افتقد رؤيتها أمدا ، لايدري كم مر ، حين استرق النظر إلى امرأة على الرصيف ، وأمامها علبة متوسطة الحجم من الكارطون ، اصطفت عليها علب من السجائر ، أغلبها فارغ ؛ لم تتغير ملامحها كثيرا ، شعرها الأشقر ، بشرتها البيضاء ، جسدها الممتليء ، قوامها المعتدل ، عيناها الزرقاوتان ، تلك العينان التي كانت تجتدب إليها من يمر بها ؛ تقدم منها ، قال: أريد سيجارتين من الماربولو ؛ لم تجبه ، مررت أصابعها الدقيقة ، وقد أفلت عنها رقة ملمسها ، نعومتها، غمغمت بكلام غير مفهوم ، ثم أمدته ما اصطف حولها من علب السجائر، أخذ ما كان يحتاج إليه وسلمها النقود ، أعادت له بعضأ من نقوده ، وهي تغمغم برقة كساها ثوب خشن ، مثل ما يكسو جسد الصوفي النحيل ، لايكاد يسمع؛ خطى بضع خطوات مبتعدا ، وهو يلتفت إليها ، نعم إنها هي ، وكاد أن يقسم على ذالك .
ابتعد عنها وشاشة من سراب ماضيها يتمثل أمام شاشته ، تذكر كيف أنها كانت تفتن الرجال ، وتشحذ ألسنة من حولها من فتيلت الحان ، إذا ولجته ، كن ينظرن إليها في غيظ وحنق مريرين ، وكيف أنه مرة صادفها في طريقه ، فاستهوته، وحين جالسته كان الحوار بيهما ،إشارات . . .إشارات ؛ لم تدم العشرة بينهما طويلا ، إذ سرعان ما أفلت من سمائه ، فجأة كشهب هوى إلى الأرض ؛ لم يكن يعثر عليها في الأماكن التي اعتاداها ، أو الفتها ، . . . وها هو يبتعد عنها من جديد ، فهي لم تتذكره ، وحسنا فعلت ، أو هكذا طمأن نفسه ، ابتعد عنها
وظله القديم يقول له مدغدغا : على أية حال ها هي اختارت أن تنزع أظافرها الطويلة الملونة بأصباغ الطيش .
ابتعد . . . وابتعد. . . ، فهل فارق ملاحقتها من بعيد .