(1) الطفولة الصامتة
إننا عندما نتأمل من يعيشون حولنا بمختلف الأعمار والأجناس قد يتطرق إلى أذهاننا ذلك الصنف من البشر ، صنف له ميزته الخاصة مهما اختلفت المسميات، هؤلاء هم كل من يندرج تحت مسمى الطفولة ...
وفي أحيان كثيرة نغبطهم لأنهم في معتقد البعض مجرد أطفال قد لا يفهمون أشياء كثيرة ، أو أن قلوبهم بيضاء لا تعرف الحقد والحسد ،أو حتى إن غضبوا فهم سينسون الموقف بسرعة.
نعم قد يكونون كذلك ، نعم قلوبهم بيضاء ولكن إن جرحت يدركون ذلك بعد مدى...نعم ينسون ولكن نفوسهم المرهفة سترى بعد ذلك عظم هذا الموقف وأنه موقف مؤلم بكل ما تحمله كلمة ألم...وسيزيد الألم وإن لم يظهروه كلما رأوا شيئا له صله بما كان مصدرا لألمهم....
والحقيقة ...أن هناك في داخل النفس مهما بلغ عمرها..نجد تلك الطفولة كامنة...فهي إما أنها أخذت حقها كطفلة وتشبعت وصقلت فيما بعد على أساس متين ...لتكون في شكلها الخارجي ...هيئة أخرى وصلابة وشدة إلى غير ذلك من السمات..ولكن مشاعر الطفولة تبقى كامنة ، مختبئة ،وراء الشخصية الصلبة ، الشخصية القوية..
ومن جانب آخر إما أن تكون الشخصية ،قوية صلبة ، ذات جدية بلا حدود، لا تعرف أن تتعامل بشيء من المعاني اللطيفة ،ولكنها لا تعرف منها إلا رسم حروفها...هنا تنضم الأصوات لتقول وباقتناع "فاقد الشيء لا يعطيه" ...إذن كيف سيكون هذا النوع؟؟؟........الطفولة نعم كامنة، وموجودة لكن يوجد بول شاسع بين هذه الطفولة الكامنة في الداخل وبين حدود النفس الخارجية...
تلك الطفولة ستكون الطفل المحروم من كل المعاني التي يحتاجها كل طفل، طفل قابع على صخرة الحرمان ينادي بأعلى صوته ، لكن هذا لا يسمع لأنه لم يتجاوز اللسان فهو يصل إلى حدود القلب فقط وبعدها تقف العقبات والآلام في طريقه كالطود الشامخ لا يستطيع مواجهته فيبدأ في التراجع ويبدأ الصوت في الانخفاض شيئا فشيئا إلى أن يصبح بمثابة الزفرات الأليمة المثقلة التي لا يستطيع القلب تحملها..كيف لا وحينا يُرى الطفل ولا يمكن معايشته بنفس مشاعر الطفولة...
تلك الطفولة ، هي النفس من الداخل ، كالطفل في مدى شفافية قلبه ، وأحاسيسه المرهفة التي من شأنها أن ترى كل شي جميل عظيماً حتى وإن صغُر...وترى كل شيء مؤلم ، ذنبا في حقها حتى وإن صغُر...
هذه الطفولة عرفت القسوة والجفاء والحرمان من كل عاطفة جميلة ومن كل معنى رائع يشعرها بالحب والأمن والاستقرار النفسي ، هذه الطفولة الكامنة تبكي من الداخل وتبتسم من الخارج، تتألم من الداخل وترسم الأمل لغيرها من الخارج، تفتقد أحلام الطفولة ، وتحقق أحلام الزمن الراهن، تفتقد المشاعر الدافئة، وتحاول أن تشعر غيرها بالدفء والأمان من لا شيء...
هذه الطفولة ، تحاكي كل معاني الطفولة ، البعيدة ولكن بصمت ، تئن في حلكة الظلام الدامس ، تئن بأنفاس مثقلة كما لو كانت تتنفس من تحت الأنقاض المتهالكة...عجباً لهذه النفس التي تحمل كمثل هذه الطفولة ،كيف تعيش ،وكيف تذوق طعم الحياة؟؟ وكيف تمد يد العطاء للآخرين؟ وكيف تنهل من الماء الزلال الذي يتمناه الكثير...وكيف تقر عينها في غسق الدجى ؟ وكيف ستضمد تلك الجراح المضرجة بالدماء....
ما أصعبها تلك الطفولة ، تعيش في داخلنا بهذه المعاناة ولا نعلم كيف ننتشلها من بحر آلامها الدفينة ، فهي تنظر بنظرة كسيرة الطرف، تنتظر ساعة ، تمتد فيها أفئدة غائبة لترتمي بين أحضانها تنسيها شقاء السنين ومرارة الحرمان ، وتمسح عنها دمعة البؤس والجفاء ....
طفولة ...أسية ولكنها ..صيرت من الفقد نظرة كبرياء وشموخ أمام البشر، طفولة حزينة ،لكنها تركت للحزن بصمة،طفولة صامتة ولكنها جعلت من الصمت قوة...
طفولة أسيرة ، ولكنها جعلت من الأسر حرية....
وكل منا يحمل بين دفتيه طفولة ، ولكن لينظر من أي نوع هي...
أقف على أعتاب المشاعر والأحاسيس، لأقول هو مجرد إحساس طفولة...
أيها القلب ........
إن لم تكن كطعنات مثخنة أحشاء قلبي....
فأنت .....
أنت بذاتك بكل ما تحتويه تقتلني بين الفينة والأخرى...
ولكن ليس من ضربة واحدة ....
وإنما القتل البطيء
....كما يقال على نار هادئة....
أيها القلب....أحاورك بكل ما حملت من مشاعر...
وبكل ما حوى خاطري من آلام....
وبكل ما احتضنت عيناي من دموع الحرمان....
أحاورك ...
بكل ما درج تحت أهداب قلبي من زفرات ....وأنات....
أحاورك....
أناشد صداك....
أنتظر طيفك....
ولكنك تتلاشى خلف أستار الظلام....
تغيب بين أسربة الخيال....
تعوم بين موجات اللامبالاة.....
أيها القلب...
أبث شدو شجوني منك إليك...
أبوح بشكواي التي طالما عاث عليها الدهر بغباره...
أيها القلب...
لم كل هذا الجفاء...؟؟؟!!!!!
ولم كل هذه القسوة التي صيرت أحاسيسي صخوراً جلمداً...
وجعلت شمعة الحب تنطفئ في داخلي....
لم كل هذه القسوة التي جعلت من أحداق عيناي مرتعا ًلاحتقان الألم ....
وتركت نظرتاي لوحتي انكسار يخفي وراءه كل ملامح الطفولة والبراءة والحنين لدفء المشاعر...
أيها القلب...
أبتسم لك ابتسامة يتيم ...
وتردها لي ابتسامة صفراء....
أتمتم لك بعبارات الشوق .....
وأسمع منك عبارات شائكة....
إلى متى ستغيب ...
ومتى تشرق على أرضك شمس الصدق والأمان....
إلى متى يا قلب...؟؟؟؟؟
أنظر إلى طيفك نظرة مشتاق فرح باللقاء وفي عينيه ألف دمعة...
وتنظر إليَ نظرة نسيان...تحطم كل ما في جوانحي من آمال وأحلام....
أيها القلب....
متى ستعود...
فقلبي....لم يعد يعرف معنى الهناء...معنى الصفاء...
لم يعد يحمل مسمى إحساس...
لم يعد يحتفظ بكلمة مشاعر...
أتعلم ...لم كل هذا....؟؟؟؟
أيها القلب ....أنت من جعلت قلبي...
ينسى طعم الحياة.....
نعم ....أيها القلب .... قتلت قلباً .....وبادرت إليه بالعزاء...