشهادة تقدير عن أدائي التمثيلي.
ثم نما حب المسرح عندي وكنت أعد نفسي لأن أكون ممثلاً مسرحياً، ولم أفكر في الكتابة للمسرح إلا أثناء فترة التجنيد عندما رحت أبحث عن شيء يسليني ويخفف عني جفاف الحياة في الصحراء، فكان أن كتبت أولى تجاربي التي لم تنشر وهي مسرحية كتبتها بالعامية؛ ثم توالى اهتمامي بالمسرح كفن تمثيلي، وحاولت الالتحاق بمعهد الفنون المسرحية لدراسة الإخراج والتمثيل، وعندما التقيت أستاذنا الفاضل الدكتور "حلمي القاعود" عارضاً عليه تجربتي الثانية باللغة العربية الفصحى "قبل الغروب" وأخبرته برغبتي الملحة في دراسة الإخراج والتمثيل نصحني بالتوجه للكتابة، عندما لمس فيّ بذرة كاتب مسرحي قد يكون مجيداً، وقال لي: الكتابة أفضل؛ فحاجتنا إلى كاتب أولى من حاجتنا إلى ممثل أو مخرج، وضرب لي الكثير من الأمثلة على الممثلين الناجحين الذين لم يدرسوا هذا الفن أصلاً.
ثم نشرت أول أعمالي ـ فصل من مسرحية "قبل الغروب" ـ في مجلة الأدب الإسلامي بمساعدة الدكتور "القاعود" عام 1995م، ثم توجهت بالكلية للكتابة، واستفدت من حبي للتمثيل في تجويد ما أكتبه وتمثيله أثناء الكتابة، وأصدرت أول كتبي "المسرح المدرسي" عام 1999م، ثم مسرحية "محروس طالع القمر" التي صدرت ضمن سلسلة "أصوات معاصرة" التي أسسها ويشرف عليها الشاعر الدكتور حسين على محمد الذي كان له الفضل هو والدكتور القاعود (بعد الله تعالى) في توجهي للكتابة المسرحية.
*من هي الشخصية التي تأثرت بها في كتابتك المسرحية؟
ـ تأثرت كثيراً بالكاتبين الكبيرين "توفيق الحكيم" و "علي أحمد باكثير" وكان تأثري بالأخير أكثر وأوضح.
*يجيز بعض الأدباء استخدام العامية في الكتابة الأدبية، محتجين بأنها أقرب إلى الواقع، بينما يمنعها بعضهم ويرفضها تماماً، وهناك فريق آخر يجيزها في بعض المواضع فقط كالحوار مثلاً، فما رأيك في هذه القضية ومع أي فريق أنت؟
ـ طبعاً أنا مع الفريق الذي لا يرى العامية. وهذه قضية كثر الكلام فيها وهناك الكثير من التجارب نستطيع أن نستفيد منها كتجربة توفيق الحكيم في مسرحية "الصفقة" مثلاً ، فهذه المسرحية من أروع ما كتب بالفصحى الميسرة، كذلك كتب باكثير عدداً من مسرحياته بالطريقة نفسها مثل "جلفدان هانم"، و"الدنيا فوضى" و"حبل الغسيل" وغيرها الكثير.. المشكلة ليست في الفصحى إذن؛ المشكلة في عدم الاستعداد للتنازل عن العامية لدى البعض بحجة الواقعية!
استمع مثلاً إلى بعض المسرحيات القديمة التي قدمها "يوسف وهبي" ستجدها من هذه الشاكلة ـ الفصحى الميسرة ـ ولم يقل أحد بأن "يوسف وهبي" لم يكن واقعياً!
*ما الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون إيجابياً في المسرحية؟
ـ لكي تنجح المسرحية الرمزية يجب على الكاتب أن يبدو عفوياً وألا يتصنع فيفسد عمله، ويكون فجاً متكلفاً، وهذا ما يراه الأستاذ على أحمد باكثير حيث يقول في كتابه "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية": (أن يكون الرمز كلياً شائعاً في المسرحية كلها بحيث تكون المسرحية واقعية نابضة بالحياة في حوادثها وشخوصها، كأية مسرحية جيدة. ولكن يكون لها فوق هذه الدلالة الطبيعية دلالة ثانية أدق وأعمق وتقع من الدلالة الأولى موقع الصدى من الصوت).
*أسماء الشخوص لدى علي الغريب ذات علاقة حميمة بالحدث، هل ترى أن ذلك مهم في الفن المسرحي؟
أراه مهماً بالنسبة لي، فكلما كان الاسم ذا دلالة تتصل بسلوك الشخصية وعلاقتها بالحدث كلما كان وقعه في النفس أعمق، وساعد على إيصال الرسالة بطريقة غير مباشرة.
*لاحظت في مسرحياتك الأخيرة أنك تنطق الوقائع التاريخية بمغزى روحي عميق .. ترى ما أهمية ذلك في تجربتك الإبداعية؟
ـ أجدني منجذباً للتاريخ في الوقت الراهن؛ ففيه حضارتنا وتراثنا الذي يجب أن ننزله من فوق الرفوف ونخرجه من المكتبات ليتنفس بيننا، نستفيد منه، ونعلمه أولادنا ونفخر أننا ننتمي إليه، وأننا امتداد لهولاء الذين غيروا وجه الأرض ذات زمن.
*هناك من يتحفظ على المسرحية الإسلامية ويضع مواصفات محددة لها .. ما رأيك؟
ـ المسرحية الإسلامية كالراوية الإسلامية وكالقصة الإسلامية، لكاتبها أن ينطلق حيثما شاء، وكيفما شاء؛ شريطة أن يحقق التوازن بين الفن والالتزام وفق تصور الإسلام للإنسان والكون الحياة، وأظن أن هذا لا يختلف عليه كل الذين يسعون لنشر الإبداع الإسلامي والأدب الإسلامي.
وإذا كان للمسرح شيء من الخصوصية، كونه يؤدى على المسرح، ويتطلب وجود فريق من الممثلين فإن التحفظ يكون عليه أشد لا سيما إذا تطلب العرض المسرحي وجود العنصر النسائي.
* بمناسبة ذكر العنصر النسائي.. هل يمكن أن نرى مسرحاً ناجحاً خالياً من العنصر النسائي؟
ـ نعم من الممكن جداً أن نرى مسرحاً ناجحاً وممتعاً دون حاجة لظهور العنصر النسائي على المسرح.
*لكن ألا يؤثر ذلك على العمل الفني ويضعفه؟
ـ الأمر هنا يتوقف على مدى التعامل الجيد مع النص وكتابته بطريقة فنية لا تشعر المشاهد بوجود سقطة تجعله يقول في نفسه كان يجب أن تكون هنا امرأة أو ما شابه ذلك، وأنا شخصياً التزمت هذا في مسرحيتي الأخيرة "حلاق بغداد الجديد"، وبالرغم من ذلك فالمرأة لها حضور فاعل في المسرحية دون أن تظهر على المسرح، ودون أن يشعر القارئ أو المشاهد بضرورة وجودها.
وهناك العديد من التجارب الناجحة التي قدمت مسرحاً خالياً من النساء، ولم يقل أحد بأنها ضعيفة، والذين يقولون بغير ذلك لا حجة لديهم إذ إن ما قدم من نصوص خالية من العنصر نسائي لا ترقى إلى الحكم عليها بصلاحية التجربة من عدمها، والأمر يرجع إلى ندرة النصوص المقدمة بهذه الطريقة في الأساس. إذن نحن بحاجة إلى إنتاج عدد غير قليل من هذه النوعية من المسرحيات، وبعدما يقدم لها الدعم الفني الكافي من نص، وممثلين، ومخرج، وإضاءة، وديكور إلى آخر ما يتطلبه العرض الجيد، ومن ثم نستطيع أن نحكم عليها.
*ما جديدك القادم؟
ـ انتهيت منذ مدة من مسرحية "حلاق بغداد الجديد" وهي تدور أحداثها في بغداد في زمن الحصار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: مجلة المجتمع الكويتية ـ العدد 1587ـ 9ذو الحجة 1424هـ الموافق 31/1/2004م.
قصة قصيرة، بقلم: علي محمد الغريب
................................................
ـ هل تنساني يا سعد؟
ـ أنت أمي.. هل ينسى أحد أمه؟
ـ عروستك حلوة ستنسيك جد جدك!
سمعتها عروسي صفاء فتركت قطعة ثياب كانت تضعها في الحقيبة، وأقبلت من زاوية بالغرفة الفسيحة لتقبلها وتمسح على ظهرها في حنان:
ـ سعد لا يمكن أن ينساك يا ماما.. إنه يحبك مثل المرحومة أمه وأكثر.
ـ لو كان يحبني كما تقولين لما استعجل على السفر ولجلس معنا وقتاً أطول.. أنتما متزوجان من أسبوع واحد يا أولاد.. لم نفرح بكما.
ـ عملي يضطرني للسفر في أقرب وقت يا ماما.
ـ عملك أم أنك تريد أن تختلي بالغزال؟!
قالتها ثم نظرت لصفاء وراحت تضحك في فرح حقيقي وهي تضع طرف طرحتها على فمها، ثم تناولت زجاجة العطر من فوق التسريحة وراحت تغمرني برذاذها، وأطلقت زغرودة أطربتني.. دخل عمي جميل زوج أمي وزوجها وهو يزجرها:
ـ لا تعطليه يا "رجاء" لم يبق إلا ثلاث ساعات على موعد الطائرة.
ـ دعني أشبع منهما قبل أن يرحلا عنا.. فقلت:
ـ سأستخرج لك تأشيرة زيارة لتشرفينا هناك.. لكن بعد عام العسل.. قلتها مازحاً وضحكت.. لكن مزحتي لم تقع من نفسها موقعاً طيباً فكان رد الفعل بادياً على وجهها وقالت:
ـ ليس لي هنا إلا أنت.. هل تتركني عاماً كاملاً لوحدي؟ قالتها ونظرت لزوجها، وكأن الرجل فهم ما دار برأسها فقال مهوناً:
ـ يا ستي كل هؤلاء العيال أولادك..
*****
عمي جميل لم يُرِدْ.. لم يخطر على قلبه أن المرأة التي طالما تمنى أن يراها مهزومة، مكسورة الفؤاد ستكون يوماً طوع يمينه، رهن إشارته، تمنحه لقب أبي سعد، بعد أن كان هذا لقب أخيه زوجها المتوفى.. لم يخطر له أبداً أن تمنحه نفسها، وكل ما تملك حتى أولاد أخيه!
أرغمتنا أمي ـ أنا وأخوتي ـ أن ننادي عمنا جميل بـ "يا أبي" فصرت أناديه يا أبي وصار هو ينادني يا ابني! ولا أدري كيف استطاعت أمي أن تحقق هذه المعادلة الصعبة، وهي التي ما كانت لتنزل لعمي من زورٍ، ولم يرها غير امرأة تهوى المشاكل، توقع بين رجال العائلة وتضطهد زوجته الحنون "رجاء"، التي تزوجها عن قصة حب سمعت به القرية كلها؟
كنت أول مندهش لهذا التحول السريع المريب من جانب أمي تجاه عمي، هل كانت تهواه وقد أمكنتها وفاة أبي من تحقيق ما تمنت؟ هل عاشت طوال هذه السنين تخدع أبي المريض؟ أيعقل هذا وهي من كانت لا تكف عن إيغار صدر أبي على أخيه وزوجته وتطالبه بضرورة طردهما من البيت؟ هل كانت تفعل هذا اجتهاداً منها في إبعاد النار عن البنزين؟!
وعمي جميل.. كيف طابت نفسه أن ينظر لامرأة أخيه، وأن يفكر فيها؟ وما تفسير نظرات الحقد والغضب المكتوم على أمي التي كنت أراها تكاد تقفز من عينيه احتجاجاً على شدتها وتسلطها على أبي وعلى كل من بالدار؟ هل كان يمثل علينا، هل كانت نظراته تلك تحجب أعاصير الهوى التي تموج في صدره؟!
وزوجته ـ أمي رجاء ـ هل كانت بلهاء إلى هذه الدرجة؟ ألم تنبهها حاسة الأنثى يوماً أن عمي يميل لأمي، ألم يخامرها الشك مطلقاً؟!
*****
نساء القرية ومجالس النميمة أسدت إليّ معروفاً في فك لغز تحول أمي تجاه عمي، إذ كنت في سن لا تمكنني من فهم ما حدث من تلقاء نفسي..
وكانت هذه السيرة مادة ثرية لأهل القرية لإمضاء الأمسيات الصيفية على المصاطب أمام الدور، فكانت أذني تلتقط عبارات وجملاً مبتورة أثناء مروري من أمامهن، كشفت لي الأمر برمته:
ـ خير ما عملت "سناء".. هذا أحسن لها ولأولادها اليتامى.
ـ لكن ما ذنب المسكينة رجاء؟
ـ يا عيني عليها حظها قليل.. حلاوة وأدب، لكن يا خسارة الحلو ما يكمل.
ـ زوجها "جميل" لف بها عند دكاترة الدنيا كلها.. ولا فائدة.
ـ حظها!!
تحقق لأمي ما أرادت ووافق عمي من الزواج بها شبه مرغم! بعد ضغوطات كبيرة من كبار العائلة، وبعد ليلة طويلة قضاها مع "رجاء" يمهد لها استقبال الحياة الجديدة، ويؤكد لها أن سناء لن تنال من قلبه إلا بمقدار ما ينال المخيط من النهر، وأنها ـ رجاء ـ حبه الأول والأخير، وأشياء كثيرة راح يحدثها عنها؛ لكنها لم تكن معه، فقد كانت توازن بين قرارين: طلب الطلاق، أو الرضا بالواقع والعيش مع امرأة سامتها وزوجها صنوف الأذى من قبل، واليوم يتطاول أذاها إلى الحد الذي تجرأت فيه على هدم عشها وأخذ زوجها منها.. وبعد لحظات من التفكير اعتصرت قلبها وفكرها، مد جميل يده إليها ماسحاً دموعها بكفه:
ـ ماذا قلت يا رجاء؟.. الكلمة الأخيرة لك.
ـ قالت من بين دموعها:هل تتراجع إذا رفضت؟
ـ كما ترين.. لكنهم أولاد أخي.... ثم أطرق باكياً، فألقت برأسها على صدره وهي تنشج:
ـ أولاد أخيك أولادي يا جميل.
تدافعت الأيام والليالي وأمي تزداد تمسكاً بكل شيء.. بالزوج والأولاد والدار والحقل، أما رجاء فلم تتمسك إلا بنا.. أحببناها أكثر من حبنا لأمي، التي كانت تلقي وليدها ولا تلفت إليه! حتى نشأ أخوتي من أمي بتركيبة عجيبة فالمادة منها والروح من أمي رجاء!
وما زالت أمي على حرصها على كل شيء، ودأبها أن تثبت لعمي أنها تربة خصبة، فكانت تنجب منه عاما بعد عام في مواعيد شبه ثابتة، كأنها كانت تتحدى شيئاً ما.. ومازالت هكذا حتى حل المرض بجسدها، الذي كان يتضاءل مع كل ولادة جديدة، إلى أن وصلت حافة الحياة وانتهى أجلها؛ فماتت مخلفة وراءها أكواماً من البشر خلصت جميعها لرجاء مادة وروحاً!
******
دخل أخي الصغير صائحاً: هيا السيارة منتظرة بالخارج، فنظر عمي جميل في ساعته ثم نظر لأمي رجاء معاتباً:
ـ استرحت الآن ها نحن تأخرنا نصف ساعة!
تقدمت أمي رجاء مني واحتضنتني بحنان غامر:
ـ خذ بالك من نفسك.. لا تزعل عروسك.. لا تنسنا.. اتصل علينا أسبوعياً.
حملت حقيبتي الصغيرة وودعت عمي جميل وأقبلت هي تقبل صفاء وقبلتني مرة أخرى ثم أشارت بإصبعها:
ـ لا تنس
ـ حاضر..
ودعت وعروسي جميع من بالدار، وركبنا السيارة فتحرك السائق ببطء والجميع يلوحون لنا من شرفة الدار الواسعة وأغصان الصفصاف تتمايل.. التفت في مقعدي بالسيارة نصف التفاتة، لألقي نظرة أخيرة على الشرفة فوجدت أمي رجاء وقد أحاط بها أخوتي فغاصت بينهم ولم يبد منها إلا رأسها الملفوف في شال أبيض ناصع، فتذكرت أمي سناء، وبكيت على تربة خصبة ظلت تقذف ثماراً لا تعرف عنها شيئاً بمجرد خروجها منها!
قصة قصيرة، بقلم: علي محمد الغريب
................................................
كانت بضاعة أخي مسعود الذي أحب التجارة منذ صغره متمثلة في خفة روحه، وملاحة طرفته، وسرعة بديهته، وغير ذلك لا يملك شيئاً من أسباب التجارة، فقد كان يبيع لنا –نحن إخوته- أقلامه وكراريسه في الليل، ليحصل على ما معنا من قروش، ثم يستردها في الصباح ونحن ذاهبون إلى المدرسة، بأن يشتريها بالأجل أو يستلفها ولا يردها، وكانت صداقته تملأ المدرسة طولاً وعرضاً، لكننا قليلاً ما نرى وجهه خالياً من نياشين الشهامة –كما كان يسميها- فكثيراً ما ترى كدمة في خده، أو زرقة داكنة قد علت عينيه الواسعتين.
مرت سنوات الدراسة الأولى، ودخلنا الثانوية، فكان من الضروري أن يغير مسعود من أدواته، وأن يبحث عن طريقة جديدة لئلا تبور تجارته، فبدأ يعمل بشكل اكثر جدية مع تحليه بروح الدعابة، لكنه كان لا يطلع أحداً من المحيطين به عن طبيعة تجارته الجديدة، وما عاد يتباهى بنياشين الشهامة، فغدت صفحة وجهه صافية كالمرآة، وبدا جمال عينيه الحقيقي بعدما تخلصت من الزرقة الداكنة التي كانت لا تنزل عنهما إلا قليلاً.
بدا مسعود يشارك أبي في مسؤولية البيت بشكل غير مباشر دون كأن يوفر لنا حاجاتنا من الأدوات المدرسية، وما نحتاج إليه من مذكرات، بعد أن اشترى دراجة جديدة، كانت مشروعه الذي يعتمد عليه فيما يتكسبه، وكانت تبدو جديدة في كل مرة نراها، ولا نرى فيها تغيراً، وما تزيدها الأيام إلا لمعاناً وجمالاً أو هكذا كنا نتخيل!.
تحسنت أحوال مسعود شيئاً فشيئاً، فكنا نراه يرتدي ثياباً جديدة، ويحمل أقلاماً أنيقة، ليست مثل التي كان يبيعها لنا في الليل، ثم يشتريها بالأجل في الصباح؛ والحقيقة أنه ما كان يبخل عليّ بشيء، فقد كان ينقدني من آن لآخر مبلغاً لا بأس به، فكانت تتملكني الحيرة، وأتساءل: من أين يأتي مسعود بهذه النقود؟ هل يسرقها؟! لا ..لا .. أستغفر الله العظيم، مسعود أخي وأنا أعرفه. هو مرح حقاً لكنه لا يحب الحرام.
ولما أعياني التساؤل فكرت أن أستطلع أخباره من بعض الأصدقاء المشتركين، إذ إنه كان يكبرني بعام واحد في الدراسة، وأعوام في العمر، وكلانا على علاقة بأصدقاء صاحبه.
وبعد طول بحث واستفسار علمت أن أخي مسعود يذهب لإحدى المدن الساحلية التي تكثر فيها البضائع المستوردة ويشتريها بأسعار زهيدة، ثم يبيعها في مدينتنا بضعف ثمنها أو أقل قليلاً. لكن سؤلاً آخر أخذ يلح عليّ: كيف لأخي مسعود الحصول على هذه السلع من تلك المدينة دون خضوعه لرسوم الجمارك؟ لو كان الأمر بهذه السهولة لما تعب أحد في الحصول على المال، ولفعل مثلما يفعل مسعود؛ ترى أيكون عاد لتعليق نياشين الشهامة من جديد؟! لو فعل ما صمد على شهامته مرة أو مرتين على الأكثر؛ إذاً هناك لغز في الأمر!
رحت أفكر مع الأصدقاء من جديد، فتوصلنا إلى أننا سنطلب من مسعود أن يصحبنا معه إلى تلك المدينة التي يجلب منها بضاعته، وليتخذنا أتباعاً أو صبياناً؛ المهم أن نصل إلى الحقيقة.
طلبنا منه الصحبة فرحب على غير توقعنا، فتوجهنا معه إلى المدينة وقد حمل كلُ منا "تحويشة عمره" ليشترى بها بضاعة، واعتمدنا على مسعود في تخليصنا من موظف الجمرك ببداهته الحاضرة وروحه المرحة أو هكذا توهمنا!
اشترينا ما في استطاعتنا، وعلى قدر أموالنا وكنا نهمس لبعضنا البعض: هذه الصفقة –لو تمت- ستكون فاتحة تجارة رائجة.. دخلنا الجمرك يتقدمنا مسعود يمشي إلى جوار دراجته، ثم ألقى التحية على الموظف ومر كأنه واحد من العاملين بالمكان، أو أحد المسؤولين؛ ففرحت كثيراً وأسرعت لألحق به لكن الموظف رشقني بنظرة جمدتني في مكاني ثم قال:
على فين العزم؟
على بيتنا.
بعد أن تدفع ما عليك أولاً، ثم أخذ أشيائي وسجلها في ورقة أمامه، وقال بلهجة آمرة: خمسة وعشرين جنيه .. اللي بعده.
تهاوت الآمال وضاعت تحويشة العمر لأن ما سأكسبه في البضاعة لن يضاهي قيمة الجمرك بأي حال من الأحوال.
فعل الموظف مع الأصدقاء ما فعله معي فرجعنا نجر أذيال الخيبة، ووجدنا مسعوداً بانتظارنا خارج صالة الجمرك، وقد اغرورقت عيناه من الضحك؛ واغرورقت عيوننا من الغيظ منه وموظف الجمرك، ثم قال أحدنا لمسعود: أنت حرامي.
فرد مسعود عليه في هدوء: شكراً.
-والموظف هو الآخر حرامي، لأنه تركك تمر دون أن يجمركك!
-علام يجمركني؟ ليس معي إلا دراجتي الخاصة فقط.
-إذاً فلماذا أتيت؟
-أبداً .. أتأمل البحر والطبيعة.
لم يستطع صاحبنا أن يثبت شيئاً على مسعود؛ وكيف له وقد حاول معه موظف الجمرك مراراً لكنه لم يفلح. رجعنا وقد عقدنا النية أننا لن نعيد الكرة، أما مسعود فكان يقوم برحلاته في أوقات محددة كأنه رجل أعمال أو واحد من كبار التجار!
تملكنا الغيظ والإعجاب، ثم أخذنا نفكر في طريقة نرد بها اعتبارنا، لكن دون جدوى!
استمر مسعود على حاله تلك أكثر من عام كامل، وفي إحدى المرات بينما هو خارج من الصالة كعادته يسير إلى جوار دراجته استوقفه الموظف نفسه:
لقد تجاوزت حدودك أكثر من اللازم!
ماذا حدث يا سيدي؟
أخرج ما معك.
لا شيء معي غير دراجتي.
لماذا تأتي إلى هنا إذاً؟
أبداً أزور أحد أقاربي.
هذا اليوم بالذات من كل أسبوع؟!
هي الصدفة ليس إلا.
اسمع .. أنا لن أتركك حتى أعلم حقيقة أمرك!
أي حقيقة .. فتشني إذا أردت!
ولم يفلح الموظف في استثارة مسعود، فطلب منه أن يخبره بحقيقة أمره، وسيكون ذلك عهداً بينهما أن يتركه يمر، ولو حمَل المدينة كلها فوق دراجته؛ لكنه في المقابل يريد حل اللغز!. وعندما أحس مسعود صدق الموظف قال له:
كل أسبوع أتوجه إلى هنا بالمواصلات العادية، ثم أدخل المدينة واشتري دراجة جديدة، وأمر بها أمامك على أنها مركبتي، وعندما أصل إلى مدينتي أقوم ببيعها والفارق مكسبي.
انفجر الموظف ضاحكاَ حتى كاد ينقلب على قفاه، فقال له مسعود:
أرجو أن تعتبر ذلك سراً.
قال الموظف من بين قهقهاته: سرك في بير.
قصة قصيرة، بقلم: علي محمد الغريب
................................................
هذه امرأة ملعونة لا تلد إلا الإناث"تفووو" قالها مرتضى البوستجي لنفسه ثم انزوى في ركن من الدار، وجلس القرفصاء واضعاً يديه على رأسه كمن ينتظر طامة. النساء تروح وتجيء أمامه بين غرفة نومه وسائر منافع الدار في عجلة غير عادية . القابلة تأمر وتنهي:
-ماء فاتر . قطعة قماش مبلل.. تحركي يا بليدة!
-حاضر يا حاجة سيدة.
كانت أذنه مع النساء في غرفة الولادة وذهنه شارد هناك في مصير هذا القادم، والعالم على أبواب حرب مدمرة، فالمذيعون والصحفيون الذين لا يثق فيهم كثيراً قالوا إن العالم قبل 11 سبتمبر 2001 غير العالم بعد 11 سبتمبر 2001، لكنه مضطر لتصديقهم هذه المرة على الأقل لسببين الأول أنهم نقلوا هذا الكلام عن مسؤولين رأى بنفسه الشر في عيونهم على الشاشة، والثاني أنهم زملاء مهنة فهم يُعلمون الناس بالصحف والتلفزيون وهو يعلمهم بالخطابات المسجلة والخطابات العادية، وخطابات التجنيد والتوظيف. ولابد من احترام زملاء المهنة على أية حال!
ماذا سيفعل إذا أتت أنثى؟ سيكون مكبلا بسبع بلاو هن بناته! آه لو جاء الولد لتغيرت الدنيا، ولكان سنداً له وربما حمل عنه حقيبة الخطابات التي هدت قوته، وترغمه على التعامل مع نساء البلدة وصبيانها! زفر حانقا وتذكر زملاءه في المركز الذين حولهم البريد الإلكتروني إلى كائنات مكتبية تحتسي الشاي وتنتف فروة الخلق وأصبحوا ينظرون إلى حقيبة الخطابات على أنها "موضة" قديمة!
-تباً لك أيتها القرية المتخلفة أنت والتي ستلد العبء السابع بعد قليل.
أخرج سيجارة أجنبية اشتراها من دكان "أبو صديري" وراح ينفث دخانها في كثافة كالتي تخرج من مؤخرة دراجته النارية وهو يطوف بها القرية مستغرقا في أفكاره، التي قطعها صوت قادم من مسجد القرية يدعو الناس لأخذ حذرهم من الإرهابيين الذين قد يخطفون أبناءهم أو يسممون مواشيهم. وصله الصوت متقطعاً بفعل هواء العصاري، مختلطاً بقرقرة دجاجة؛ انتصب فجأة ثم تهللت أساريره وهتف:
-أمريكا .. أمريكا .. سأسميها أمريكا. الدنيا ليس بها فقر الدنيا بها قلة رأي، والذي لا تحتاج وجهه ستحتاج إلى قفاه. هل نضرب الدنيا لو لم يأت الولد؟ هذه القادمة التي أسميتها مصيبة ستكون مفتاح فرج عليك وكل أهل البلد التعساء. اصح يا مرتضى أمريكا توعدت ستين دولة أنت وأولادك وقريتك بعض مواطنيها. لن ينجو أحد من شر أمريكا.
قلب الأمر وفكر فيه جيداً، فسحب "قلة" الماء وتمضمض وبصق على التراب فثار الغبار ثم فرك يديه وشرع في دعاء ملح يرجو الله أن يكون القادم أنثي!
-كل الناس تجاوبت مع مصيبة أمريكا وقدمت فروض الولاء والطاعة إلا أنا وبناتي. لِمَ لا أكون كغيري .. هل أنت ناقص يد أو رجِل؟ لا تتأخر عن الواجب يا مرتضى. لتكون أمريكا إذاً. هذا أقصى كل ما أستطيع تقديمه من مساعدة، وما أكثر أصحاب الفضائيات الذين يسترقون السمع. سأفتح لهم داري من الباب الكبير وجميع النوافذ حتى باب الزريبة سأفتحه، ليصوروا على الطبيعة.
كل هذه الأفكار شجعته على استخراج سيجارة جديدة كافأ نفسه بها. جلس مرة أخرى وهو يفكر في طريقة التصريحات المتوالية على صفحات الجرائد ومحطات التلفزيون:
-الرئيس بوش يحذر قواته من تعرض أمريكا الصغيرة وأخواتها ووالديها وجيرانها لأي أذى أثناء القصف.
-المسؤولون الأمريكيون تعهدوا بتوفير كل سبل الأمن والرعاية لأمريكا الصغيرة وأهلها.
-وزير الصحة الأمريكي يأمر بفتح مستودعات الحليب والغذاء لأمريكا الصغيرة.
-والد أمريكا يشكر الرئيس بوش، وبوش يدعوه لزيارته في البيت البيض.
زغرودة مدوية انطلقت فقطعت حبل أفكاره؛ فألقى السيجارة الأجنبية غالية الثمن في عصبية ثم نهض وفركها بقدمه صارخاً في القابلة:
-أعوذ بالله منك أيتها الحدأة .. كنت على وشك لقاء بوش يا امرأة!
-مبارك يا سي مرتضى جاءك ولد مثل القمر.
دارت به الأرض وانقلبت حساباته، فها هو الولد قد جاء بعدما انتظره سنوات وسنوات، وعندما عدل عن رأيه وهيأ نفسه لاستقبال الأنثى جاءه الولد ليكون عبئاً حقيقياً عليه! رغم إحساسه بالورطة التي حلت مع قدوم الولد، فقد أيقظ الخبر حلمه الكامن في صدره ونشط الأمل في نفسه، وطغى فرحه بالولد على كل الأحداث، وكاد أن يلقي عنه كل أفكاره والتمرد عليها، لكنه هتف في نفسه:
-لا .. أنت أعقل من هذا يا مرتضى .. العالم مقبل على حرب وأنت وأولادك أضعف خلق الله. طالما حذرت الناس من الويل القادم ولم تبخل عليهم بآرائك أتنصحهم وتنسى نفسك؟ بئس الناصح أنت.
فكر .. تردد .. أخرج سيجارة ثالثة .. أخذ منها نفساً عميقاً .. صاح فسمعه كل من بالدار:
-عبد أمريكا .. سأسميه عبد أمريكا .. هذا احسن لأكون صدت عصفورين بحجر واحد. رزقت ما تمنيت وهيأت نفسي للخطر القادم.
أخرج سيجارة رابعة أشعلها من الثالثة، وجلس إلى الجدار يُعدل عناوين الأخبار التي تخيلها قبل قليل، يغير الضمائر ويسقطها على عبد أمريكا الصغير.