4. خصائص قوم النبي صلى الله عليه وسلم و عترته
|
4. خصائص قوم النبي صلى الله عليه وسلم و عترته وعن مزايا قوم النبي صلى الله عليه وسلم و عترته واستعدادهم للنهوض بدعوته كتب كثير من العلماء ، وبخاصة الذين ألفوا في أحوال العرب . وللشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى مبحث نفيس في رسالته "خلاصة السيرة المحمدية" (4 – 16) ، حيث قال ما نصه : "مزايا قومه و عترته ، و استعدادهم للنهوض بدعوته صلى الله عليه وسلم : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} ، إذ جعل فيهم النبوة و الهداية للمتقدمين و المتأخرين . ثم إن الله تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، و اصطفى قريشا من كنانة ، و اصطفى من قريش بني هاشم ، و اصطفى سيد ولد آدم من بني هاشم ، فكان آل إسماعيل أفضل الأولين و الآخرين ، كما كان بنو إسحاق أفضل المتوسطين ، إذ كانت هداية الأنبياء من بني إسحاق و غيرهم خاصة ، و هداية هذا النبي من آل إسماعيل عامة ، فبه أكمل الله تعالى الدين ، و أتمّ نعمته على العالمين ؛ كما اقتضته سنّته تعالى في النشوء و الارتقاء ، التي كانت في البشر أظهر منها في سائر الأحياء . كيف كان اصطفاء الله تعالى لهذه الأصول من الأمة العربية ، الذي ثبت في "صحيح مسلم" و "سنن الترمذي" من كتب السنّة السَّنيَّةِ ؟ و بماذا امتاز قوم خاتم الرسل الكرام ، ففَضَلوا به غيرهم من الأقوام ، حتى استعدوا به لهذا الإصلاح الروحي المدني العام ، الذي اشتمل عليه دين الإسلام ، على ما طرأ عليهم من الأمية و عبادة الأصنام ، وما أحدثت فيهم غَلَبَةُ البداوةِ من التفرق و الانقسام و العدوان و الخصام ؟ الجواب: كانت العرب ممتازةً باستقلال الفكر، و سعة الحرية الشخصية ؛ أيام كانت الأمم ترسف في عبودية الرياستين الدينية و الدنيوية ، محظورا عليها أن تفهم غير ما يلقنها الكهنة ورجال الدين من الأحكام الدينية ، وأن تخالفهم في مسألة عقلية أو كونية أو أدبية ؛ كما حظرت عليها الحكومات المستبدة حرية التصرفات المدنية والمالية . كانت العرب ممتازة باستقلال الإرادة في جميع الأعمال ؛ أيام كانت الأمم مذللة مسخرة للملوك و النبلاء ، المالكين للرقاب و الأموال ، يستخدمونها كما يستخدمون البهائم ، و يصرِّفونها كما يصرِّفون السوائم ، لا رأي لها معهم في سِلم و لا حرب ، و لا إرادة لها دونهم في عمل و لا كسب . كانت العرب ممتازة بعزة النفس ، و شدة البأس ، و قوة الأبدان ، و جرأة الجنان ، أيام كانت الأمم مؤلفة من رؤساء أفسدهم الإسراف في الترف ، و مرؤوسين أضعفهم البؤس و الشَّظَف ، و سادةً أبْطَرَهم بغي الاستبداد ،و مَسودِين أذلّهم قهر الاستعباد . كانت العرب ممتازة بالذكاء و اللوذعية ، و كثيرٍ من الفضائل الموروثة و الكسبية ؛ كقِرى الضيوف ، و إغاثة الملهوف ، و النجدة و الإباء ، و علو الهمة و السخاء ، و الرحمة و الإيثار ، و حماية اللاجئ و حرمة الجار ، أيَّامَ كانت الأمم مُرهقةً بالأثَرَة و الأنانية ، و ثِقَل الضرائب و الأتاوي الأميرية ، و رؤساؤها منغمسين في الشهوات البهيمية ، و فسادُ الأخلاق قد عمَّ الراعي و الرعية . كانت العرب قد بلغت أوج الكمال في فصاحة اللسان ، و بلاغة المقال ، و كادت تتحد لغات قبائلها أو لهجاتها العربية ، و بَزَّت المُضَرِيَّةُ منها الحِمْيَرِيَّة ؛ بما كان لقريشٍ و غيرها من الرِّحلات التجارية و الأسواق الأدبية . فتلك كبريات مزايا الأمة العربية ، التي أعدها الله تعالى بها للبعثة المحمدية ، و السيادة الدينية و المدنية ، بعد أن طال العهد على مدنيتهم العاديَّة ، و استعمارهم للبلاد الكَلدانية و البابلية ، و البلاد الفينيقية و المصرية ، التي تشهد لها سيادةُ لغتهم للُّغات الساميَّة ، و بقاياها في اللغة الهيروغليفية ، و بعد أن غَلبت عليهم الأُمِّيَّة ، و فَشَتْ فيهم خُرافات الوثنية و عصبيةُ الجاهلية . و جملةُ مزاياهم أنهم كانوا أسلم فطرةً على كون أمم الحضارة كانت أرقى منهم في كل فنٍّ و صناعة . و الإصلاح الإسلامي مبنيٌّ على تقديم إصلاح الأنفس ؛ باستقلال العقل و الإرادة ، و تهذيب الأخلاق ، و حرِّية الوجدان ، على إصلاح ما في الأرض من معدن و نبات وحيوان . و بهذا كان الله تعالى يُعِدُّ هذه الأمة للإصلاح العظيم ، الذي جاء به محمدٌ عليه من الله أفضل الصلاة و التسليم . اصطفاء كنانةَ و قريشٍ و بني هاشم : أما اصطفاء الله لكنانةَ الشيخِ الجليلِ ، من سلالةِ نبيه الذَّبيحِ إسماعيل ؛ فيفسِّره ما كانت تحفظُهُ العربُ من أخبار كرمه ونبله ، حتى نقل الحافظ في "شرح البخاري" أنهم كانوا يحُجُّون إليه لعلمه و فضله ، و كان على سُنَّةِ جدِّه إبراهيمَ الخليلِ ؛ لا يأكل وَحْدَهُ . و مما يؤثَر عنه من الحِكَمِ الجليلة –كما روي في "السيرة الحلبية"- : رُبَّ صورة تخالف المخبرة ، قد غرَّتْ بجمالها ، و اختُبِر قُبْحُ فِعَالها ، فاحذر الصُّوَرَ ، و اطلب الخُبْرَ . فهذا دليل على ما وصف به من العلم و الحكمة . و أما حج العرب إليه ؛ فهو دليل على أنه كان مثابة التعارف ، و معقِدَ رابطةِ الاجتماع والتآلف . و أما اصطفاء الله تعالى لقريشٍ الميامين الغرّ –و هم ذرية فهر بن مالك ، و قيل : جده النضر- ؛ فقد كان بما آتاهم من المناقب العظام ، و لا سيما بعد سكنى مكة ، و خدمة المسجد الحرام ، إذ كانوا أصرح ولد إسماعيل أنسابا ، و أشرفهم أحسابا ، و أعلاهم آدابا ، و أفصحهم ألسنة ، و هم الممهَّدون لجمع الكلمة . فقد نقل أهل السِّيَر أن مالك بن النضر كان ملك العرب ، و أن كعب بن لؤي كان يجمع قومه و يعظهم يوم الجمعة ، و كانوا يسمونه يوم العَروبة ، و أنهم كانوا يجلونه في حياته ، ثم أرخوا بموته بعد وفاته ، و أن قصيا جمع شمل قبائل قريش بمكة ، إذ كان هو الوارث لمن كانوا يتولونها من خزاعة ، و قد تملك عليهم فملكوه ؛ إلا أنه قد أقر للعرب ما كانوا عليه ، و ذلك أنه كان يراه دينا في نفسه ، لا ينبغي له تغييره و لا لغيره من بعده . قال ابن إسحاق : و هو الذي أنشأ الندوة ، و جعل بابها إلى الكعبة ، و قد أجمعت قريش على طاعته و حبه ، فكانت إليه الحجابة و السقاية و الرفادة و اللواء ، ثم وزعت المناصب بعده على الزعماء . فجملة ما امتاز به آله صلى الله عليه وسلم على سائر قومه الأخلاق العلية ، و الفواضل العملية ، و الفضائل النفسية ، و كانوا أبعد من سائر قريش عن الكبر و الأثرة و الأمور الحربية ، و لذلك غُلبوا على الرياسة حتى بعد الإسلام ، و حكمة ذلك ظاهرة لأولي الأحلام ، فهو أنفى للشُّبَه عن رسالته عليه أفضل الصلاة و السلام" انتهى ملخصًا . و عما اختصت به العرب من العلوم يقول ابن فارس رحمه الله تعالى في "الصاحبي" (ص76 – 77) ما نصُّه : "باب ذكر مَا اختصت بِهِ العرب : من العلوم الجليلة الَّتِي اختصت بِهَا العرب : الإعرابُ ، الَّذِي هو الفارق بَيْنَ المعاني المتكافِئَة فِي اللفظ ، وبه يعرف الخبر الَّذِي هو أصل الكلام ، ولولاه مَا مُيّز فاعلٌ من مفعول ، ولا مضافٌ من مَنْعوتٍ ، ولا تَعَجُّبٌ من استفهام ، ولا صَدْرٌ من مصدَر ، ولا نعتٌ من تأكيدٍ. وذكر بعض أصحابنا أن الإعراب يختص بالأخبار . وَقَدْ يكون الإعراب فِي غير الخبر أيضاً؛ لأنّا نقول : "أزيدٌ عندك?" و "أزيداً ضربتَ?" فقد عَمِل الإعراب وَلَيْسَ هو من باب الخبر. ورغم ناس يُتَوقَّفُ عن قَبول أخبارهم أن الذين يُسمَّون الفَلاسِفةَ قَدْ كَانَ لهم إعرابٌ ومؤلَّفاتُ نحوٍ. قال أحمد بن فارس : وهذا كلام لا يـُعَرَّجُ عَلَى مثله. وإنما تَشَبّهَ القوم آنفاً بأهل الإسلام ، فأخذوا من كتب علمائنا، وغَيَّروا بعض ألفاظها، ونسبوا ذَلِكَ إِلَى قوم ذَوي أسماء منكرةٍ ؛ بتراجمَ بَشِعَةٍ لا يكاد لسان ذي دين ينطق بِهَا، وادَّعوا مع ذَلِكَ أن للقوم شعراً ، وَقَدْ قرأناه فوجدناه قليل الماءِ، نَزْرَ الحَلاوة، غير مستقيم الوزن. بلى ؛ الشِّعر شِعر العرب، ديوانُهم ، وحافظ مآثِرهم ، ومُقيّدُ أحسابهم . ثُمَّ للعرب العَروض ، الَّتِي هي ميزان الشِّعر، وبها يُعرف صحيحه من سقيمه ، ومن عرف دقائقه وأسراره وخفاياه ؛ علم أنه يُرْبي عَلَى جميع مَا يتبَجَّحُ بِهِ هؤلاء الَّذِين يَنْتَحلون معرفة حقائق الأشياء ؛ من الأعداد ، والخطوط ، والنُّقَطِ ؛ الَّتِي لا أعرف لَهَا فائدة ؛ غير أنها مع قلة فائدتها ، تُرِقّ الدّين ، وتنتج كل مَا نعوذ بالله منه . وللعرب حفظ الأنساب ، وَمَا يُعلَم أحدٌ من الأمم عُني بحفظ النسب عناية العرب. قال الله جلّ ثناؤه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} ، فهي آية مَا عَمِل بمضمونها غيرُهم. ومما خصَّ الله جلَّ ثناؤه بِهِ العَربَ : طهارتُهم ، ونَزاهَتُهم عن الأدناس الَّتِي استباحها غيرهم ؛ من مخالَطَةِ ذوات المحارِم . وهي منقبة تَعْلو بِجَمالها كلَّ مأثرةٍ . والحمد لله." انتهى . وهكذا ... وفي أعقاب خاتمة الرسالات لنبينا ورسولنا محمد بن عبدالله المُطَّلِبِيِّ الهاشميّ صلى الله عليه وسلم كانت دعوة التجديد على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب المتوفى سنة 1206 رحمه الله ، الذي نصب راية الدعوة إلى التوحيد ، وإحياء ما اندرس من معالم الدين ، والتي لا يزال ينعم بها من شاء الله من عباده في هذه الجزيرة وخارجِها . وفي الحاضر : هذه اليقظة الإسلامية التي نشاهدها اليوم ؛ فإن هذه الدعوة المباركة تمثل الزاد النقيَّ لهذه اليقظة على منهاج النبوة ؛ سليمةً من الأهواء والأوهام و الانحرافات ، مُبَرَّأَةً من مظاهر الشرك و تبعات الغلو . وهكذا يمتد رواقها في العالم الإسلامي ؛ لأنها تمثل الإسلام تماما كما أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . وفي المستقبل -على مشارف الساعة ، في أيام الفتنة الكبرى ؛ قتنة المسيح الدجال- ؛ فإن الرجلَ المؤمنَ الذي تتحطَّمُ على يده هذه الفتنةُ هو من أهل هذه الجزيرة ؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، المتفق عليه . وفي هذا إشارة وإيماء إلى أن كل فتنةٍ عمياءَ صماءَ تجتاح بلاد الإسلام ؛ تتحطم على صخرة هذه الجزيرة ، وإذا كانت فتنة الدجال هي أعظم فتنة من لَدُن نوحٍ عليه السلام إلى قيام الساعة ، ويكون تحطيمها على يد رجل مؤمن من هذه الجزيرة ؛ فإن كل فتنة دونها ستتحطم على يد أبناء هذه الجزيرة بإذن الله تعالى . * * * |
تم طباعة الموضوع من الموقع شبكة المحمل الادبية الثقافية
http://www.almhml.com