ديوان "فواصل الغياب" للإعلامي شكري البكري يرصد حضور الروح في مجاهل الكآبة
ديوان "فواصل الغياب" للإعلامي شكري البكري يرصد حضور الروح في مجاهل الكآبة
بقلم هشام المساوي، وكالة المغرب العربي للأنباء
صدر للإعلامي المغربي شكري البكري خلال الأسبوع الماضي ديوان شعري بعنوان "فواصل الغياب"، قصائد، يتضمن مجموعة نصوص تمتح من روح الشاعر صورا بيانية محمولة على ألفاظ هاربة من مجاهل الكآبة.
ويتميز ديوان "فواصل الغياب"، الواقع في71 صفحة من الحجم المتوسط، والذي تتصدر غلافه لوحة للفنان التشكيلي عبد الكريم الوزاني، بلغته الرصينة والانزياحية التي أعطت للمكان والزمان والأشياء بعدا إنسانيا، وجعلت من الروح المنكسرة شمعة تضيء ظلمة الفقد ولوعة الغياب. كما تبدو "فواصل الغياب"، الاثنتان والثلاثون المتضمنة في هذا الإصدار، "معصورة على البارد لم يبق منها عاصرها إلا ما كانت بكرا ممتازة"، كما يقول الشاعر المغربي أحمد بلبداوي في الإضاءة التي وسمت الغلاف الخلفي للديوان والمكتوبة بخط يده، والتي تضيف بأنه "قد تلذعك صورة هنا لذعا خفيفا، لكنك تكتشف أنه لذع محبب تستلذه فتطلب المزيد. وقد تعترضك صورة هناك للموت، ولكنك واجده "خطا أبيض، يتوسط طريق الطريق، فلا تخف لأنه سيمر فوق رأسك. يموت الموت ويبقى الطريق...".
وجاءت قصائد الغياب حبلى بالاستعارات التي تنهل من قواميس الذات التائهة في طريق "يتوسط كل المنحدرات /يلهو عن فجوة السراب / ويغفو للعابرين / في جفوة المسافات". وكذا في التعب اللاهث الذي يستقصى في قصيدة "أواخر القيظ"، حيث يتساءل النص: "أبعد ثمالة الخفق / وقيظ المَهاجر / تهتن مزن الغدر؟". فتأتي الإجابة انسيابية ومطمئنة : "لا تهرع! / لن تسمَر عينيك أكاذيبهم / أوقعوك بما توسمته فيهم / فصدق ظنك، كلّه / وما أثم". ويعمل الشاعر على إخراج المفردات من سياقها اللغوي واللفظي، ويضفي عليها رؤية أرادها ليبني لوحة متكاملة الصور تؤنس القارئ في سِفر الديوان، فصار الموت "خطا أبيض"، وبنى"مدن الغبار" ليسكنها جسده "المبتل بالصمت ورائحة الزعفران".
كما أن هاجس الزمن حاضر بقوة في ديوان "فواصل الغياب"، فقصيدة "رذاذ المساء" هي رحلة عزلة في مدينة غلبت عنها أضواء وصخب يغتال الضحكات، قبل أن يروي ساعات "حكاية ليل" ثمل" تمسك الكأس بخناقه / وينسى أنه عابر مساء".
ويبدو أن شكري البكري قد سعى في ديوانه إلى تطويع المفردات لتساير رؤاه الشعرية الخاصة، ففي قصيدة "نجمة الهجير"، نجد تحدي الروح الشاعرة للهجير والموت، كما جعل شمس مساء رمادي ذات صيف قائظ تخلد لأوجاعها لتفسح المجال "لأحلام دون مرساة" في قصيدة "خمس عتبات نائحة". ويتوزع ديوان "فواصل الغياب" على خمس عشرة قصيدة وسبع عشرة فاصلة، وفي هذه الفواصل يجد القارئ نفسه في عوالم جديدة، بإيقاع ونفَس مغايرين، حيث تغدو القصيدة مجرد ومضة ترصد فكرة أو إحساسا جانحا في اللحظة، أو تكتفي بصرخة تخدش بياض الصفحة مثلما هو الحال في "فاصلة البياض".
وقد جاءت هذه الفواصل لترسم طريق السفر رفقة الكلمات والصور، فمن "فاصلة الظل" خرج الشاعر يستعجل الخطى فارا من ظله وقت اللهب، مستشرفا "فاصلة الاغتراب" حيث تنام الأحاسيس في صدرية الكرب، قبل أن تأتي "فاصلة الهِرم" والاندثار المنبعث. وفي آخر قصيدة من الديوان، يجيب الشاعر في "فاصلة الانخطاف" عن تساؤل طالما خامر قلب العاشقين عن مبادلة الإحساس بمثله، فإن كانت للنجوم لمسة جمال، ف"في السماء/ نجمة / وأنت"، يقول الشاعر.
هكذا، يكون الشاعر قد شكل لوحة متكاملة من الصور انطلقت في سفَر متواصل لعبور فواصل من الغياب، انتقلت من عتمة الروح إلى منار الحب، فديوانه جاء مؤنسا في كلماته ومعانيه، وجامعا في أحاسيسه.
وقد سبق للصحافي شكري البكري، الذي يشتغل بإذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية، في طنجة بالمغرب، أن نال تنويه جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب سنة1996 عن نصوصه السردية المفعمة بنفس شعري بعنوان "الغواية البيضاء، وبعض أسمائها"، والصادرة بالرباط عام 1998. كما سيصدر له قريبا عن دار نشر إسبانية ديوان باللغة القشتالية بعنوان "هياج الريح، وتفاصيل أخرى"، والذي نشر ضمن أشغال الندوة الدولية الأولى حول "الأدب المغربي المكتوب بالإسبانية" عام 1994.