تتذكر الان أنها عندما كانت غادة خدر ، كانت تشتاق إلى أن تمتلك بستانيا يهتم بورود قبلها الفتي ، يرعاها ، بسقيها بدموعه في خيمته المفردة عن قصر الأهل ، يُسمعها الليل أنين أوجاعه دون أن تراه ، تحلم ، ترقب صورته حين يكتمل البدر ، وإنا انحسرت هالته ،كانت النجوم المتناثرة في السماء عنوانا على أنه لم يغادر وجودها ، فكانت تلتقط أنفاسها حتى إذا ما غالبها النعاس أحيته في أحلامها ولاتفارقه إلا وانبلاج الفجر ، فترقبه من بعيد ، كان همه عند ما يراها في الشرفة هناك ، يجمع باقة من الورود ، يصنع لكل رسالة شكلا معينا ، ويرسلها مع صبي البستاني ؛ وينتظر ماذا ستفعل بها ، تلك كانت لغة الوصال بينهما ، كانت تحتضن الباقة بحسب ما تروم قوله له ؛ وكانت حكاية الباقة تكتب البوح المستعصي بينهما ، وهكذا استمرا ردحا من الدهر ؛ هولايكل ،كل فصول السنة عنده فصل الربيع الدائم ، وهي تنتظر باقة كل صباح ، وكم كانت تستعجل انبلاج النهار قبل الأوان .
فجأة غابت إشاقها عن الشرفة ، احتار ، لاكنه لم ينس عادته ، وإن هي نسيت ؛ حتى كان أحد الأيام ، حين أقبل عليه أبوها بصندوق من كارطون ، وهو يبتسم ، قال له : يا بني لعشرتك الطويلة بيننا قررت أن أهديك هذه وانصرف دون أن ينتظر ردا منه .
فتح الصندوق بعجل ، امتلكته الدهشة ،و علا وجهه احمرار غير مألوف من بدو مثله ؛ قال مخاطبا نفسه : إنه الحاسوب ؟ ؛ وحين شغله ،رأى صورتها تغطي شاشته ، وعنوانا ، أعاد كتابة العنوان ، فجاءه الرد ؛ أنا صاحبة الشرفة وباقات الورد ، ما أجمل تلك الباقات التي كنت ترسلها ، وما أطيب فيحها ؛ تسمر في مكانه كمن أصابه إغماء وحين استفاق وجد أن الحاسوب انكسر ، فقررأن يبعث لها كل صباح باقة ورد مثلما كان يفعل من قبل ، ويكتب لها من خلجات فؤاذه على أوراق الورد .