حكايات أنس
(4-8)
الذاكرة الحديدية
تأليف: فرج الظفيري
.............................
استمع أنس باهتمام لكلام شيخ حلقة القرآن الكريم في المسجد، فقد أعلن الشيخ عن مسابقة في حفظ العُشر الأخير، أي الأجزاء الثلاثة الأخيرة من القرآن الكريم.
قال الشيخ:
- سيكون أمامكم أسبوع كامل تراجعون فيه حفظكم مراجعة قوية، وسيكون يوم الخميس المقبل إن شاء الله موعد الاختبار، وفي الليلة نفسها سيكون توزيع الجوائز على الفائزين.
سأل أنس:
- وكم عدد الفائزين الذين سيحصلون على الجوائز؟
قال الشيخ: أنا أعلم أنكم جميعاً لا تفكِّرون بالجوائز في المقام الأول، فجميعكم يريد الأجر من الله تعالى. لكن هذه المسابقة وما فيها من جوائز هي لمجرد التحفيز والتنافس الشريف في حفظ كتاب الله، والذي ينطبق عليه قول الله تعالى: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).. على كل حال، سيتم اختيار خمسة فائزين لنيل الجوائز الكبرى، والبقية يحصلون على جوائز ترضية.
***
خارج المسجد، كان أنس يقف مع مجموعة من أصحابه. وكان من بينهم حسام المشهور في الحلقة بسرعته في الحفظ وقوة ذاكرته. قال أحدهم:
- سأبدأ الاستعداد للمسابقة من الليلة.
قال أنس: وأنا كذلك، وسوف يكون بدر رفيقي في التسميع، أليس كذلك يا بدر؟
قال بدر: طبعاً يا أنس، لكنني أخشى أن أؤخرك، فأنت أسرع مني في الحفظ، وأنا أجد صعوبة في الحفظ كما تعلم.
قال أنس مشجعاً بدر: لكنك مثابر وصبور، وهذا يؤهلك لتحصل على المركز الأول!
عندما سمع حسام هذه الكلمات انفجر ضاحكاً وهو يقول:
- ما هذا يا أنس؟! أنت تعلم أن بدراً من المستحيل أن يكون متفوقاً فحفظه ضعيف!
نظر أنس إلى حسام في غضب وقال له:
-ليس مستحيلاً أن يكون متفوقاً إذا اجتهد، وواصل المراجعة! وهذا ما سنفعله جميعاً.
ضحك حسام مرة أخرى، وقال:
- راجعوا أنتم، وواصلوا المراجعة ليل نهار، أما أنا فإني أتمتع بحمد الله بذاكرة حديدية تؤهلني للحصول على المركز الأول دون جهد.
قال أنس: أرجو ألا تعتمد على ذاكرتك كثيراً.. فالمراجعة مطلوبة باستمرار.
***
كان أنس وبدر في الأيام اللاحقة متلازمين باستمرار يراجعان ويسمِّعان لبعضهما دون كلل أو ملل. وكان بدر يعاني كثيراً من حفظه البطيء، لكنه لم ييأس. فقد وضع هو وأنس جدولاً صارماً للمراجعة، يبدآن من بعد صلاة الفجر يسمِّعان لبعضهما، وبعد العصر كان لهما جلسة طويلة للمراجعة، وكذلك بعد المغرب، أما بعد العشاء فكان كل واحد منهما يراجع في بيته.
أما حسام فقد أمضى الأسبوع في مراجعات خفيفة متفرقة لأنه سبق وأن حفظ هذه الأجزاء الثلاثة حفظاً قوياً.
***
وفي يوم الخميس، كان هناك عدد من مشرفي حلقات تحفيظ القرآن الكريم يختبرون الطلاب.. كان أنس وبدر متجاورين يواصلان المراجعة.
التفت أنس إلى حسام فوجده يراجع، ويقلِّب صفحات المصحف بسرعة، وكان القلق واضحاً على وجهه والعرق يتصبب من جبينه. همس له أنس:
-ما بك؟
قال حسام: لقد اكتشفتُ أنني كنتُ مخطئاً.. فذاكرتي لا تسعفني، وأشعر أنني لن أستطيع التسميع.
وعندما جاء دور حسام في الاختبار، كانت أخطاؤه أكثر مما تصوَّر الجميع. قال له أحد المشرفين: أذكر أنك كنتَ متميزاً، لكن يبدو أنك لم تراجع جيداً.. يا بني القرآن الكريم أشد تفلُّتاً من الإبل في عُقُلِها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.. واظب على المراجعة واترك الكسل حتى تكون من حفظة كتاب الله تعالى.
***
بعد صلاة المغرب من ذلك اليوم، كان حفل توزيع الجوائز في المسجد بحضور فضيلة قاضي المحكمة الشرعية الذي صافح الطلاب الفائزين.. وشدَّ بقوة على يد صاحب المركز الأول الذي فاجأ الجميع إذ كان هو بدر.. بينما حصل أنس على المركز الثاني.
وبعد الحفل جاء حسام في خجل وبارك لبدر ولبقية الفائزين واعتذر لبدر عن موقفه السابق.
وعند الخروج من المسجد، همس أنس لحسام في ملاطفة قائلاً: ماذا عن الذاكرة الحديدية؟
تقبَّل حسام الملاطفة وقال ضاحكاً: يبدو أنها تعرضت للصدأ، لكنني سأزيل هذا الصدأ بالمراجعة المستمرة.
.............