............
عند الإشارة الضوئية، كان هناك فتى يوزع منشورات إعلانية. أعطى الفتى لوالد أنس منشوراً. مدَّ والد أنس المنشور لأنس وقال له: اقرأ هذا الإعلان.
قرأ أنس الإعلان بصوتٍ واضحٍ لأبيه الذي انطلق بالسيارة بعد أن أضاءت الإشارة لونها الأخضر:
-يعلن النادي الرياضي عن إقامة دورة في فن الدفاع عن النفس (الكاراتيه) لمدة ستة أشهر. أسعار الدورة رمزية لطلاب المدارس. بادروا بالتسجيل. الدورة بإشراف مدربين متخصصين.
قال الأب: إنها دورة جميلة!
سأل أنس: هل تعتقد أنها مفيدة يا أبي؟
أجاب الأب: طبعاً يا أنس، كثير من الألعاب الرياضية مفيدة.. لأنها تقوي الجسم، وتحقق الوصف الذي يليق بالمؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير ).. بل توجد ألعاب رياضية شارك فيها النبي صلى الله عليه وسلم وتابعها، مثل الجري والمبارزة بالسيوف والمصارعة العربية والفروسية وغيرها.
قال أنس: إذن، هل تنصحني بالمشاركة في هذه الدورة؟
قال الأب: بكل تأكيد لأنني أريد أن تكون قوياً.. ولكن بشرط ألا يؤثر ذلك على حفظك للقرآن الكريم.
في المساء سجَّل أنس اسمه ودفع رسوم الاشتراك في الدورة.
***
واصل أنس التدريب في الأيام التالية، وتعرَّف على مجموعة من زملائه، كان بعضهم من حلقات أخرى. وتوثقت علاقته بفتى في مثل سنه، اسمه زياد. وكان الاثنان مسرورين لأنهما كانا يتعلَّمان يومياً حركات جديدة.
وبعد أسابيع كان الاثنان قد حصلا على الحزام الأصفر.
وفي إحدى الأمسيات خرج الاثنان من النادي، في انتظار من يأخذهما إلى البيت. وفي هذه الأثناء مرَّ صبيان بالقرب منهما، وكان الصبيان يتندَّران بأنس وزياد ويضحكان عليهما بدون سبب. غضب زياد وأنس من سلوك هذين الصبين.
نظر زياد إلى أنس، وفهم أنس ما يفكِّر فيه زياد، وفجأة انقضَّ الاثنان على الصبيين، وبدآ يطبقان عليهما ما تعلَّماه من حركات الكاراتيه.
تفاجأ الصبيان ووجدا نفسيهما يتلقيان الضربات بصورة عنيفة من زياد وأنس. أما أنس وزياد فقد واصلا الضرب لأنهما اعتبرا نفسيهما في موقف حقيقي لتطبيق التدريبات.
ارتفع صراخ الصبيين وكانا يصرخان بعبارات الاعتذار لكن أنس وزياد لم يتوقفا.
وفجأة.. وجد أنس وزياد نفسيهما معلقين في الهواء. فقد تدخَّل المدرب بعد أن سمع صرخات الاستنجاد من الصبيين.
قال المدرب: ما الذي تفعلانه؟
قال زياد: لقد كانا يتندران بنا، فعاقبناهما، حتى يعرفا أننا أقوياء.
قال المدرب: القوة ليست في ضرب الآخرين فقط، بل القوي هو الذي يملك نفسه عند الغضب ألم تتعلما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس الشديد بالصُّرعة، ولكن الشديد مَن يملك نفسه عند الغضب) .
حاول أنس أن يتكلَّم، لكن المدرب قال له: أعرفُ أنك ستقول إن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، هذا صحيح، لكن المؤمن أيضاً حليم ولا ينفعل بسرعة بل يصبر ويتحمَّل، وإذا أعطى الله المؤمن قوة فإنه يستعملها في طاعة الله وفعل الخير ولا يستعلمها في الشر.
قال زياد: لقد اعتديا علينا بكلامهما وتندرهما!
قال المدرب: هل حاولتما نصحهما بأدب؟
نظر الاثنان إلى بعضهما، فهما لم يفعلا ذلك بل هجما عليهما دون أن يتكلَّما بكلمة.
قال المدرب: أنتما استعملتما القوة مع أنه لا داعي لاستعمالها.
خجل أنس وزياد، واعتذرا من الصبيين. وفي المقابل اعتذر الصبيان عن سوء تصرفهما.
***
في طريق العودة قال أنس لوالده بعد أن حكى له ما حدث:
-اليوم تعلَّمت معنى أن يكون المؤمن قوياً.
قال الأب: بارك الله فيك يا أنس.
.............