الزمان 13-10-1994 والمكان مطار طرابلس العالمي .المهمة عبارة عن فريق اعلامى انسانى متكامل يتجه صوب أقصى الصحراء الكبرى هناك فوق مرتفعات تيبستى والسارة وقطاع اوزو في مهمة رسمية عمادها عمل وطني يستهدف زيارة مجموعة من المواقع والأماكن العسكرية والمدنية في المناطق المتاخمة للحدود التشادية .ربما كثيرا ما سمعنا الكثير عن ما حدث في تلك الهفوة والفاجعة التي تمثل نكبة إنسانية حقيقية وفق كل المقاييس من جراء تلك الحرب الضروس التي دارت سابقا بين الأشقاء والجيران في ليبيا وتشاد هذه الحرب التي لم تحمل مضمون استراتيجي ربما وانااكتب هنا حولي هذا الموضوع أكون قد طرقت باب مغلق تماما من جراء التعتيم الرسمي على الكارثة الكبيرة وأكون بذلك قد عرضت نفسي للخطر الزاهق وربما تزورني خفافيش الليل المعربدة تكبل معصمي وتحاول أن تكمم فمي من قول الحقيقة المرة.. والتعبير عن خلجات نفسي وخاطري وما شاهدته هناك بأم عيني من شئ لا يدركه العقل الانسانى من تلك الأشلاء والجثث البشرية المتناثرة التي تتناثر على رمال الصحراء ووسط حقول الموت والألغام والتي بقيت على حالها نتيجة العوامل المناخية والصحراوية مثلا أن الجثث في انعدام الرطوبة هناك لا تتحلل بل تتجفف نتيجة ارتفاع الحرارة وانعدام الرطوبة وبذلك تتحول إلى شكل المومياء الفرعونية أما الجثث التي تتناثر د اخل حقول الألغام والتي تحيطها ألان الأسلاك الشائكة والتي تغمرها الرمال الزاحفة وبذلك تاهت تلك الألغام ولم يعد يجدي الوصول إليها فتحولت إلى مناطق خطيرة لايمكن لإنسان أن يطأها إلا بطرق علمية لا تتوافر الآن ومن خلال جولتي شاهدت العديد من الربوات والهضاب التي تسمى تبة والتي يسكن جوفها مجموعة من الجثث عبارة عن مقابر جماعية لأناس قتلوا و قضوا هناك بطريقة أو بأخرى وشكلوا مرتفع صغير يسمى بلغة الصحراء تبة وهناك تسميات للعديد من التبات التي تشكل مقابر جماعية فهناك تبة ال20 وال100 وال200 وهكذا فتبة العشرين مثلا هي عبارة عن مقبرة جماعية ل20 إنسان مجهول الهوية اغتالتهم ايادى الغدر والعدوان في ليالي الصحراء الدامسة ونفس الحدث حدث مع المئة والمئتين وهكذا أذا أضفنا أماكن وتبات تسمى بأسماء مناطق معروفة لان هؤلاء الأموات المقبورون هم من منطقة واحدة كتبت العجيلات مثلا وبهذا لم يتسنى لي في تلك الرحلة التمتع بمناظر الطبيعة الصحراوية وما تركته الرياح من منحوتات جغرافية رائعة وذلك من هول ما سمعت ورأيت هناك ولم اشتم سوى رائحة الموت تفوح من الزمان والمكان فسالت نفسي ما الفرق بين مقابر ((بريزينتشا)) الجماعية في يوغسلافيا وهذه المقابر ومقابر الطليان الفاشست في ليبيا وأثيوبيا والمقابر النازية ومقابر الهنود الحمر في أقصى أمريكا .. بين مقابر الهوتسو والتوتوتسى في راوندى وبور ندى ومقابرحلبجة والنجف وابوسليم والمقابر الجماعية للأسرى المصريين في صحراء سيناء وصبرا وشاتيلا وقانا ومقابر الأرقام في فلسطين المحتلة وفى كل زمان ومكان رأينا فيه نكبة وكارثة على شكل كارثة اوزو ووادي الدوم والسارة ... الحقيقة لا فرق بين هذا وذاك الكل يلتقي في معنى واحد هو الموت والقتل والجهل الانسانى بعظائم وصغائر الأمور وكل ذلك هو نتيجة ما جنته السياسة العلمانية على امتنا وأوطاننا وهذا ما حدث ويحدث لنا من جراء ظلمنا لأنفسنا لقد شعرت بالمقت والكره لكل السياسيين في عالمنا ومحيطنا فمتى يفيقون ويشعرون ويحسون متى يكفون عن نزواتهم ورغباتهم ويضعون الله والوطن والإنسان نصب أعينهم وفوق كل شئ .
فما سمعته ورايته في هضاب الموت هذه شئ يندى له الجبين واعلم واعرف كما يعرف الكثيرين أن من يسكن هنا من رفات لأشخاص أبرياء منهم من هو حديث السن عندما اقحمى في حرب عشوائية بلا هدف وسيقوا قصرا بالترهيب والترغيب من وسط مدارسهم وأهلهم وكانت نهايتهم الحزينة في هذه المقابر الجماعية التي تبقى شاهد وعنوان لجهلنا ولعنة من لعنات الأجيال القادمة نحونا والسؤال ألان هل أصبنا بالفقر الفكري والمادي إلى الحد الذى نعجز فيه عن رد الاعتبار لرفات أبنائنا بإجراء حفريات وتنقيب وتصنيف علمي دقيق وبالتالي إكرامهم ودفنهم في أحضان أهليهم وعشائرهم .. هل نحن إلى هذه الدرجة من الجنون والخوف من الإعلان عن حالة من حالات انهزامنا الوجداني قبل الميداني إمام شعوبنا ولكن غدا يوما أخر فما طار طير وارتفع إلا مثلما ما طار وقع ويوما ما ياتى تطل فيه الحقيقة مشعة مثل الشمس ويعرف القادمون حقيقة ما فعله السابقون الجاهلون ..ومن أعماق وجداني وبكل عناوين الحب التي أكنها لهذه الأرض أتمنى أن يتنبه أولى العلم فينا لفعل شئ يزيل هذه الشواهد .. شواهد العار والخزي التي تلحق بأجيالنا القادمة والتي بقيت علامات بمثابة جرح غائر ينزف في جسد وقلب كل مواطن حر وشريف يعشق هذا الوطن وان تمكنا من فعل شئ بإزالة هذه الشواهد وما تحتويه من جثث لأفراد هم فلذات لأكبادنا وان نعطى لكل واحد فيهم حقه المعنوي والمادي نكون بذلك قد تداركنا خطيئتنا واستطعنا بالتالي أن نكون قد امتلكنا زمام مبادرتنا وشرعنا فعلا في عهد جديد عهد الإصلاح والتغيير عهد ليبيا الغد الخالية من العيوب والمتغيرات الغير إنسانية وخالية أيضا من شواهد القتل والخراب كشواهد الموت التي تمثلها الهضاب الرملية وتبات الموت في أقصى الصحراء الليبية.
طرابلس. ليبيا.1994