حرق في فضاء الأرق
نقد: كريم إينا / العراق
مجموعة شعرية صدرت للشاعر الرائد معد الجبوري بعنوان: "حُرق في فضاء الأرق" من منشورات إتحاد الكتّاب العرب- مطبعة إتحاد والكتّاب العرب- دمشق- 2005 القصائد كتبت بين نيسان 2003 وشباط 2004 يقع الكتاب في 119 صفحة حجم 12سم. تبدأ القصيدة الأولى ص5 بعنوان: وجع يدقُ الروح أوّل مرّة نرى نفسية الشاعر محشرجة حزينة تكاد تفلق حجر الصوّان إلى نصفين. ففي يوم عبوس خلّفه يوم عبوس حيث يقول:" كانت خنازير الدجى صوبي تدّبُ،" وكنتُ أشهقُ بين أحضان المدينة،مثل طفل" فقد مزج الشاعر معد الجبوري رموز جامدة قد تنبعث إليها الحياة من جديد كـ" حجر الصوّان،الدجى،الأحزان،الحفر،السواتر،التروس"فهي لا محالة صاعدة كانت أو نازلة فهي تنزف القيح والنتن من أحشاء المدينة المريضة وثمّة لقاء بين شيئين لا يتلاقيان أبداً متضادان كقوله: ص7" لله ما ألقى،حريق بين أضلاعي وصلّ في ردائي،صورة جميلة يحكي بها خوف إبن الحيّة من النار ويؤكد مرة أخرى بإضاعته الصوت والأثر فبهذا قد أصبح شجرة من حولها تتزاحم الفؤوس لقطعها. وبقدر تشاؤمه من الحياة تشاءم من القضاء الذي لا تظهر فيه نسمة حياة كرنين الصوت...إلخ. فكيف يحصل على الغيث إذا لم يبق لديه سوى أن يتحلّى بالصبر ويصل عبر المآذن قد تمتلىء الغيوم وتبتعد الفؤوس كي يحتمل اليوم العبوس.أمّا في قصيدة: ومن الجرح يجيءُ البرق.. ص9 يجعل نفسه بكلتا الحالتين الشاهد والمشهود وكأنّه وادي بين جبلين كبيرين سمّوه الأخدود. وفي قصيدة: نجمة الصحراء ص13 يؤكّد الشاعر زوال الظلام عند فيض سناء العتمه حيث يقول:" نجمة الصحراء تخبو في ضباب التيه" تغدو حُلماً،والطفلُ يغدو حُلماً"،ويبدو يمضون بعيداً،" هل أراهم،"هل أراه،هل أراها؟.."وفي ص18 تظهر قصيدة هوامش خاصة.. عن بكائية ديك الجن التي شبّت النيران حولها وحوله فإحترقت وهو ما زال يبكي عليها بعد الضياع أمّا لامّية الطغرائي.. يقول فيها:" سأعلُّ كأسي،لن أعلّل بعدُ بالآمال نفسي،لن أمنّيها بأفق لا أراهُ،ولا يراني.. سأعلّ كأسي،علّها تكوي عروقي،قبل أن تكوي لساني.. طال إغترابي،"وما زال الزمان يمرّ به على عجل والريح من فوقه تصدّ النوافذ أمّا في قصيدة جرسُ القفص.. ص25 لا يرغبُ أحداً أن يشهد له بل أصبح واقفاً يشتعلُ ينتظرُ طير الكراكي والحبارى،أمّا الحمّى ولدت زهريراً صار يحوم حول جبين الشاعر وهو يصغي بذهول إلى الأبواب المقتلعة تظهر مرّة أخرى جلجلة مدوّية تنبشُ في صخرة صمّاء بعز ّالليل حتى مطلع الفجر أمّا في ص29 تظهر قصيدة جرس الغيظ.. وهي تمضي بجناحيها القصيرين والرصاص يصفع صمتها من لجّة ٍ لا تنتهي. وفي قصيدة وأنا البعيدُ،أنا القريبُ.. ص31 يحضن سهلاً إلى أقصى الأقاصي يراه ولا يراه وكأنّه غمامة تدنو ينهمر منها المطر فيهتزّ عود السهل حسب قوله:" أرخيتُ عن وجهي حجاباً،فإنحسر.." وهزَزتُ غصن سحابة، في القلب،" فإنهمر المطر.." وإهتزّ عود السهل،وإخضلّت رباه.." ما بين الحين والآخر لم يعد يدري أضاعت نينوى،أم هو ضاع وبعدها يبحثُ الشاعر عن حجر الحلم.. ص37 حاملاً جثّة السنبلة إلى أجل غير مسمّى أمّا ص40 تظهر قصيدة لا وجه، دونَ لُحمتي وسداي.. تحكي عن الشمّام ورائحته الزكية عندما يقطف من الخضرة وكلّما يلين كانت رائحته أقوى فهو يصف البعد بين السواحل والجزر وثمّة صوت يوصله إلى أمام لتشاهده طيور الماء. ما زال البرّ ينفخ بالبذرة الأولى لتخرج مواء جديدة. وفي قصيدة أحكي عن أميرة الجبل.. ص45 وهي بمثابة محاورة بين خرير الدم وخرير المياه حيث يقول:"خرير دمي،أم خرير المياه،"يضجّ بصدري منذ الصباح،يدقّ نوافذه النائيات،"ويفتحها للمدى،والندى،ورفيفُ الحمام؟.."فهو يبحثُ عن الأمان ما بين أردية الحرب وعنفوان السلام. فهو يصف ليلة قضاها في بلكيف: مصيف في شمال العراق. أمّا قصيدة قناديل الدم.. ص51 وقنديل الزمان.. وقنديلُ الحلم ص55 كلّها تحلم كوردة ظهرت من رحم- النهرين فتغطّي الأرض بالحب أمّا في قصيدة صفحة57 كيف أمحو؟ في هذه القصيدة يثبت الشاعر وجوده في البيت من دون سياج فيصبح معرّضاً للريح من دون أيّ وعود. أمّا قصيدة زمان القش والخشخاش ص59 ينادي بها حبيبته القريبة البعيدة غدر الخلجان وسطوة السيف فما زال يجوب الصحراء فوق عرش أهدابها وفي قصيدة حرقة الوجد ص65 ينبأ بمطارق الحدادين على براميل يابسة موصودة تعيش فيها عقارب صفر وأفاع ٍ سود. بعد ذلك إنتقل إلى قصيدة الثمالة ص67 التي يبني بها مدناً كلّما شرب من خاصرة الزمن. وفي ص68 تظهر قصيدة هذا الغاب:حيث يقول:" كيف تحلّقُ،في هذا الغاب المفتوح،من التيه إلى التيه؟.." ورغم عزلة الشاعر نراه يبحّ عن الضوء كي يسكن فيه. وتظهر قصيدة ظمأ.. ص70 بقوله" آخرُ كأس أنت،وآخر قطرة نُور.. وأنا آخرُ طائر بيداء،ظمآن،وآخر قنديل مكسور.."يفصح الشاعر بهذه القصيدة الأيّام الخوالي التي كان يلتقي وأصدقائه في السفرات السياحية وكأنّه خلع الدنيا بأجمعها عندما كان لديه آخر كأس وآخر قطرة نُور. أمّا قصيدة بين اليقظة واليقظة.. ص71 يقول:"فرس،وجهها دم ورماد.. والمسافات إصبع وزناد.. كلّ شيء مفخّخ،جسدُ الليل،ووجه النهار،والأبعادُ.."ما زالت القصيدة تصرخ من جرحها نحو فضاء رحب وتجري عبر الجبال والنخيل لتسمّي إسمها بغداد.. ومن القصائد المجلجلة لتاريخنا الأدبي في هذا العصر قصيدة:في البدء كانت.. وفي الختام.. ما زالت شظاياه تتطاير بل ه معها والزمان ما زال يتطوّح تطوّحاً نادماً باكياً على أمسه الجميل الذي ما زالت الروح ساكنة فيه كما ذكر الحُلم قصّته من أفق الصمت. وتظهر أوراق من مخطوط موصلّي ص76 كعنوان: لعدد من القصائد القصيرة تبدأ قوس من رخام إلى حد النهاية تقريباً يحكي عن الآثار الدارسة لقلعة باشطابيا الأثرية في الموصل والثور المجنّح الذي لم يتهشّم بعد،وورقة المحلّة هي مئذنة تحضنُ بيتاً عند شرفات السطوح ملتفّات بعباءات سود،وهنا ينوّه الشاعر إلى بيوت الميدان القديمة التي تطوي بيتاً ببيت خلف زقاق ٍ مهجور.. نراهُ يقول:في بيوت رقم 5 ص85" ألم تزل في عيوني،فضاء لطيّارة ورقية.. وعلى غصن قلبي فرخُ يمام.." ومن القصائد القصيرة أسواق وأغصان البان كلّها تضجّ بأصحاب الكار حتى إن لم يورث كُلُ حرفته لبنيه وحمّام السوق صباحاً يراه الشاعر كلّ يوم والنساء يدلفن إليه زرافات زرافات،وثمّة قصيدة ص92 بعنوان:دقّو على الخشب تذكّرني بأمثال أجدادنا الأوّلين وتظهر قصائد أخرى لا يخفت منها البريق مثل ورقة النهر والخيط ورقية وطقس خاص كلّها تمثّل المحاكات الجميلة. أمّا قصيدة في سوق العطّارين ص102 حيث يقول:" وجهك أصفرُ مثل الكركم،خذ حفنة من إفرنجي،وإنقعها بنقيع التمر الهندي،" نراه يقف في مهب الدم يقلبُ صفحات الشعر بين ألواح آشور من باب الشمس إلى باب سنجار.