(أبو جابر) تعدى عتبة الخمسين بسنوات.. مسالم جدا..لم يؤذ أحدا طيلة حياته..لم يرزق بزوجة أو أبناء..يتنقل من منزل لآخر ..وقد يقضي مع الأسرة الواحدة أكثر من شهر.. إذا أحسنوا إليه ..ولم يشقّوا عليه بالعمل والخدمة...
ومن تلك البيوت التي يحب(أبو جابر) البقاء عندها بيت (أبو أسعد) وأبو أسعد هذا على النقيض منه ..فهو محتال..نزق..حاد الطباع ..متعجرف..لا يتورع عن سلب حقوق الضعفاء..لم يردعه البياض الذي استحالت إليه كل شعرة في وجهه ورأسه..
حينما علم (أبو أسعد) أن صاحبه (أبو جابر) قد باع العقار الذي ورثه عن أبيه بمبلغ لا بأس به ثارت ثائرته..واستبدت به الوساوس..حتى خيل إليه أنه أولى بهذا المال من صاحبه المسكين الذي لن يحسن التصرف فيه ..والمحافظة عليه..
بدأ ( أبو أسعد) رحلة مضنية من التملق..والنفاق..والتودد (لأبي جابر) حتى استطاع الاستيلاء على دراهمه على هيئة قرض حسن يرده إليه منى ما انجلت الضائقة التي أوهمه بها..ولفرط دهاء الرجل فقد استطاع التملص من ربقة أي عقد أو شهود ..ساعده على ذلك حسن نية( أبو جابر) ووثوقه البالغ فيه...
مرت الأيام...حتى حلّ اليوم الذي ضرباه للوفاء بما التزما فيه..لكن( أبو أسعد) بدأ يماطل..ويسوّف..ويفتعل الغضب كلما فاتحه (أبو جابر) في شأن ماله الذي عنده..
لم يكن( أبو جابر) بحاجة إلى فرط ذكاء فقد عرف طمع (أبو أسعد) فيه وإن بدا أن فهمه قد تأخر كثيرا..
فكر (أبو جابر)في طريقة للخلاص من هذا المأزق..هداه عقله أخيرا إلى خاله من الرضاع(أبو أحمد)وبرغم
بلوغه الثمانين من عمره تقريبا إلا أنه مرهوب الجانب..شخصيته قوية..يحسب له أهل قريته ألف حساب..
- أرأيت المال الذي كنت قد وضعته وديعة عندك؟
- ما به؟هل أضعته هو الآخر؟
- اقترضه مني (أبو أسعد)..
- لم تجد غير( أبو أسعد) حتى تقرضه إياه!
- كان لديه ظرف قاهر وأبت خلقي أن أقف متفرجا عليه..
- هل وثّقت ذلك بعقد مكتوب أو شهادة الشهود؟
- لم أفعل..وثقت فيه ولم أتوقع أن ينكر أحد مثله حقوق الآخرين..
رافق الخال ابن أخته وتوجها إلى بيت( أبي أسعد) :
- يقول (أبو جابر)إنه أقرضك مبلغا من المال وعندما حان الأجل تهرّبت عن دفع حقه..
(أبو أسعد) موجها كلامه (لأبي جابر) بلهجة غاضبة وطريقة واثقة متحدية:
- أبك جنون؟!!
- أبك شيطان؟!!...